مصعب بن عمير كان من أنبل شباب قريش وأحسنهم شكلًا وهيبة وجمال، وكانوا المؤرخين والراويين بيقولوا عنه إنه كان أحسن واحد في مكة ريحةً وطيبًا، وشاب متنعّم اتربّى في عز ورفاهية، وكبر في وسط النعمة والدلال.
مفيش حد من شباب مكة كان عايش في الترف زيّه، وكان أبوه مديّه كل حاجة، فكان دايمًا ظاهر عليه الغنى والنعيم، وده خلى شكله وهيئته ملفتين جدًا وسط الناس.
كان شاب متدلّع، عايش في نعيم كبير، ومجالس مكة وسهراتها كانت جزء من حياته، لحد ما بقى ممكن يتحول في أي لحظة لشخص عادي من اللي عايشين حياة اللهو، لكن حصل معاه حاجة غيّرت كل ده.
سبحان الله… ده مصعب بن عمير، أو زي ما المسلمين كانوا بيسموه مصعب الخير.
كان واحد من أوائل الناس اللي الإسلام شكّلهم وغيّرهم تمامًا على إيد النبي ﷺ، شاب كان في قمة النعيم والترف، لكن لما الإسلام دخل قلبه، اتغير بالكامل.
آمن بالنبي ﷺ، لكن كان مخبي إسلامه عن أمه في الأول، لأنها كانت شديدة جدًا ومسيطرة، ولما عرفت إنه أسلم حصلت له مشكلة كبيرة… حبسَته وضيّقت عليه، وحرمت عليه الأكل والشرب، عشان ترجّعه عن الدين الجديد.
لكن رغم كده، مصعب ثبت على إيمانه، وما رجعش عن اللي آمن بيه.
وبعد كده لما اشتد عليه الأذى، خرج وهاجر، وابتدى يعيش مع المسلمين ويتعلم القرآن ويتربى في مدرسة النبي ﷺ، وفضل قريب منه جدًا.
وكان من أوائل اللي النبي ﷺ بعتهم للدعوة، راح المدينة (يثرب وقتها) علشان يعلم الأنصار الإسلام ويقرّبهم من القرآن، وكان سبب كبير في انتشار الإسلام هناك قبل هجرة النبي.
وبعدها استمر في الجهاد مع المسلمين، لحد ما جه يوم غزوة أُحد، وكان حامل راية المسلمين، وفضل ثابت لآخر لحظة رغم إن المعركة كانت صعبة جدًا.
وفي النهاية استشهد في سبيل الله، وراح شهيد وهو ثابت على دينه، بعد حياة بدأت في نعيم وانتهت في عز وخلود في التاريخ
وكانت النقلة دي صعبة جدًا على مصعب، كأنها فرخة اتشالت من مكانها واترمت في مطر غزير.
لكن الرسول ﷺ مدّ إيده الحنينة المباركة ولمس صدره وقلبه، فهدأت جواه العاصفة، وحلّ مكانها سكون عميق وطمأنينة كبيرة.
وفي لمحة من عينيه، بان قد إيه الشاب ده بقى مختلف… بقى أكثر أمانًا وسلامًا، ومعاه من الحكمة ما يبانش أبدًا على سنه، كأن عمره تضاعف، ومع ذلك لسه في أول شبابه… كأن الزمن نفسه غيّر سيره معاه.
وكانت أم مصعب، خُنّاس بنت مالك، ست قوية جدًا، شخصيتها حادة، والناس كانت تهابها لدرجة الرهبة.
لكن مصعب، بعد ما أسلم، ما بقاش يخاف من حد على وجه الأرض غير منها هي بس.
يعني لو مكة كلها بأصنامها، وأشرافها، وصحراها، قامت عليه تحاربه وتخاصمه، ما كانش هيهمّه، ولا كان هيستخف بحاجة زي ما كان بيستخف بغضبهم كلهم…
إنما خصومة أمه بالذات، فدي كانت المصيبة الكبيرة، والابتلاء الحقيقي اللي ما يتوصفش.
وفكّر بسرعة، وقرر يكتم إسلامه لحد ما ربنا يقضي أمره.
وفضل يروح دار الأرقم في هدوء، يقابل رسول الله ﷺ، ويقعد معاه، وهو قلبه مليان يقين، لكن في نفس الوقت بيحاول يستخبى من غضب أمه، اللي ما كانتش تعرف أي حاجة عن إسلامه.
لكن مكة وقتها ما كانش فيها سر بيفضل مخفي، فعيون قريش وآذانها كانت في كل مكان، تراقب كل خطوة، وتمشي ورا كل همسة فوق رمالها الناعمة الواسعة.
وفي يوم، شافه عثمان بن طلحة وهو داخل دار الأرقم في الخفاء، وبعدها شافه مرة تانية وهو بيصلي زي صلاة محمد ﷺ.
فما صدقش نفسه، وجرى بسرعة على مصعب، ورمى عليه الخبر اللي طار بيه صوابه.
وقف مصعب قدام أمه وعشيرته، وأشراف مكة متجمعين حواليه، وهو الرسول ﷺ كان قبلها بيتلو عليهم آيات من القرآن، آيات كانت بتغسل القلوب، وتملأها حكمة ونورًا وشرفًا وعدلًا ويقينًا.
أمه حاولت تسكته بضربة قاسية، لكن اليد اللي كانت ممدودة علشان تضربه ارتخت قبل ما توصله، لأن اللي قدامها ما بقاش ابنها القديم.
كان نور جديد باين على وشه، وهدوء وهيبة واحترام ماليين ملامحه، لدرجة إن اللي يشوفه يحس إن فيه جلال وإقناع غريبين.
لكن لو أمه ضعفت قدام هيبته وسكتت عن الضرب والأذى، فهي ما سكتتش عن وسيلة تانية تعذّبه بيها.
فحبسته فعلًا…
أخدته في ركن بعيد من أركان البيت، وقيّدته، وأغلقت عليه المكان بإحكام، وفضل محبوس بالشكل ده فترة طويلة…
لحد ما بعض المؤمنين خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، وساعتها بدأ مصعب يفكر في طريقة يهرب بيها ويلحق بيهم.
لما مصعب سمع نداء الإيمان، وخلّى أمه وحراسه ورا ضهره، ساب كل حاجة ومشى مهاجر للحبشة، وهناك قابل إخوته المهاجرين. وبعدها رجع معاهم لمكة، لكن ماقعدش فيها كتير، وهاجر للحبشة مرة تانية مع الصحابة اللي الرسول ﷺ أذن لهم بالهجرة، خوفًا من بطش قريش.
وسواء كانت حياة مصعب في الحبشة أو في مكة، فالإيمان اللي دخل قلبه كان بيشتغل جواه طول الوقت، وكان بيغيّره يوم بعد يوم. التجربة دي كانت بتعيد تشكيل حياته كلها من جديد، على النهج اللي الرسول محمد ﷺ رسمه وربّاه عليه. ومصعب بدأ يطمن إن حياته بقت مستعدة إنها تبقى قربان خالص لربنا الأعلى، الخالق العظيم.
وفي يوم، خرج على بعض المسلمين وهم قاعدين حوالين رسول الله ﷺ، وأول ما شافوه افتكروا شكله قبل الإسلام، يوم ما كان شاب مترف وناعم وسط النعيم، فمجرد ما بصّوا له افتكروا حاله القديم، واتأثروا جدًا، لدرجة إن بعضهم دمعت عينه.
شافوه وهو لابس هدوم بالية، مرقعة، مختلفة تمامًا عن صورته الأولى قبل الإسلام، الصورة اللي كانت فيها النعومة والرفاهية والدلال. ساعتها النبي ﷺ بصّ له نظرة كلها حكمة ومحبة وتأثر، وقال: "لقد رأيت هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، لقد ترك ذلك كله حبًا لله ورسوله."
أمه كانت حرماه من كل حاجة، منعت عنه النعمة كلها، وحرمت جسمه من الأكل اللي اتعود عليه، لدرجة إنها كانت مستعدة تمنعه حتى من أبسط حقوقه، بس علشان يرجع عن دينه ويبقى زي ما هي عايزة.
وكان آخر عهدها بيه، لما حاولت مرة تانية بعد ما رجع من الحبشة إنها تحبسه وتضغط عليه، فقال لها بمنتهى الحسم: "والله يا أمي، لو كان لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما رجعت عن ديني."
ولما شافت إنه ثابت على موقفه، وإنه مش هيتراجع، ودّعته وهي بتبكي، لكنه هو كمان كان عنده من الحزن ما يكفي، بس الإيمان كان أقوى من كل حاجة.
وفي اللحظة دي بان الفرق الكبير بين قلب الأم اللي كانت مصممة على الكفر، وبين قلب الابن اللي الإيمان سيطر عليه. فقالت له وهي بتطرده من بيتها: "اذهب لشأنك، لم أعد لك أمًا."
فقرب منها وقال لها في هدوء: "يا أمه، إني لك ناصح، وعليك شفيق، فاشهدي أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله."
لكنها ردت عليه بغضب شديد وقالت: "أقسم بالثواقب، لا أدخل في دينك، فيزري برأيي ويضعف عقلي!"
وخرج مصعب من النعمة الكبيرة اللي كان عايش فيها، من الثراء والترف والدلال، وبقى شابًا بسيطًا، ما يلبسش غير أخشن الثياب، وياكل يومًا ويجوع أيامًا… لكن روحه كانت مليانة يقين، وقلبه مليان نور الله. الفاقة والتعب غيّروه من برّه، لكن من جوّه صنعوا منه إنسانًا تاني، إنسانًا أعظم، عينه مليانة جلال، ونفسه مليانة روعة.
وبعد كده، النبي ﷺ اختار مصعب بن عمير لأعظم مهمة في حياته: إنه يسافر للمدينة، ويكون أول سفير للإسلام هناك، يفقّه الأنصار اللي آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة، ويدخل على إيديه ناس جداد في دين الله، ويجهّز المدينة لليوم العظيم… يوم الهجرة.
وكان في صحابة أكبر من مصعب سنًا، وأقرب للنبي ﷺ، وأكثر خبرة منه كمان، لكن الرسول اختار مصعب الخير بالذات، لأنه كان عارف إن الشاب ده قدّها، وإنه قادر يشيل واحدة من أخطر القضايا في الوقت ده؛ قضية نشر الإسلام في المدينة، المدينة اللي بعد فترة قصيرة هتبقى دار الهجرة، ومنطلق الدعوة، ومركز المبشّرين والدعاة والغزاة.
وشال مصعب الأمانة مستعينًا بالله، وكان فعلًا قدّها بما وهبه ربنا من عقل راجح، وأخلاق كريمة، وشخصية مؤثرة.
وقدَر في وقت قصير جدًا إنه يكسب قلوب أهل المدينة، لدرجة إن الإسلام دخل بيوت كتير على إيده.
وفي يوم من الأيام، قبل الرسول ﷺ من المدينة اتناشر واحد من أهل يثرب، فيهم ناس سبق لهم الإسلام، وناس دخلوا فيه جديد، وكانوا كلهم جايين يبايعوا النبي ﷺ.
ولما رجعوا المدينة، رجع معاهم مصعب بن عمير، علشان يعلّمهم دينهم، ويقرأ عليهم القرآن، ويفتح بيوت المدينة للإسلام بيتًا بيتًا.
وفعلًا، نزل مصعب في المدينة ضيفًا على أسعد بن زرارة، وابتدى يتحرك معاه في القبائل والمجالس والبيوت، يكلّم الناس عن الله، ويقرأ عليهم القرآن، ويدعوهم للحق بهدوء وثبات.
وكان مصعب يعرف كويس حدوده ومهمته:
هو داعية إلى الله، وبشير بدين الهدى، ورسول من عند رسول الله ﷺ، مش مطلوب منه غير إنه يبلّغ الحق ويوصله للناس.
وفي يوم من الأيام، خرج مصعب مع أسعد بن زرارة لحي من أحياء الأنصار، وقعدوا هناك وسط الناس يكلّموهم عن الإسلام.
وكان في الحي ده سيد من ساداتهم اسمه أسيد بن حضير، وواحد تاني من كبارهم اسمه سعد بن معاذ.
ولما عرفوا إن مصعب وأسعد قاعدين وسط الناس بيدعوهم للإسلام، اتضايقوا جدًا، لأنهم حسّوا إن الراجل الغريب ده جاي يغيّر دينهم ويهزّ عاداتهم.
فقام أسيد بن حضير غاضب، واخد حربته، ورايح ناحية مصعب وأسعد، وهو متعصب جدًا، وبيقول في نفسه إنه لازم يوقف الكلام ده فورًا.
ولما وصل لهم، كلمهم بعنف، وقال لهم بمعنى الكلام: "إيه اللي جابكم هنا؟ بتفسدوا على الناس دينهم؟ لو عايزين السلامة قوموا من هنا!"
لكن مصعب، بمنتهى الهدوء والثبات، ما اتوترش ولا خاف، وقال له في رفق: "أوَلا تجلس فتسمع؟ فإن رضيتَ أمرًا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره."
يعني: اقعد اسمع الأول، ولو عجبك الكلام خده، ولو ما عجبكش نمشي ونسيبك.
الكلام الهادئ ده هزّ أسيد من جواه، وحس إن فيه وقار وثقة غريبة في الشاب ده، فقال: "أنصفت."
وغرز حربته في الأرض، وقعد يسمع.
وهنا بدأ مصعب يقرأ عليه القرآن، ويشرح له الإسلام ببساطة وصفاء، لحد ما نور الإيمان دخل قلبه، وتأثر جدًا بالكلام، وأسلم في نفس المجلس.
وبعد ما أسلم، قال لهم: "ورايا رجل لو اتبعكم ما تخلّف عنه أحد من قومه… سعد بن معاذ."
فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ، وكان سعد منتظر يعرف إيه اللي حصل، فلما شافه فهم من وشّه إن في حاجة اتغيّرت.
فسأله، لكن أسيد بحكمة ما قالش كل حاجة، وخلّاه هو بنفسه يروح لمصعب.
فقام سعد بن معاذ غاضب هو كمان، وراح لمصعب وأسعد، لكن مصعب استقبله بنفس الهدوء، وقال له نفس الكلام: "أوَلا تقعد فتسمع؟"
فقعد سعد، وسمع القرآن، وسمع كلام مصعب عن الإسلام، وما هي إلا لحظات… إلا وكان قلبه هو كمان قد لان للحق، وأسلم.
وكان إسلام سعد بن معاذ نقطة تحوّل كبيرة جدًا، لأنه كان سيد قومه، وصاحب كلمة مسموعة بينهم.
فرجع لقومه، ووقف فيهم وقال: "يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟"
قالوا: أنت سيدنا، وأفضلنا رأيًا، وأعظمنا بركة.
فقال لهم: "فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله."
وما جاش آخر اليوم إلا وبيت بني عبد الأشهل كله تقريبًا دخل الإسلام، رجالًا ونساءً.
وبكده نجح مصعب نجاح عظيم في المدينة، لدرجة إنه ما بقاش بيت من بيوت الأنصار إلا ودخلته دعوة الإسلام، وبدأت المدينة تتجهز فعلًا لاستقبال النبي ﷺ والهجرة الكبرى.
وما إن المسلمين اللي كانوا موجودين حوالي مصعب شافوا أُسيد بن حضير داخل عليهم، والشر باين في عينيه، وغضبه واضح وثورته ظاهرة، اتفاجئوا وخافوا منه.
لكن مصعب الخير فضل ثابت في مكانه، هادي ومتماسك.
وقف أُسيد قدامه، وبصله وقال:
"إنت وهو جايين عندنا ليه؟! عايزين تفسدوا علينا الناس الضعيفة؟! لو عايزين السلامة لنفسكم، امشوا من هنا أحسن لكم!"
وكان مصعب هادي جدًا، كأنه بحر ساكن، وقال له بمنتهى اللطف:
"أوَلا تقعد تسمع؟ لو عجبك الكلام قبلته، ولو ما عجبكش هنكفّ عن اللي إنت كارهه."
فاستغرب أُسيد من ردّه، وقال:
"والله ده كلام عاقل."
وبعدين غرز حربته في الأرض وقعد يسمع.
بدأ مصعب يقرأ عليه القرآن، ويشرح له دعوة الإسلام، ويتكلم عن الله وعن الحق.
وما إن أُسيد سمع الكلام، إلا ووشّه اتبدل، وبان عليه التأثر، وملامحه بدأت تهدى، وكأن النور دخل قلبه.
وقبل ما مصعب يخلص كلامه، كان أثر الإيمان واضح على وش أُسيد، فقال لهم:
"أحسن الكلام ده وأجمله... تعملوا إيه لو واحد عايز يدخل في الدين ده؟"
فقال له مصعب:
"تغتسل، وتطهّر نفسك، وتلبس ثيابك، وبعدها تشهد شهادة الحق، وتصلي ركعتين."
فعلاً، قام أُسيد واغتسل، ونطق الشهادتين، وصلى ركعتين.
وبعدها قال لهم:
"ورايا راجل لو سمع الكلام ده مش هيختلف عليه اتنين... سعد بن معاذ."
وبعد شوية، جه سعد بن معاذ، وكلمه مصعب زي ما كلم أُسيد، فشرح له الإسلام، وقرأ عليه القرآن، فما كانش من سعد إلا إنه أسلم هو كمان.
ورجع سعد بن معاذ لقومه، ووقف فيهم وقال:
"يا بني عبد الأشهل، إنتوا شايفينني إزاي فيكم؟"
قالوا:
"إنت سيدنا، وأفضلنا رأيًا، وأبرّنا."
فقال لهم:
"كلام رجالتكم وستاتكم عليّ حرام، لحد ما تؤمنوا بالله ورسوله."
فما أمسى الليل، إلا وكانت بيوت بني عبد الأشهل كلها دخلها الإسلام، وما فضلش فيهم راجل ولا ست إلا وأسلموا.
وكان ده من أعظم النجاحات اللي حققها مصعب بن عمير في المدينة، واللي بسببها انتشر الإسلام بسرعة، وبقى له أرض ثابتة هناك قبل هجرة النبي ﷺ.
بعدها بقى مصعب يعلّمهم باقي أمور دينهم، ويحمّسهم للجهاد في سبيل الله.
ولما المسلمين رجعوا من غزوة أحد، رجعوا وهم موجوعين ومتألمين.
وقف النبي ﷺ وسطهم، وبصّ في وشوشهم المؤمنة، واختار منهم اللي هيشيل الراية، وقدّم مصعب بن عمير عشان يحمل اللواء.
وسخنت المعركة جدًا، واحتدم القتال، وخالف الرماة أمر النبي ﷺ وسابوا أماكنهم فوق الجبل بعد ما شافوا المشركين بيهربوا وكأن النصر بقى للمسلمين، لكن الخطأ ده قلب الموازين بسرعة، وخلّى النصر يتحوّل لهزيمة.
وفجأة فرسان قريش هجموا على المسلمين من فوق الجبل، ونزلوا عليهم بالسيوف وهم زي العاصفة المجنونة.
ولما المسلمين شافوا الفوضى والخوف بدأوا يهزّوا الصفوف، المشركين ركّزوا هجومهم على رسول الله ﷺ عشان يوصلوا له.
هنا مصعب بن عمير فهم الخطر الكبير، فرفع الراية عالي جدًا، وفضل يصرخ ويكبّر، وكل همه إنه يلفت نظر الأعداء ليه ويشغلهم عن رسول الله ﷺ، ويفديه بنفسه، ويصرف عن النبي جيشًا كاملًا جاي ناحيته.
فعلاً، مصعب وقف لوحده كأنه جيش كامل، وقاتل قتال الأبطال.
فضل شايل الراية، ويتقدّم، ويضرب بالسيف بقوة وشجاعة، لكن الأعداء كانوا بيزيدوا عليه واحد ورا التاني، وهو ثابت مكانه، رافع اللواء، وقلبه متعلق برسول الله ﷺ.
ويوصف الصحابي الجليل المشهد الأخير من حياة مصعب، فيقول إن مصعب بن عمير يوم أحد كان شايل اللواء، فطلع له ابن قمئة وهو فارس من فرسان المشركين، فضربه على إيده اليمين فقطعها.
فساعتها مصعب أخد الراية بإيده الشمال، وهو بيقول:
"وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل"
فضربه على إيده الشمال فقطعها هي كمان، فضمّ الراية إلى صدره بعضديه، وهو لسه بيردد:
"وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل"
وبعدها هجم عليه مرة تالتة وطعنه بالرمح، فوقَع مصعب، ووقعت الراية.
وقع مصعب… ووقع حامل اللواء… وارتقى في لحظة من أعظم لحظات الفداء والإيمان والشهادة.
وكان واضح إن لو مصعب وقع، هيبقى الطريق مفتوح قدّام المشركين يوصلوا لرسول الله ﷺ من غير حماية كفاية.
لكن مصعب كان بيمشي للموت بنفس راضية، من شدة حبه لله ورسوله، وخوفه على النبي ﷺ.
وكان مع كل ضربة سيف أو طعنة، يردّد الآية دي:
"وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل"
الآية اللي نزل بها الوحي بعد كده، وفضلت تتردد على لسان المؤمنين من بعده.
وبعد ما المعركة خلصت، راحوا يدوّروا على جثمان الشهيد الرشيد عشان يدفنوه، فلقوا إن وشّه كان مستخبي في تراب الأرض، ومتلطخ بدمه الزكي.
لكنها ما كانتش غفلة من مصعب، ولا مجرد صدفة إن وشه يبقى في التراب بالشكل ده...
لأ، مصعب كان حاطط وشه في الأرض بإرادته، وكأنه حتى وهو شهيد، مش عايز رسول الله ﷺ يشوف فيه أي أذى أو منظر يوجعه ويحزنه.
كأنه بيقول:
أنا حتى بعد موتي مش عايز أشقّ على قلب النبي، ولا أخليه يشوف اللي جرالي.
أو يمكن لأنه استحى إنه يقع شهيد قبل ما يطمن بنفسه على نجاة رسول الله ﷺ، وقبل ما يكمّل واجب الدفاع عنه لآخر لحظة.
الله يا مصعب... يا من ذكرك عطر للحياة!
وجاء رسول الله ﷺ ومعاه الصحابة، وفضلوا يلفّوا في أرض المعركة يودّعوا شهداءها.
ولما وصلوا عند جثمان مصعب، دموعهم نزلت بغزارة.
ويقول خباب بن الأرت:
هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله، وكنا طالبين الأجر من ربنا، فكان فينا ناس ماتت قبل ما تاخد من الدنيا أي حاجة، وكان أجرها كامل عند الله، ومنهم مصعب بن عمير.
اتقتل يوم أُحد، وما سابش وراه غير نَمِرة واحدة — يعني قطعة قماش بسيطة —
لو غطّينا بيها راسه، رجليه كانت تبان،
ولو غطّينا رجليه، راسه كانت تبان.
فساعتها قال لنا رسول الله ﷺ:
"غطّوا بيها راسه، وحطّوا على رجليه من نبات الإذخر."
ورغم الحزن العميق اللي كان مالي قلب النبي ﷺ وقتها، بسبب استشهاد عمه حمزة، وبسبب التمثيل بجثمانه، وبسبب الجراح اللي في قلبه من اللي حصل للمسلمين...
ورغم كمان إنه كان واقف وسط أرض معركة مليانة شهداء من أصحابه وأحبابه، وكل واحد فيهم له عنده مكانة وقدر وذكريات...
ورغم كل ده...
وقف رسول الله ﷺ عند جثمان أول سفير في الإسلام: مصعب بن عمير، وعيونه بتتفجّر بالدموع، وقال وهو بيودّعه بحزن ومحبة:
"من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه..."
وبعدين بصّ له نظرة كلها ألم، وكأن قلبه بيتكلم قبل لسانه، وقال:
"لقد رأيتك بمكة، وما بها أرقّ حُلّة، ولا أحسن لِمّة منك... ثم ها أنت ذا شَعِث الرأس في بُردة!"
يعني كأنه بيقول له:
أنا شفتك زمان في مكة، في عزّ نعيمك، لابس أحسن الثياب، وأجمل هيئة، وشكلك يلفت الأنظار من شدة الوسامة والنعمة...
وبص دلوقتي يا مصعب، بقيت شهيد في سبيل الله، شعرك مترب، وجسمك ملفوف في بردة بسيطة... لكنك عند ربنا أعظم وأغلى من كل نعيم الدنيا.
وبكى رسول الله ﷺ، وسالت دموعه الحارة على مصعب وعلى رفاقه الشهداء،
وبعدين قال:
"أشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة."
وبعدها التفت النبي ﷺ للصحابة اللي كانوا لسه أحياء حواليه، وقال لهم:
"أيها الناس، زوروا هؤلاء، وأتوهم، وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلّم عليهم مسلم إلى يوم القيامة إلا ردّوا عليه السلام."
ثم قال وهو يودّعهم:
السلام عليكم يا مصعب...
السلام عليكم معشر الشهداء...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته