صح إن وعثاء السفر وحرّ الصحرا كانوا هدّوا جسمه وأتعبوه، وإن آلام الطريق كانت واضحة عليه، لكن ده كله ما قدرش يطفي النار اللي جواه… النار اللي كانت بتسوقه لمكة.
ودخوله مكة كان بحذر شديد، كأنه واحد من الناس اللي داخلينها عشان يطوفوا بالكعبة، أو كأنه مجرد راجل عابر سبيل تايه عن طريقه، أو واحد من كتر السفر والترحال تعوّد على الطرق واللف والدوران.
كان أهل مكة لو عرفوا إنه جاي يدور على محمد ﷺ، كانوا مستعدين يفتكوا بيه لو عرفوا هو مين ونيته إيه.
ومع كده، هو ماكانش شايف إن ده سبب يخليه يتراجع أو يخاف، خصوصًا بعد ما قابل الراجل اللي قطع له المسافات دي كلها عشان يشوفه، وبعد ما سمع عنه كلام خلّى قلبه يتفتح للتصديق والإيمان بدعوته.
فكان أبو ذر يقعد بعيد، يسمع الناس وهم بيتكلموا عن محمد ﷺ، وكل ما يلاقي جماعة قاعدين بيتكلموا عنه، يقرب منهم في حذر، ويجمع من كلامهم أي معلومة أو إشارة ممكن توصّله لمكان محمد ﷺ، أو تدلّه عليه.
وفي صباح يوم من الأيام، راح للمكان اللي سمع عنه، فلقى رسول الله ﷺ قاعد لوحده.
فقرب منه، وقال:
"صباح الخير يا أخا العرب."
فردّ عليه الرسول ﷺ وقال:
"وعليك السلام يا أخا العرب."
فأبو ذر استغرب وقال:
"أنشدّني الكلام اللي بتقوله…"
فقال له الرسول ﷺ:
"هو لا شعر… ولا كهانة… ولا سجع… لكنه قرآن كريم."
فقال أبو ذر:
"اقرأ عليّ."
فقعد النبي ﷺ يقرأ عليه من القرآن… وأبو ذر يسمع… وماعدّاش وقت طويل، إلا وكان أبو ذر بيقول:
"أشهد أن لا إله إلا الله… وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله."
فسأله النبي ﷺ:
"منين أنت يا أخا العرب؟"
فقال له:
"من غفار."
ساعتها ظهرت على وشّ الرسول ﷺ ابتسامة واسعة، وامتلأ وجهه بالدهشة والتعجّب.
وأبو ذر نفسه ضحك، لأنه فهم سبب تعجّب النبي ﷺ…
تعجّب من إن الراجل اللي جه يعلن إسلامه قدامه، طلع واحد من غفار!
وغفار دي قبيلة كان محدش يأمن لها على حاجة ولا يطمن لها في طريق…
قبيلة مشهورة بقطع الطريق، وأهلها معروفين إنهم بيغيروا على القوافل، ويضربوا الأمثال في السطو والنهب…
ومنهم اللي كان يقضي الليل كله مترقّب ومستخبّي في الظلام، مستني أي قافلة أو مسافر يعدّي عشان ينقضّ عليه.
فأصبح منهم يومها… والإسلام ما بقاش بالنسبة له مجرد عضو جديد بيُضاف، ولا حتى مسلم واحد زيادة وخلاص… لأ!!
وكان أبو ذر بنفسه يحكي القصة دي ويقول:
لما قلت للنبي ﷺ إني من غفار… رفع بصره ليا وبصّ لي نظرة فيها تعجّب، وقال:
"إن الله يهدي من يشاء… أجل، إن الله يهدي من يشاء."
وفعلًا، كان أبو ذر رضي الله عنه واحد من الناس اللي ربنا أراد لهم الهداية والخير.
وكان عنده بصيرة بالحق، حتى اتروى عنه إنه كان من القلائل في الجاهلية اللي ماكانوش بيتهاونوا في الجاهلية ولا يرضوا بعبادة الأصنام، وكانوا شايفين إن الإيمان بالله له مقام عظيم.
وعشان كده، أول ما سمع بظهور نبي بينكر عبادة الأصنام ويدعو لعبادة الله الواحد القهار، شدّ الرحال فورًا وراح له.
وأسلم أبو ذر من ساعتها… وكان ترتيبه تقريبًا من المسلمين الخامس أو السادس.
يعني باختصار: هو دخل الإسلام من أوّل الأيام، بل من أوّل الساعات الأولى للإسلام، وكان إسلامه بدري جدًا.
وفي الوقت اللي أسلم فيه، كان الرسول ﷺ لسه بيدعو سرًّا، بيكلّم الناس همسًا، ويخصّ بالدعوة اللي يطمّن لهم من أهل مكة، اللي آمنوا بيه، واللي كان لسه مطمّن إنهم شايلين الإيمان جواهم بين ضلوعهم، ولسه ما غادروش مكة، ولا رجعوا لقبيلتهم.
لكن أبو ذر… جندب بن جنادة… كان راجل بطبعه ثائر، جواه حرارة ما تهدّاش.
اتخلق كأنه معمول عشان يتمرّد على الباطل في أي صورة، وماكانش يقدر يشوف الباطل بعينه… حجارة مرصوصة، الناس اللي في بلده بتسجد لها وتعبدها، ويسكت!
إزاي يشوف قدامه ذلّ قومه وهم بينحنوا قدام حجارة ما بتنفعش ولا تضر، ويسيبهم كده؟!
وصحيح إن الرسول ﷺ كان شايف إن الدعوة في الوقت ده لازم تبقى في هدوء وهمس… لكن برضه كان لازم يصلّح الاندفاع الجارف ده اللي جوّا أبو ذر، قبل ما يرجع لقومه.
فعشان كده، توجّه أبو ذر للنبي ﷺ، وبعد ما أسلم، سأله السؤال ده:
"يا رسول الله… بمَ تأمرني؟"
فأجابه الرسول ﷺ:
"ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري…"
لكن أبو ذر ردّ وقال:
"والذي نفسي بيده، لا أرجع حتى أُصرّح بالإسلام في المسجد… ألا أُعلمكم؟!"
دي كانت طبيعة أبو ذر المتمرّدة فعلًا…
في اللحظة اللي اكتشف فيها عالمًا جديدًا أبهره… وتمثّل له في الرسول اللي آمن بيه، وفي الدعوة اللي سمع بشائرها على لسانه… في اللحظة دي، كان صعب عليه جدًا إنه يرجع لقومه وهو ساكت، من غير ما يعلن اللي آمن بيه، ومن غير ما يصرخ بيه في وش الناس.
كان الموضوع أكبر من إنه يخبّيه جواه… ده كان أمر فوق طاقته.
هناك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله..
وكانت دي الصيحة — على قد ما نعرف — أول صيحة بالإسلام تتقال بصوت عالي قدّام كبار قريش، وتقرّع أسماعها..
صيحة راجل غريب، مالوش في مكة لا حسب ولا نسب ولا حماية..
واللي حصل بعد كده إنه ما كانش غايب عن ظنه إن ده هيكلّفه كتير..
وفعلًا، المشركين اتلمّوا عليه وضربوه ضرب شديد لحد ما صرعوه..
وفي اللحظة دي وصل الخبر للعباس عمّ النبي ﷺ، فدخل بسرعة وحاول ينقذه من بين إيديهم، وما قدرش يبعدهم عنه إلا بالحيلة الذكية..
وقف وقال لهم:
يا معشر قريش، إنتوا تجّار، وطريقكم على غفار، وده راجل من رجالتها.. إن كنتوا هتقتلوه، يبقى إنتوا كده بتعرّضوا قوافلكم وهي ماشية للخطر..
فانتبهوا لكلامه، وتركوه.
لكن أبو ذر، بعد ما ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله، ما بقاش عايز يخرج من مكة غير لما يعلنها تاني..
فما استناش كتير، وربما في نفس اليوم أو اليوم اللي بعده على طول، رجع تاني وراح يصرخ بنفس الشهادة.
وساعتها المشركون رجعوا له مرة تانية، وضربوه بعنف أشد من الأول، لدرجة إنهم طرحوه على الأرض وسحلوه سحلًا مهينًا..
وكانوا بيقولوا يا جراد! — على سبيل السخرية والإهانة —
وما سابوهوش غير لما فقد وعيه..
ولما فاق، صرخ للمرة التالتة:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله..
وساعتها أدرك رسول الله ﷺ طبيعة أبي ذر، وفهم قد إيه الراجل ده قلبه صلب، وشجاع، ومستعد يواجه الباطل مهما كان الثمن..
لكن في نفس الوقت، الرسول شاف إن وجوده في مكة بالشكل ده مش هيجيب غير مزيد من الأذى من غير ثمرة كبيرة دلوقتي،
فأمره إنه يرجع لقومه، ويكتم إسلامه، ويستنى لحد ما يسمع بظهور الدين وانتشاره..
وساعتها يبقى يرجع.
فرجع أبو ذر إلى عشيرته وقومه، شايل في قلبه نور الإيمان، وصوت النبي، وحرارة التجربة..
وراح يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وترك الأصنام، والإيمان برسوله..
وما كانش بس هو اللي أسلم، ده دخل على إيده ناس من قومه في الإسلام،
لحد ما أسلم نصف قبيلة غفار تقريبًا،
والنصف التاني قالوا: لو قدم رسول الله المدينة أسلمنا..
وفعلًا، لما هاجر النبي ﷺ للمدينة، أسلموا كلهم.
وبعدها الأيام جرت، والسنين عدّت،
وأبو ذر ظل ثابت على إيمانه، وملازم لرسول الله ﷺ، وعايش في ركاب الدعوة.
لحد ما جه اليوم اللي هاجر فيه الرسول ﷺ إلى المدينة، واستقر فيها هو والمسلمون..
وفي يوم من الأيام، وصلت قافلة طويلة ماشية من الصحراء،
أقدامها مغبرة من السفر، ووجوهها عليها أثر المشقة،
لكن في ملامحها نور إيمان وفرحة عظيمة..
كانوا قوم أبي ذر..
الناس اللي دخلوا الإسلام على إيده، وجايين دلوقتي مهاجرين إلى رسول الله ﷺ..
وكان أبو ذر ماشي في مقدمتهم،
يقود هذا الموكب المبارك،
حتى دخلوا المدينة..
وفي اللحظة دي، اتجه أبو ذر مباشرة إلى مسجد رسول الله ﷺ،
وقلبه ممتلئ بالشوق،
وعينه على النبي ﷺ،
بعد رحلة طويلة من الإيمان، والصبر، والدعوة، والأذى، والثبات.
كان الموكب ساعتها مكوَّن من قبيلتي غفار وأسلم، وجِه بيهم أبو ذر مسلمين كلهم…
رجالة وستات، شيوخ وشباب، وحتى أطفال كمان!
وكان من حق الرسول ﷺ ساعتها إنه يقف مبهور من المشهد ده…
لأن من كام سنة بس، كان قدامه رجل واحد من غفار جاي يعلن إيمانه وإسلامه، فتعجّب وقال يومها:
"إن الله يهدي من يشاء."
أما النهارده… فقبيلة غفار كلها تقريبًا، ومعاها قبيلة أسلم كمان، بقوا في الإسلام… بعد سنين قليلة من اللحظة اللي ربنا هدى فيها أبا ذر.
يعني ناس كانوا زمان معروفين إنهم قطاع طرق، وحلفاء للسطو والنهب، بقوا دلوقتي دعاة للخير، وحماة للحق…
أليس الله يهدي من يشاء فعلًا؟!
الرسول ﷺ بصّ في وشوشهم الطيبة، وكانت نظراته مليانة غبطة وحنان ورضا…
وبعدين نظر إلى قبيلة غفار وقال:
"غفار غفر الله لها."
ثم نظر إلى قبيلة أسلم وقال:
"وأسلم سالمها الله."
وأبو ذر… هذا الداعية الرائع، القوي الشكيمة، العزيز المنال…
ألا يخصّه الرسول ﷺ بتحية خاصة؟
بلى… أكيد.
بل وأكثر من كده، هيكون جزاؤه موفورًا، وتحيته مباركة…
هيفضل شايل في صدره وعلى كتفه تاريخًا، من أرفع الأوسمة وأكرمها منزلة وعزّة…
وهيفضل الزمن يعدّي، والقرون والأجيال تتوالى، والناس تردّد كلام الرسول ﷺ فيه:
"ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الخضراء، أصدق لهجة من أبي ذر."
يعني:
ما فيش أرض حملت، ولا سماء ظلّلت، إنسانًا أصدق لهجة من أبي ذر.
الرسول ﷺ كأنه من بدري قرأ مستقبل صاحبه، ولخّص حياته كلها في الكلمات دي.
لأن الصدق كان هو جوهر حياة أبي ذر كلها…
صدق في باطنه وظاهره…
صدق في عقيدته، وصدق في كلامه…
وكان عايش حياته صادق، لا ينافق نفسه، ولا ينافق غيره، ولا يسمح لحد يشتري سكوته أو يلوّن موقفه.
وعمر الصدق عنده ما كان فضيلة هادئة أو صامتة…
لأ، الصدق عند أبي ذر ماكانش مجرد صمت محترم، ولا وقار ساكت.
الصدق عنده كان جهر وإعلان…
جهر بالحق، وفضح للباطل…
وتأييد للصواب، ورفض للخطأ…
كان الصدق عنده دليلًا يهديه للحق، ويخلّيه يمشي وراه بشجاعة…
وكمان كان يعبّر بيه عنه، ويسير حيًّا معه.
وكان الرسول ﷺ بعين بصيرته النافذة شايف من بدري، عبر الغيب القريب والمجهول البعيد، كل المتاعب اللي هتقابل أبا ذر بسبب صدقه وصلابته…
فكان دايمًا يوصيه إن الأناة والصبر يكونوا سلاحه وطريقه.
وفي يوم، الرسول ﷺ سأله السؤال ده:
"يا أبا ذر… كيف أنت إذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء؟"
يعني: إيه حالك لو جه وقت تلاقي فيه حكّام وأمراء ياخدوا المال العام لأنفسهم، ويستأثروا بيه من غير الناس؟
فأبو ذر جاوب فورًا وقال:
"إذًا والذي بعثك بالحق، لأضربنّ بسيفي!"
فقال له الرسول ﷺ:
"أفلا أدلك على خيرٍ من ذلك؟ اصبر حتى تلقاني."
وهنا كأن الرسول ﷺ ماكانش بيسأله سؤال عابر…
لأ، ده كان كأنه شايف قدّامه من دلوقتي قضية أبي ذر اللي هتعيش معاه طول عمره…
قضيته مع المجتمع، ومع المستقبل، ومع السلطة، ومع المال.
وعشان كده الرسول ﷺ كان عارف إن السؤال ده مش مجرد موقف هيعدّي، لكنه نصيحة مبكرة، وصية بيزرعها في قلب أبي ذر من بدري:
"اصبر حتى تلقاني."
وأبو ذر حفظ الوصية دي كويس…
لكنّه في نفس الوقت ماكانش هيسيب السيف اللي جواه ينام.
صحيح إنه مش هيشهر سيفًا من حديد في وشّ الأمراء اللي بيغتنوا من مال الأمة…
لكن كمان مش هيسكت عنهم، ولو لحظة واحدة.
أيوه… لو الرسول ﷺ نهاه إنه يرفع السيف في وجوههم،
فهو ما نهاهوش أبدًا إنه يحمل سيف الحق على لسانه.
وده فعلًا اللي حصل…
عدّى عهد الرسول ﷺ، وبعده عهد أبي بكر، وبعده عصر عمر،
وعمر مضى وهو غالب على مغريات الدنيا، ودواعي الفتنة، ومزالق الحياة.
حتى النفوس اللي كانت ميّالة للرغبة والشهوة، ماكانتش لاقية سكة ولا منفذ تقدر تنفذ منه.
لكن بعد كده… ظهرت انحرافات، وأبو ذر وقف لها بكل وضوح،
رفع صوته ضدها، وفضحها بكلمته اللاهبة.
وفي عهد أمير المؤمنين عمر بالذات، كان أبو ذر شايف ولاة المسلمين وأمراءهم وأغنياءهم في أماكن كتير من الأرض،
زاهدين، متقشفين، وعدلهم يكاد يكون فوق طاقة البشر.
فلو واحد منهم بقى واليًا في العراق، أو في الشام، أو في صنعاء، أو في أي بلد من البلاد البعيدة…
كان بالكاد ياكل نوعًا من الحلوى، والناس العاديون أصلًا ماكانوش يقدروا يشتروا الحلوى دي،
عشان لما يوصل الخبر لعمر بعد أيام،
ويسمع إن الوالي ده أكل حاجة ما يقدرش عامة الناس يجيبوها،
كان عمر يبعث له فورًا يأمره إنه ييجي،
ويقف قدّامه يحاسبه على حساب العصير!!
لدرجة إن أبا ذر نفسه كان أحيانًا يبقى متعجّب من شدة صرامة الفاروق،
ويمكن يستغرب أحيانًا: إزاي عمر بيحاسبهم على حاجات دقيقة للدرجة دي؟
لكن في النهاية، ما دام عمر هو أمير المؤمنين،
فأبو ذر ماكانش يضايقه في حياته شيء مثل ما كان يضايقه استغلال السلطة، واحتكار الثروة…
فوجود عمر بن الخطاب في الحكم، برقابته الشديدة على السلطة، وحرصه إن الثروة تتوزّع بالعدل، كان بيدي أبا ذر قدر كبير من الطمأنينة والرضا.
وكده كان يقدر يتفرّغ لعبادة ربّه، وللجهاد في سبيله…
لأنه ماكانش من النوع اللي يسكت لو شاف رأيًا مختلفًا هنا، أو ظلمًا هناك…
أبدًا، عمره ما كان يعرف السكوت على اللي شايفه باطل.
لكن لما رحل عن الدنيا واحد من أعظم حكّام البشر، وأعدلهم، وأروعهم… عمر…
ساب وراه فراغًا كبيرًا، وفراغه ماكانش مجرد غياب شخص، لكن كمان خلّف ردود فعل ماكانش ليها أول ولا آخر عند الناس…
والفتوح فضلت مستمرة، والمدّ فضل يزيد، ومعاه بدأت الرغبات تتفتح على متع الحياة وزينتها وترفها…
وأبو ذر كان شايف الخطر ده بعينه.
كان شايف إن ايثار المجد الشخصي ممكن تفتن ناس، فيتصوّروا إن الحياة بقت حقّهم، وإن من حقهم يرفعوا راية أنفسهم بدل راية الله.
وكان شايف إن الدنيا، بزخرفها وباطلها وغرورها الساحر، ممكن تفتن ناس تانيين، فينسوا رسالتهم، ويحوّلوا الدنيا من وسيلة للخير والعمل الصالح إلى غاية في حد ذاتها.
وكان شايف كمان إن المال اللي ربنا جعله في الأصل خادمًا للإنسان، ممكن يتحوّل إلى سيّد مستبد يتحكم فيه.
وده كله كان واضح قدّامه…
ومع مين؟
مع أصحاب محمد ﷺ نفسهم، اللي مات ودرعه مرهونة، بينما أكوام الفيء والغنائم قدّامهم!
وكان شايف إن خيرات الأرض اللي ربنا ساقها للناس جميعًا، واللي الأصل إنهم يشتركوا فيها، ممكن تتحوّل إلى حِكر وملكية خاصة لفئة معيّنة.
وكان شايف إن السلطة، اللي المفروض إنها مسؤولية مرهقة يسأل الله صاحبها عنها حسابًا شديدًا، ممكن تتحوّل في أيدي ناس إلى وسيلة للسيطرة، والهوى، والترف، والمديح الزائف.
وعشان كده، أبو ذر ماكانش راجل بيدوّر على مخرج لنفسه، ولا بيتهرّب من مسؤوليته…
وماكانش هيقف بعيد يتفرّج.
بل مدّ إيده إلى سيفه…
سيفه اللي هو ورعُه، وغيرتُه، ونظافته الداخلية، وسيفه اللي واجه بيه المجتمع كله لما حسّ إن فيه كِبوة.
لكن ما إن تذكّر صدى الوصية اللي أوصاه بيها الرسول ﷺ، رجع السيف إلى غمده…
لأن السيف ده ماكانش ينفع يترفع في وجه مسلم.
وهنا فهم أبو ذر مهمته الحقيقية:
"هو ذا… كانت يقيني أن يقاتل قومًا إلا خطأً."
يعني: مش دوره النهارده إنه يقتل… بل إنه يعترض.
ماكانش السيف هو أداة التغيير والتقويم عنده…
إنما كانت الكلمة الصادقة، الأمينة، المستبسلة…
الكلمة العادلة اللي ما تضلش طريقها، وما تخافش من عواقبها.
فالرسول ﷺ كان قال من زمان، وعلى مسمع من أصحابه، إن الأرض ما حملتش، والسماء ما ظلّلت، أصدق لهجة من أبي ذر.
واللي عنده القدر ده من صدق اللهجة، وصدق الإقناع…
يحتاج سيف ليه؟
تكفيه كلمة واحدة يقولها،
فليخرج أبو ذر بكلامه ده إلى الأمراء، وإلى الأغنياء، وإلى كل الناس اللي بدأت الدنيا تفتنهم وتخدعهم، فخلّتهم ينسوا إن الدين اللي جه به محمد ﷺ ماجاش عشان يعمل ملك، ولا جبروت، ولا عذاب، ولا قهر…
إنما جه هداية، وعدل، ورحمة، وتواضع، واستقامة، وتكافؤ، وقناعة…
ماجاش يعلّم الناس الشبع والتخم والترف، إنما يعلّمهم الكفاية، والاعتدال في الأخذ، وإن الدنيا ما تبقاش هي اللي تملكهم وتتحكم فيهم.
فخرج أبو ذر بهذا النداء لكل الناس…
خرج بيه للأمراء، وللأغنياء، ولأصحاب الجاه والنفوذ…
خرج يذكّرهم إن الله هو اللي يحكم بين عباده بالحق، وهو خير الحاكمين.
ومن يومها، بقى أبو ذر كأنه معارض دائم لكل انحراف يمسّ السلطة أو الثروة.
بقى يقف في وش أي مظهر من مظاهر الإثرة اللي الناس بدأت تلتف حواليها، وبدأت تجرّها وراءها جماهير المكدوسين…
وبقت كلماته، حتى في الأقطار النائية اللي ماكانش وصلها بنفسه، تُسمَع كأنها دويّ…
بل ما بقتش مجرد اسم أو رأي… ده بقت قوة، وأثرًا، وأسئلة خطيرة تهدد مصالح أهل السلطان والثراء.
ولو كان أبو ذر عايز يخلّي الناس كلها تنتبه له، ويعمل لنفسه ضجة أو بطولة شخصية، كان سهل جدًا يعمل كده…
خصوصًا إن الشعار اللي كان بيرفعه كان شعارًا ساخنًا، فيه قوة وقدرة على إشعال الحماسة في القلوب.
الشعار ده هو كلام الله تعالى:
"والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم."
أبو ذر شال الآية دي وخلّاها نداءه الدائم…
يرددها في كل زمان ومكان، والناس من كتر ما سمعوها منه بقت كأنها نشيده الخاص.
كان يطلع جبل… وينزل سهل… ويدخل مدينة… وما يقابلش الناس إلا والكلمات دي على لسانه.
وكان كل ما شاف كنزًا للمال، أو ترفًا، أو استئثارًا بالثروة، رجع يردّدها من جديد:
"بشّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة…"
والناس ما عادوش يستغربوا لما يشوفوه داخل عليهم وهو بيستقبلهم بالآية دي.
وبقيت العبارة دي بالذات أشد ما يعبّر عن رسالته في الحياة…
لأن أبا ذر كان شايف بعينه إزاي الثروات بتتكدّس وتتركّز، وإزاي السلطة ممكن تتحول إلى استعلاء واستبداد، وإزاي حب الدنيا ممكن يوسّخ أنقى ما في النفس من جمال روحي وصفاء وإخلاص.
وكان شايف كمان واحدًا من أخطر الأمثلة على ده كلّه:
معاوية بن أبي سفيان، والي الشام ساعتها…
رجل بيحكم أرضًا من أخصب بلاد الإسلام وأوسعها،
وعنده من النفوذ والهيبة والمكانة ما يخلي الناس يلتفّوا حواليه،
ويبصّوا لمستقبله على إنه مستقبل كبير… بل مستقبل يبرّر له طموحه البعيد.
وهنا أبو ذر حس إن الخطر كبر…
لأن الضياع والقصور والثروات معناها إن في جزءًا من حَمَلة الدعوة نفسهم ممكن يتسرّب إليه الوهن.
فأدرك إن الخطر لازم يُوقَف قبل ما يستفحل.
وعشان كده، شدّ الرحال، وراح إلى الشام…
راح يواجه زعيم المعارضة في زمانه، من غير خوف، ولا تردد، ولا مواربة.
والناس العاديون ما صدقوش إن اللي سمعوا عنه هيشوفوه قدامهم فعلًا…
فاستقبلوه بحماس وشوق،
واتجمعوا حواليه أينما راح، ومشى، وسار.
فقالوا حدثنا يا صاحب رسول الله
بدأ أبو ذر وقال: "الرسول ﷺ قال لنا..."
وبعدين بص على الناس اللي حواليه، وبص لهم بنظرات كلها نصح وحكمة، فلقى إن أغلبهم عايشين في فقر وضيق وحالهم على قدهم. بعدها بص ناحية المشارف الغربية، فشاف القصور والضياع الممتدة هناك.
بعدها ابتسم ابتسامة خفيفة، فالناس اللي كانوا حواليه استغربوا وقالوا: "إزاي واحد مش لاقي قوت يومه في بيته، يطلع يقف قدام الناس كلها بالشكل ده؟!"
وبعدين افتكر وصية الرسول ﷺ، إن وقت التغيير والثورة، الكلمة الشجاعة هي اللي تاخد مكان السيف. فقرر يسيب لغة الحرب، ويتكلم بلغة العقل والمنطق والإقناع. وبدأ يفهم الناس إنهم كلهم سواسية، وكلهم شركاء في الرزق، ومفيش حد أحسن من حد إلا بالتقوى، وإن أمير القوم وخادمهم لازم يبقى أول واحد يجوع لو الناس جاعت، وآخر واحد يشبع لو الناس شبعت.
قرر أبو ذر يجاهر برأيه ويقوله بصراحة في كل بلاد المسلمين، علشان يخلق رأيًا عامًا يطالب بالعدل، ويبقى فيه قوة تمنع الحكام والأغنياء من الاستئثار بالسلطة والثروة، وما تسيبش فرصة لظهور طبقات متسلطة أو حاكمة تتحكم في الناس.
وفي أيام قليلة، بقت الشام كلها كأنها خلية نحل مليانة حركة. ولو إن معاوية والي الشام وقتها كان مشغول بأي حاجة، إلا إن أبو ذر فرض نفسه عليه، وبقى كلامه هو حديث المجالس والمساجد والطرق.
ووصل تأثيره لدرجة إن المناظرات اللي كانت بتحصل بينه وبين معاوية كان بيحضرها آلاف الناس، وكل واحد يحضرها ينقل اللي سمعه لغيره، وانتشرت الأخبار بسرعة.
وقف أبو ذر، أصدق الناس لهجة، زي ما الرسول ﷺ وصفه، وسأل معاوية من غير خوف ولا تردد عن ثروته قبل ما يبقى حاكم، وعن ثروته بعد ما بقى حاكم.
وسأله كمان عن البيت اللي كان ساكن فيه في مكة، وعن القصور اللي بقى ساكن فيها في الشام.
وبعدين وجّه كلامه للصحابة اللي راحوا مع معاوية للشام، واللي بقى عند بعضهم ضياع وقصور، وقال لهم: "إنتوا مش الناس اللي القرآن نزل والرسول بين ضهركم؟"
فردوا: "أيوه، إحنا اللي نزل فينا القرآن، وعشنا مع الرسول وشهدنا كل اللي حصل."
فسألهم تاني: "طيب، مش لاقيين في كتاب ربنا الآية دي؟"
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
بدأ أبو ذر يكمل كلامه، وقال:
"في يوم القيامة، الذهب والفضة اللي الناس كنزتهم هيتسخنوا عليهم في نار جهنم، وهتتكوى بيهم جباههم وجنوبهم وضهورهم، وهيتقال لهم: ده اللي كنتوا بتكنزوه لنفسكم، يبقى ذوقوا بقى نتيجة اللي كنتوا بتكنزوه."
ساعتها معاوية رد عليه وقال: "الآية دي نزلت في أهل الكتاب."
لكن أبو ذر رد عليه بسرعة وقال: "لأ... دي نزلت فيهم، ونزلت فينا إحنا كمان."
وبعدين كمل أبو ذر كلامه، ونصح معاوية، وكل اللي كانوا معاه، إنهم يطلعوا كل اللي في إيديهم من ضياع وقصور وأموال، وما يحتفظوش لنفسهم غير باللي يكفي احتياجات يومهم.
وبقت المجالس والمحافل كلها تتكلم عن المناظرة دي، والناس تنقلها من مكان لمكان.
وأبو ذر فضل يلف على البيوت والطرقات، وينادي بأعلى صوته: "بشّروا اللي بيكنزوا الأموال بالنار يوم القيامة!"
ومعاوية بدأ يحس إن الموضوع بقى خطير، وعارف إن كلام أبو ذر له تأثير كبير، لكنه ما قدرش يرد عليه بالحجة. فكتب للخليفة عثمان رضي الله عنه وقال له: "إن أبو ذر أفسد الناس في الشام."
فوصلت رسالة من عثمان لأبو ذر، بيطلب منه يرجع المدينة.
فأبو ذر شد رحاله للمرة التانية، وسافر من الشام للمدينة. ويوم ما خرج منها، دمشق ما شافتش زيه في يوم من أيام الشدة ولا حتى يوم الوداع.
وكان بيقول: "أنا ماليش أي حاجة في دنياكم."
ولما وصل المدينة، دخل على الخليفة عثمان، وقعدوا يتكلموا مع بعض كلام طويل.
ولما عثمان خلص كلامه مع أبو ذر، اقتنع بكل اللي قاله، وفهم قد إيه الراجل ده صادق، وقد إيه دعوته قوية. فقرر يخليه يقعد قريب منه في المدينة.
وعثمان عرض على أبو ذر عرض بكل رفق وقال له: "اقعد هنا جنبي، وخد من بيت المال اللي يكفيك أنت ومراتك."
لكن أبو ذر رد وقال: "أنا ماليش حاجة في دنياكم."
أصل هو فعلًا ما كانش له رغبة في الدنيا، وكان واحد من الناس الصالحين اللي كانوا بيدوروا على راحة الروح، وبيعيشوا علشان يدوّا، مش علشان ياخدوا.
بعد كده، طلب من الخليفة عثمان رضي الله عنه إنه يسمح له يطلع يعيش في الربذة، فوافق وأذن له.
وأبو ذر فضل طول عمره، وهو مختلف مع بعض تصرفات عثمان، محافظ على وصية النبي ﷺ اللي كانت جواه، وهي إنه ما يرفعش السيف على المسلمين.
ولو كان الرسول ﷺ شاف اللي هيحصل بعده، أكيد كان هيشوف إن أبو ذر فهم نصيحته أحسن فهم، وطبّقها لآخر لحظة، فاستحق إنه يكون أهل للنصيحة الغالية دي.
لكن رغم كل ده، أبو ذر ما كانش ارتاح. كان مضايقه إن فيه بعض الناس المغرضين بقوا شايفين إن كلامه ودعوته ممكن يشجع الفقراء إنهم يثوروا علشان يشبعوا جوعهم ويكفوا احتياجهم.
وفي يوم، وهو موجود في الربذة، جه له ناس من الكوفة، وسألوه: "إيه رأيك ترفع راية الثورة ضد الخليفة؟"
فرد عليهم بكلام واضح وحاسم، وقال:
"والله، حتى لو عثمان صلبني على أطول خشبة أو فوق جبل، هسمع كلامه، وهطيعه، وأصبر وأحتسب، وهشوف إن ده خير ليا. وحتى لو سيّرني من أقصى المشرق لأقصى المغرب، برضه هسمع وأطيع وأصبر وأحتسب، وهشوف إن ده خير ليا. وحتى لو رجّعني لبيتي، برضه هسمع وأطيع وأصبر وأحتسب، وهشوف إن ده خير ليا."
كان أبو ذر راجل عمره ما كان بيدور على متاع الدنيا ولا مناصبها. وكل مرة كان بيفهم أكتر قد إيه الفتنة بين المسلمين خطرها كبير، وقد إيه عواقبها صعبة. وكان فاهم كمان إن العصيان نفسه ممكن يبقى فتنة وخطر، حتى لو كان صاحبه شايف إنه بيعمل الصح. علشان كده كان بيواجه الباطل بصوته وكلمته، لكن عمره ما واجهه بالسيف.
وأبو ذر عاش حياته كلها أمين على المبادئ دي.
وطول عمره كان شايف إن أخطاء الحكم، وأخطاء المال، ممكن توقع الناس في الغرور والفتنة. وكان أكتر حاجة بيخاف منها على إخوانه اللي حملوا راية الإسلام مع النبي ﷺ، إنهم يقعوا في الامتحان ده.
وكان شايف إن الحكم والمال هما أصعب اختبار ممكن يقابل الأمم والمجتمعات، ولو الناس استخدموهم غلط، مصيرهم هيبقى في خطر أكيد.
وعلشان كده، أبو ذر عمره ما تمنّى يبقى أمير، ولا يجمع ثروة، وكان نفسه يفضل طول عمره زي ما كان: داعية للخير، وهادي للناس، وعبد مخلص لله.
وكان عارف قد إيه الدنيا فتنة، وقد إيه المال ممكن يضر صاحبه. وكان فاكر إن أبو بكر وعمر فهموا الحقيقة دي كويس.
ولما سمع النبي ﷺ بيحذر أصحابه من فتنة الإمارة، ويقول عنها: "إنها أمانة، لكنها يوم القيامة تبقى خزي وندامة... إلا للي أخدها بحقها، وأدى اللي عليه فيها."
الكلام ده فضل ثابت في قلب أبو ذر.
ولدرجة إن أبو ذر كان بيتجنب حتى إخوته لو بقوا ولاة أو أصحاب مناصب، لأنه كان خايف عليهم من فتنة المال والسلطة.
وفي يوم، لقيه أبو الأشعري، ففرح جدًا أول ما شافه، ومدّ له دراعيه وهو بيقول: "أهلاً يا أبا ذر... نورت."
لكن أبو ذر رجع خطوة لورا، وقال له: "أنا مش هقرب منك دلوقتي... أنا كنت أعرفك قبل ما تبقى والي وأمير."
وكمان في يوم، قابل أبو هريرة، فاستقبله بفرحة ومد إيده يسلم عليه، لكن أبو ذر بعد عنه، وقال له: "إليك عني..."
قال له أبو ذر:
"إنت مش نفس الشخص اللي اتولّى إمارة لبنان؟ واتاخدلك هناك ماشية وزراعة؟!"
فأبو هريرة فضل يدافع عن نفسه، وينفي كل الكلام والإشاعات دي.
ومن برّه، ممكن يبان إن أبو ذر كان متشدد شوية في موقفه من الحكم والمال والثروة.
لكن الحقيقة إن أبو ذر كان عنده مبدأ ثابت، وكان دايمًا بيحاسب نفسه قبل أي حد، وإيمانه هو اللي كان بيحركه. وكان بيقيس تصرفاته وأفعاله وسلوك اللي حواليه بالميزان اللي سابه رسول الله ﷺ لأصحابه، واللي مشي عليه أبو بكر وعمر من بعده.
ولو بعض الناس شايفين إن المستوى ده مثالي وصعب يتطبق، فأبو ذر كان شايف إنه هو الطريق الصح للحياة والعمل، خصوصًا للرجالة اللي عاشوا مع الرسول ﷺ، وشافوه بعينيهم، وسمعوا كلامه، وجاهدوا معاه، وبعد كده بقوا قدوة للناس.
وكمان، زي ما اتقال قبل كده، أبو ذر كان فاهم من بدري إن الحكم والمال من أخطر الحاجات اللي ممكن تأثر على مصير الناس. وعشان كده، أي خلل في أمانة الحاكم، أو في عدالة توزيع الثروة، كان بالنسباله خطر لازم يتواجه ويتصلح.
وعاش أبو ذر حياته كلها وهو شايل راية الاقتداء الكامل برسول الله ﷺ. وكان أمين جدًا على العهد ده، وكان أستاذ في إنه يسيطر على نفسه قدام إغراءات السلطة والمال.
وفي مرة اتعرض عليه إنه يبقى والي على العراق، لكنه رفض وقال:
"لا والله... مش هتقدروا تحملوني المسؤولية دي أبدًا."
وفي يوم، صاحبه شافه لابس جلابية قديمة ومهلهلة، فقال له:
"يا أبو ذر، معندكش هدوم غير الجلابية دي؟! ده بقالها معاك سنتين جداد!"
فرد عليه أبو ذر وقال:
"يا ابن أخويا، أنا اديتها لواحد محتاجها أكتر مني."
فالراجل استغرب وقال له:
"بس إنت كمان محتاجها!"
فرد عليه أبو ذر وقال:
"الله يغفرلك... إنت شايفني محتاج للدنيا؟ هو اللي خدها كان أحوج مني بيها."
وبعدين في مرة تانية، راح يصلي الجمعة، وكان عنده أتان (أنثى حمار) بيركبها، وكانت أعز حاجة يملكها، فقال:
"دي أحسن نعمة ربنا اداهالي."
وبعدين قعد يحكي وقال:
"حبيبي رسول الله ﷺ وصاني بكذا وصية: وصاني أحب المساكين وأقرب منهم، ووصاني أبص للي أقل مني في الدنيا، وما أبصش للي أعلى مني، ووصاني إني أصل رحمي حتى لو قطعوني، ووصاني إني أقول الحق حتى لو كان مُر، ووصاني إني ما أخافش في الله من لوم أي حد، ووصاني إني أكتر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله."
وعاش أبو ذر طول حياته متمسك بالوصايا دي، وفضل ينفذها في كل تصرفاته، لحد ما بقت جزء من ضميره، ومن حياته، ومن أخلاقه بين الناس وأمته
الإمام علي رضي الله عنه كان بيقول:
"من النهارده، محدش هيلوم حد في سبيل الله أكتر من أبو ذر."
وأبو ذر فضل طول حياته بيحارب استغلال السلطة، واحتكار الثروة. وكان بيحارب الغلط بالكلمة الصادقة، وبالنصيحة المخلصة، وبالموعظة الحسنة، وبالتحذير، من غير ما يستخدم القوة أبدًا. ولما اتقال له: "ارفع سيفك!"
رد وقال:
"والله، لو كنت فاكر إن مجرد إني أحط السيف على رقبتي يبقى ده تنفيذ لكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ، كنت عملت كده قبل ما تطلبوا مني."
وبكده، فضّل أبو ذر مؤمن إن المسلمين لازم يسمعوا للنصيحة ويعملوا بيها.
ولو الفتن اللي حصلت بعد كده، واستغلها ناس كتير، وكادت تجر على الدولة والمجتمع الإسلامي مصايب كبيرة، فده كان دليل إن الخطر اللي أبو ذر كان بيحذر منه كان فعلًا خطر عظيم.
ودلوقتي، أبو ذر بيمر بلحظات الاحتضار في الربذة، المكان اللي اختار يعيش فيه بعد خلافه مع عثمان رضي الله عنه.
تعالوا نقف معاه في آخر لحظات حياته، ونودّع الراجل العظيم ده.
قاعد جنبه زوجته، وهي بتعيط.
فسألها:
"بتعيطي ليه؟"
قالت له:
"علشان إنت بتموت، ومفيش عندي حتى كفن أكفنك بيه."
فابتسم ابتسامته الهادية، وقال لها:
"ما تعيطيش... أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم، وأنا وسط مجموعة من أصحابه: (هيموت واحد منكم في أرض فاضية، وهيشهد موته جماعة من المؤمنين). وكل اللي كانوا قاعدين وقتها ماتوا وسط الناس، ومبقاش غيري... وها هي اللحظة جت. راقبي الطريق، وهتشوفي جماعة من المؤمنين. والله، لا كذبت ولا اتكدب عليّ."
وفعلًا، كانت كلماته صدق.
وفي نفس الوقت، كانت فيه قافلة ماشية في الصحراء، ومعاها مجموعة من المؤمنين، وكان على رأسهم عبد الله بن مسعود، صاحب رسول الله ﷺ.
وابن مسعود لمح من بعيد منظر جسم ممدد على الأرض.
ولما قرب، عرف إنه جثمان إنسان، فقال:
"إنا لله وإنا إليه راجعون."
ونزل بسرعة من على دابته، وجري ناحية الجثمان.
وأول ما شافه، ما قدرش يمسك نفسه، ودموعه نزلت، لأنه لقى صاحبه وأخوه في الله والإسلام... أبو ذر.
ووقف عند جسده الطاهر وهو بيقول:
"صدق رسول الله ﷺ... عشت وحدك، ومت وحدك، وهتتبعث وحدك.
وقعد عبد الله بن مسعود بعد كده يحكي لأصحابه معنى كلام النبي ﷺ لما قال عن أبو ذر:
"يعيش لوحده، ويموت لوحده، ويتبعث يوم القيامة لوحده."
وقال لهم إن القصة بدأت في غزوة تبوك، وكانت في السنة التاسعة للهجرة، لما الرسول ﷺ أمر المسلمين يخرجوا علشان يواجهوا الروم، اللي كانوا بيجهزوا لمحاربة المسلمين.
وكان الوقت صعب جدًا؛ الرسول دعا الناس للجهاد لمدة حوالي عشرة أيام بس، والمسافة كانت بعيدة، والحر شديد، والعدو كان قوي، فالمهمة ما كانتش سهلة.
وفي ناس من المسلمين اتأخروا عن الخروج، وقعدوا يعتذروا بأعذار مختلفة.
لكن الرسول ﷺ خرج ومعاه أصحابه.
وكان كل شوية واحد يتأخر عن الجيش، فالناس كانوا يقولوا: "يا رسول الله، فلان اتأخر."
فكان النبي ﷺ يقول: "سيبوه... لو فيه خير، ربنا هيلحقه بيكم، ولو مفيهوش خير، فربنا أراحكم منه."
وفي مرة، الناس افتقدوا أبو ذر، فقالوا للرسول ﷺ:
"يا رسول الله، أبو ذر اتأخر، وبعيره بقى بطيء ومقدرش يكمل."
فالرسول ﷺ كرر نفس الكلام اللي كان بيقوله: "سيبوه... لو فيه خير، ربنا هيلحقه بيكم، ولو مفيهوش خير، فربنا أراحكم منه."
وكان بعير أبو ذر فعلًا تعب من شدة السفر، والجوع، والعطش، والحر، ومبقاش قادر يتحرك.
وأبو ذر حاول بكل قوته يخلي البعير يمشي، لكنه ما قدرش.
فلما لقى إن البعير هيعطله عن اللحاق بالرسول ﷺ، نزل حمله من على البعير، وشاله على ضهره، وقرر يكمل الطريق ماشي لوحده وسط الصحراء، علشان يلحق بالنبي ﷺ وأصحابه.
ولما الجيش وقف يستريح، بص واحد من الصحابة من بعيد، وشاف راجل ماشي لوحده في وسط الصحراء.
فقال: "يا رسول الله، فيه راجل ماشي لوحده على الطريق."
فقال النبي ﷺ:
"يا رب يكون أبو ذر."
وبعدها رجعوا يكملوا كلامهم، وفي نفس الوقت الراجل كان بيقرب منهم خطوة بخطوة، وكل ما يقرب أكتر، بدأت ملامحه تبان.
وأخد المسافر اللي جاي من بعيد يقرب منهم واحدة واحدة، وخطواته كانت بتغوص في رمال الصحراء وهو ماشي، لحد ما بقى قريب منهم جدًا...
وأبو ذر كان شايل حمله على ضهره، وتعب جدًا، لكنه كان مبسوط، لأنه أخيرًا لحق بالقافلة المباركة، وما اتأخرش عن رسول الله ﷺ وإخوانه المجاهدين.
وأول ما أهل القافلة شافوه، قالوا:
"يا رسول الله... ده والله أبو ذر!"
وأبو ذر كمل طريقه لحد ما وصل للنبي ﷺ.
وأول ما النبي ﷺ شافه، ابتسم له ابتسامة كلها حنان ورحمة، وقال:
"ربنا يرحم أبا ذر... يعيش لوحده، ويموت لوحده، ويتبعث يوم القيامة لوحده."
وبعد أكتر من عشرين سنة من اليوم ده، اتحققت كلمات الرسول ﷺ زي ما قالها.
مات أبو ذر لوحده في الربذة، بعد ما عاش حياته كلها ماشي في طريق محدش شاركه فيه، ولا رضي يغيّره مهما حصل.