في الفترة اللي كانت فيها الدولة بتجهّز نفسها لحرب أكتوبر سنة 1973، قدر جهاز المخابرات العامة المصرية يحقق واحد من أكبر نجاحاته، وأثبت كفاءة كبيرة جدًا في ملاحقة عملاء الموساد، اللي كان شاغلهم الأول والأخير وقتها إنهم يضرّوا الأمن القومي المصري، خصوصًا عن طريق كشف استعدادات مصر اللي كانت شغالة على قدم وساق، استعدادًا للدخول في حرب قريبة مع إسرائيل بهدف تحرير سينا المحتلة وقتها.
ومن وسط القصص دي، تطلع حكاية هبة عبد الرحمن عامر سليمان... البنت المصرية اللي اتربّت في أسرة بتتبنّى الفكر التحرري، وعاشت حياتها من وهي طفلة لحد ما اتخرجت من الجامعة، من غير ما يكون عندها اهتمام حقيقي بأي قيم، ولا حتى بالموروثات السلوكية والاجتماعية المتوازنة.
كانت أسرتها ميسورة الحال، وده وفّر لها حياة مريحة، لكن في المقابل كانت هي نموذج واضح للتمرد، سواء على مستوى السلوك أو حتى على مستوى الانتماء الوطني نفسه.
وده كان حالها فعلًا من طفولتها، واستمر معاها لحد آخر مرحلة في تعليمها الجامعي.
وفي سنة 1963 حصلت هبة على ليسانس اللغة الفرنسية من جامعة عين شمس، وفي نفس السنة كمان أخدت منحة لزيارة جامعة السوربون في باريس، وده كان تكريمًا ليها بسبب تفوقها الكبير في اللغة الفرنسية.
وماكملش عام واحد، إلا وكانت حصلت على منحة تانية علشان تدرس الماجستير في نفس الجامعة.
كانت هبة سليم معروفة وسط زمايلها في الجامعة في باريس إنها البنت المصرية اللي عايشة براحتها خالص، وبتعمل اللي هي عايزاه من غير أي قيود، وده كان أسلوب حياة متعودة عليه من وهي صغيرة. وعشان كده ماكانش صعب عليها أبدًا إنها تندمج بسرعة في المجتمع هناك، خصوصًا إنه مجتمع كل حاجة فيه تقريبًا متاحة ومفيش فيه نفس القيود اللي كانت موجودة في مجتمعها.
وكمان إتقانها للغة الفرنسية ساعدها جدًا، فخلّاها تعرف تدخل وسط الناس بسهولة وتتعامل معاهم من غير أي صعوبة. وخلال الفترة دي اشتغلت في باريس شوية، وكانت مندوبة لبعض شركات الأزياء الفرنسية وكمان شركات العطور.
وأثناء دراستها في الجامعة، قربت جدًا من بنت يهودية من أصل بولندي، والبنت دي كانت بتعزمها على سهرات كتير في بيتها، وكان بيحضر السهرات دي شباب كتير، ومعظمهم يهود.
وعلاقتها بالبنت البولندية ماوقفتش عند حدود الصداقة وبس، لكن في أوقات كانت العلاقة بينهم بتاخد شكل شاذ.
ومع الوقت، ومن الكلام الكتير اللي كان بيدور بينهم، البنت اليهودية بدأت تاخد بالها من حاجة مهمة جدًا في شخصية هبة... إنها أصلًا ماكانتش فارق معاها بلدها مصر، ولا كانت شايلة همّها، ولا مهتمة بأي حاجة بتحصل فيها.
وإن كل اللي يهمها في الدنيا إنها تعيش مرتاحة وفي رفاهية، وتستمتع بحياتها وبس.
وكمان كانت بتكره الحرب، وماكانتش نفسها أصلًا تقوم أي حرب بين مصر وإسرائيل.
وكان الميل اللي عند هبة سليم من الأول كفاية جدًا يخلي صاحبتها اليهودية تلاقي باب تدخل منه عليها.
وفي ليلة من الليالي، عزمتها تتفرج على فيلم تسجيلي عن الحياة في إسرائيل، وعن طريقة الشغل هناك، خصوصًا في المزارع الجماعية والكيبوتسات، وإزاي إن الناس هناك — زي ما الفيلم كان بيصوّر — بيشتغلوا وينتجوا، وبيساعدوا بعض علشان بلدهم تعيش في رفاهية وسلام.
والفيلم ماكانش بيتكلم عن الشغل وبس، لأ... ده كمان كان بيحاول يطلع إسرائيل على إنها دولة متقدمة جدًا، فيها حرية وديمقراطية، وإنها وصلت لمستوى كبير في التقدم والتحضّر.
والصورة دي كلها عملت تأثير واضح جدًا على هبة، وانبهرت بالكلام اللي شافته وسمعته.
ومن بعدها فضلت تكرر أكتر من مرة إنها بقت مقتنعة دلوقتي أكتر من أي وقت فات، إن الدول العربية اللي حوالين إسرائيل هي اللي بتصوّرها على إنها دولة معتدية وبتضر العرب، وإن الصورة اللي كانت واخداها عنها قبل كده ماكنتش كاملة.
وكمان كانت شايفة إن لولا إن أمريكا واقفة جنب إسرائيل طول الوقت، وبتقويها وبتدعمها باستمرار، كان العرب زمانهم اتهموها أكتر من كده، وكانوا حاولوا يرموا بيها في البحر.
وبالطريقة دي، الفكرة بدأت تثبت جوا هبة سليم أكتر وأكتر، وابتدت تقتنع إن إسرائيل دولة قوية جدًا، وإن الدول العربية عمرها ما هتعرف تهزمها في أي حرب.
بل كمان وصلت لقناعة إن وجود إسرائيل — من وجهة نظرها — أحسن للعرب من إنهم يفضلوا داخلين في حروب ورا بعض من غير نهاية.
وبكده، بعد ما البنت اليهودية اللي أصلها بولندي اتأكدت إن هبة سليم بقت لقطة سهلة، وإنها خلاص بقت جاهزة تتسحب في السكة دي، خلص دورها عند الحد ده... وابتدى دور جديد.
الدور الجديد ده كان مع راجل اسمه الدكتور بورتوا، وده كان دكتور فرنسي شغال في مستشفى سان ميشيل في باريس.
وكان اتعرف على هبة سليم في واحدة من الحفلات الراقصة اللي كانت بتحضرها، وقت ما كانت شغالة مندوبة مبيعات لبعض شركات الملابس والعطور في باريس، زي ما قولنا قبل كده.
وبعد التعارف، مقابلات الدكتور بورتوا مع هبة ماوقفتش، لأ... بقت تتكرر في السهرات، وكمان في كذا رحلة جوه فرنسا، ومع الوقت قرب منها أكتر وأكتر.
ولما اتأكد من خلال علاقته بيها إن أفكارها ناحية إسرائيل حقيقية، وإنها فعلًا مقتنعة بيها، قرر يدخلها في خطوة جديدة.
فساعتها عرّفها على واحد صاحبه اسمه أدمون، وقال لها إن أدمون شغال مراسل صحفي في مجلة فرنسية مهتمة بالأزياء والعطور وأدوات التجميل، وإنه مهتم يتعاون معاها لأنها مصرية وعربية، وده ممكن يفيده في شغله.
وأدمون شاف إن هبة لقطة جاهزة، سهلة التوجيه والتأثير، وإنه يقدر يشكلها زي ما هو عايز. وكان طول الوقت بيشكر في ذكاءها، وبيأكد قد إيه هو واثق في تفكيرها وميلها ناحية إسرائيل.
العلاقة بينهم بدأت تقوى أكتر، ومع الوقت قال لها بصراحة إنه في الحقيقة واحد من “صنّاع السلام” بين العرب وإسرائيل، وإنه شايف إن المفروض يكون في تعاون بينهم علشان يوصلوا لحالة سلام حقيقي في الشرق الأوسط، خصوصًا بين مصر وإسرائيل.
وفي البداية طلب منها، بما إنها بتجيد الفرنسي بطلاقة، إنها تترجم شوية مقالات كانت بتتنشر بالعربي في بعض صحف ومجلات الشرق الأوسط.
وكانت هبة في الأول بترفض تاخد أي فلوس مقابل الشغل ده، وكأن الموضوع بالنسبة لها خدمة أو مشاركة مش أكتر.
ومع الوقت، كشف لها حقيقته كاملة، وقال لها إنه ضابط في جهاز الموساد الإسرائيلي، وإن شغله الأساسي إنه يشتغل على استقطاب الشباب العربي من الجنسين، خصوصًا اللي عندهم كره للحروب ورفض للصدام، ويحوّل ده لتعاون في الاتجاه اللي هم عايزينه.
وقال لها كمان إنه شايف إنها مناسبة جدًا للمجال ده، وعايزها تشتغل معاه فيه.
المفاجأة الغريبة إن هبة ما اتصدمتش، ولا خافت، ولا حتى وقفت تفكر كتير… بالعكس، رد فعلها كان سريع جدًا، ووافقت على التعاون من غير تردد.
كده هبة سليم وقعت فعلاً في مصيدة المخابرات الإسرائيلية، وبعد ما اتأكدوا إنها ابتدت تميل معاهم وتبقى قابلة للتعاون، عزموها على عشا فخم جدًا في واحد من مطاعم شارع الشانزليزيه في باريس.
القعدة هناك طولت حوالي ساعتين، وهبة كانت بتتكلم كأنها بتسترجع حياتها في مصر، يعني كأنها بتعمل "فلاش باك" لكل حياتها الاجتماعية هناك.
وأثناء الكلام، ضباط المخابرات كانوا وراها بأسئلة ورا بعض، عايزين يجمعوا أكبر كمية معلومات عن علاقاتها ومعارفها في مصر من كل المستويات.
ومن ضمن الأسئلة دي، سألوها: انتي عندك أي نادي اجتماعي أو رياضي في مصر؟
ردت بسرعة وقالت: أيوه، أنا عضوة في نادي الجزيرة في الزمالك، اللي قريب من بيتي، وده عندي فيه معارف كتير.
بدأوا يضغطوا عليها أكتر في التفاصيل، وهي بدأت تحكي وتفصّل: أسماء صاحباتها في النادي، كل واحدة بتشتغل إيه، بتتعامل إزاي، وكمان شباب تعرفهم هناك.
وهي ماشية في الكلام جابت سيرة شاب عضو في النادي، مهندس، وبيشتغل في حاجات ليها علاقة بالإنشاءات العسكرية في منطقة قناة السويس، خصوصًا حوالين الإسماعيلية.
وقالت إنه كان دايمًا بيحاول يقرب منها جوه النادي وبيفضل وراها وعايز يتقدملها، بس هي كانت بترفضه وبتقفله الموضوع خالص ومش بتدي له فرصة.
لما وصلت للنقطة دي، وش "أدمون" اتغير فجأة، وبان عليه إنه فرحان جدًا وكأنه لقى حاجة مهمة كان بيدور عليها من زمان.
وفي اللقاء اللي بعده في باريس برضه، في عشا تاني، "أدمون" ركّز معاها أكتر على نفس الشاب ده، وابتدى يسحب منها تفاصيل أدق عنه، لأنه شايف إن شغله خطير ومهم، وبيخليه يتحرك بين مدن القناة بحرية، ويخالط عسكريين هناك، وكمان يشوف ويعرف اللي بيحصل من تجهيزات واستعدادات عسكرية في المنطقة.
بدأت ملامح خطة الموساد إنها تجهّز وتدرّب هبة سليم على مهمة كبيرة جداً، كانت شايفين إنها مهمة على مستوى عالي من الأهمية. فابتدوا خطوة خطوة لحد ما جهّزوها للسفر لإسرائيل بجواز سفر مزوّر هما اللي عاملينه لها عن طريق المخابرات الإسرائيلية.
وفعلاً سافرت لإسرائيل، وهناك دخلت في تدريب مكثف جداً على شغل الجاسوسية. كان أهم حاجة بيتعلموها ليها هي طرق التراسل المشفّر، سواء بالراديو أو بالحبر السري، وده كله كان تجهيز علشان ترجع القاهرة وتبدأ تنفّذ اللي مطلوب منها.
ومن أهم الأهداف اللي اتخططت لها إنها تبتدي فوراً في استدراج فاروق الفقي، الشاب المصري اللي كان عاشق بشكل كبير، وكل اللي كان نفسه فيه إنه هبة سليم توافق إنه يتقدملها.
والخطة كانت واضحة جداً: اصطياد فاروق الفقي بأي تمن.
وبالفعل رجعت القاهرة، وبدأت ترجع تستخدم جاذبيتها وشباكها حواليه، لحد ما بقى في تل أبيب جزء من المخابرات الإسرائيلية مستنيين يسمعوا خبر نجاح العملية دي على إيدها.
وده اللي حصل فعلاً… فاروق الفقي، الشاب الوسيم اللي كان بييجي النادي على فترات ممكن توصل لأسابيع، وقع في شباكها زي ما الخطة كانت مرسومة بالظبط، وبعد فترة مش طويلة اتقدّم لها رسمي.
وبعدها بقى بيتكلم قدام أصحابه في النادي وفي شغله إنه خاطبها، وكان بيقول إنها مدرسة في جامعة السوربون في باريس، وده كان جزء من الصورة اللي هو صدّقها أو كان عايز يبان بيها قدام الناس.
وكان فاروق الفقي زي كتير وقتها، بيقع في غلطة خطيرة جداً، إنه يحكي تفاصيل شغله بسهولة، ويتكلم عن تحركاته بين مواقع ومعسكرات الجيش في منطقة قناة السويس، وإنه بيقابل قيادات عسكرية، وكمان بيشوف تجهيزات القوات المسلحة بشكل يومي.
ووصل بيه الموضوع إنه كان بيعرض على هبة سليم وثائق وخرائط عسكرية بتوضح مواقع منصات الصواريخ "سام 6" المضادة للطائرات، وده كان خطر كبير جداً في وقته.
(ملاحظة من مجموعة 73 مؤرخين – بيتأكدوا أكتر من مرة إن فاروق الفقي كان رئيس الفرع الهندسي لقوات الصاعقة، ومش مهندس إنشاءات في الدفاع الجوي زي ما بيتقال في بعض الروايات. وبرضه في شهادات من أبطال صاعقة كانوا شهود على القبض عليه وإعدامه لاحقاً، ومع ذلك المعلومة الغلط لسه بتتكرر في بعض السرديات.)
وقد نجحت هبة سليم إنها تقنع فاروق الفقي، اللي كان خلاص بقى متعلق بيها بشكل كبير ومسيطر على تفكيره، إنها مش بس طالبة في باريس، لكن كمان بتشتغل مع منظمة دولية مقرها هناك، شغلها الأساسي إنها ضد الحروب وبتدعو للسلام.
وقالت له إن المنظمة دي شكلها إنساني جداً، وإنها محتاجة حد يساعدها في شغل بسيط كده، وطلبت منه إنه يدخل معاها في الموضوع ده.
ومع الوقت، ومع تعلقه بيها أكتر وأكتر، بقى بيوافق على أي حاجة تطلبها تقريباً، لأنها كانت عارفة إزاي تلعب على مشاعره وتخليه مش شايف غيرها، فبقى سهل إنها تأثر عليه وتخليه يقتنع بكلامها.
وبالتدريج، وبعد ما بقى متعلق بيها تماماً، بدأت تقوله إن المنظمة دي ليها علاقة بالمخابرات الإسرائيلية، وإنها بتديها حماية وسرية وأمان كامل، وإن أي تعاون معاها “مفيش فيه خطر” ومحدش يقدر يكشفه خالص.
ومع الكلام الكتير والإقناع المستمر، ومع استغلال العلاقة اللي بينهم، قدرت هبة سليم إنها تسيطر عليه بالكامل، وتخليه يدخل في الموضوع ده بإرادته وهو مقتنع إنه مفيش أي خطر.
ومن هنا بقى فاروق الفقي بدأ يديها معلومات واحدة ورا التانية، وكان بيجيب لها تفاصيل دقيقة جداً عن أسرار عسكرية وخرائط ومواقع، ويشرح لها كل حاجة يعرفها.
وكان كمان بيرد على أي سؤال تسألهوله عن شغله أو تحركاته أو أي تفاصيل عسكرية، لحد ما بقى مصدر مهم بيغذيها بالمعلومات أول بأول، وهي كانت بتستقبل كل ده باعتباره معلومات خطيرة جداً ومفيدة جداً ليها في المهمة اللي شغالة عليها.
وبكده بدأت المعلومات العسكرية السرية عن نشاط القوات المسلحة المصرية، خصوصاً على الضفة الغربية لقناة السويس، تتسرب واحدة ورا التانية قدام فاروق الفقي، وهو كان بيديها كل اللي يعرفه من تفاصيل عسكرية من غير ما يحس بخطورة اللي بيعمله، وكان دايماً حريص إنه يرضيها ومش واخد باله إنه بيتورّط.
وفي نفس الوقت كانت هبة سليم بتستغل وجودها في القاهرة، وبتحاول تثبّت علاقتها بيه أكتر وتخليه متعلق بيها بشكل أكبر.
وبعد ما خلصت زيارتها، بعتت رسالة لـ “أدمون”، وقالت له إنها قضت وقت حلو مع أهلها في القاهرة، وإنها كمان ارتبطت بشاب “رائع” جداً.
وكلمة “رائع” دي كانت بالنسبة لـ “أدمون” إشارة واضحة إن المهمة نجحت وإن عملية التجنيد تمت فعلاً.
وساعتها حصلت فرحة كبيرة عند الموساد في تل أبيب، لأنهم حسّوا إنهم قدروا يحققوا اختراق مهم، وكمان كسبوا “عصفورين بحجر واحد”، خصوصاً إن الشخص ده بقى قريب جداً من أماكن عسكرية حساسة على الضفة الغربية لقناة السويس.
وكانوا شايفين إن ده واحد من أهم النجاحات الاستخباراتية في التوقيت ده، لأنه بقى بيوصلهم معلومات شبه مباشرة عن أي تحركات أو استعدادات عسكرية.
وبعدها بدأت هبة سليم تجهّز لمرحلة جديدة، خصوصاً إنها راجعة تاني لباريس، وهناك كان خطيبها في انتظارها، واللي بقى فعلياً مصدر المعلومات الأساسي ليها، ووعدها إنه هييجي باريس في زيارة قصيرة يقابلها فيها.
وفي رحلتها التانية لباريس، أول ما وصلت هناك قابلت فورًا ضباط المخابرات الإسرائيلية، وكان في مقدمتهم “آدمون”.
وقدمت له تقرير كامل عن نجاحها في قنص الهدف بتاعها في القاهرة، وكمان سلمته كل المعلومات اللي قدرت تجمعها من فاروق الفقي، خصوصًا المعلومات العسكرية الدقيقة اللي كانت مهمة جدًا وحققت نجاح كبير للمخابرات الإسرائيلية في الوقت ده.
وفي نفس اللقاء، “آدمون” سلمها شيك بـ10 آلاف فرنك فرنسي، ووعدها إنها هتعيش حياة مريحة ومترفة سواء في باريس أو القاهرة.
لكن هي رفضت تاخد أي فلوس، وشكرته، وقالت إنها مش عايزة مقابل مادي مباشر.
وقبلت بس إن المخابرات تتحمل مصاريف سفرها لما تروح القاهرة تاني بعد حوالي 3 شهور أو أقل زي ما هو اقترح.
وكمان اقترحت عليه إنها تدعو خطيبها الجاسوس في رحلة سياحية لباريس بعد شهر أو شهرين.
لكن “آدمون” رد وقال إنه شايف الأفضل إن خطيبها ما يجيش باريس في المرحلة دي، عشان ما يلفتش الانتباه لسفره للخارج ويثير الشكوك.
وكمان اقترح إنها هي اللي تسافر القاهرة كل فترة عشان تقدر تجمع منه معلومات أكتر، وتكون معاها هدايا يتم توفيرها عن طريق المخابرات الإسرائيلية.
وأكد عليها إنها تركز على كل تحركاته، خصوصًا أي معلومات تخص استعدادات الجيش المصري في منطقة قناة السويس، وهل فيه تجهيزات لجولة جديدة مع إسرائيل ولا لأ، بناءً على اللي قدرت توصله من خلال فاروق الفقي اللي نجحت في تجنيده.
وفي رحلة تانية ليها وهي رايحة تزور القاهرة، قدرت توصل لمعلومات دقيقة جدًا عن مباني قواعد الصواريخ المضادة للطائرات، اللي كانت بتتجهز وقتها لإطلاق صواريخ سام 6.
المعلومات دي كانت خطيرة جدًا، لأنها خلت الطيران الإسرائيلي يحدد أماكن القواعد دي ويضربها قبل حتى ما الخرسانة المسلحة تكون نشفت وتتثبت كويس.
والضربات دي كانت بتسبب خسائر كبيرة جدًا في الأرواح والمعدات، وده كان بيأثر بشكل مباشر على سير الشغل العسكري في المنطقة.
ومع تكرار القصف الإسرائيلي بالشكل ده، حصل توقف مؤقت في شغل بعض مراحل إنشاء “حائط الصواريخ” المضاد للطيران الإسرائيلي.
ملاحظة من المجموعة 73 مؤرخين: فيه خطأ تاريخي متعمد تاني في الرواية، وهو إن المعلومة اللي وصلت لفاروق الفقي كانت عن ميعاد اجتماع عدد كبير من ضباط الصاعقة في مدرج جوه مبنى من مباني مدرسة الصاعقة.
وبالفعل تم استهداف المدرسة في التوقيت ده، لكن المفاجأة إن المحاضرة كانت خلصت بدري حوالي ربع ساعة، وده خلّى عدد كبير من رجال الصاعقة ينجوا من موت كان شبه مؤكد.
وبعد رصد وتحليل الوقائع الخطيرة دي من المخابرات العامة المصرية، وعلى رأسها جهاز مقاومة التجسس، التقييم النهائي خلص إن الدقة الشديدة في تحديد أماكن الشغل على الضفة، خصوصًا مواقع الصواريخ المضادة للطيران، ماكنتش عشوائية خالص.
التقدير الأمني أكد إن ده كان نتيجة شغل مخابراتي إسرائيلي تابع للموساد، عن طريق عميل ليهم موجود في المنطقة.
ومن هنا بدأت المخابرات العامة المصرية تستخدم كل الإمكانيات المتاحة، ودفعت بكل خبرات ضباط مقاومة التجسس، عشان يشتغلوا على الملف ده بشكل مكثف ودقيق جدًا.
وتم فتح تحقيقات واسعة شملت كل اللي بيترددوا على المواقع العسكرية على طول خط الضفة الغربية لقناة السويس.
سواء عسكريين بكل رتبهم ومهامهم ومساعديهم، محدش اتستثني مهما كانت رتبته.
وكمان التحقيقات شملت كل العناصر المدنية اللي ليها أي وجود أو مرور على المناطق دي على مدار 24 ساعة.
وبعد الفحص الدقيق، أغلب النتائج كانت بتأكد إن معظمهم وطنيين ومفيش عليهم شبهة.
لكن مع استمرار التحليل والتدقيق، بدأت دائرة الشك تضيق على عدد محدود جدًا، لحد ما ضابط من مقاومة التجسس قدر يحصر الشبهة في شخص واحد بس.
الشخص ده اتحط تحت مراقبة شديدة جدًا ضمن “الدائرة الحمراء” للاشتباه العالي.
وتم تتبعه بشكل مستمر ليل ونهار، لحد ما تم القبض عليه ومعاه دليل مادي واضح، كان هو المفتاح الحقيقي للقضية.
ومن هنا بدأت الصورة تتوضح إن في عميل شغال لصالح جهة أجنبية، وكل المؤشرات كانت بتشير إن الجهة دي هي “الموساد” الإسرائيلي، حتى لو ماكانش في إعلان رسمي وقتها.
ملاحظة من المجموعة 73 مؤرخين: تم رصد خطاب مشفر خاص بـ فاروق الفقي فيه تفاصيل عن اجتماع حصل داخل القوات البحرية، وحضره فاروق الفقي مع خمسة ضباط بس من الصاعقة والبحرية.
وبناءً عليه، تم حصر الاشتباه في الخمسة دول تحديدًا، واتحطوا تحت مراقبة صارمة جدًا، مع إبعادهم عن أي تطورات تخص العمليات العسكرية.
وكمان تم إيقاف أي عمليات للقوات الخاصة مؤقتًا، مع نشر معلومات مضللة عن عمليات وهمية بهدف تشتيت أي متابعة أو اختراق محتمل من الطرف التاني.
و كان كمان فى دليل لافت للنظر جدًا… جملة بسيطة مكوّنة من كذا كلمة، بس ما كانتش ماشية خالص مع سياق الكلام العاطفي اللي قبلها، اللي كان كله مشاعر وكلام عاطفي.
الجملة كانت:
"لقد انتهيت من تركيب إيريال – هوائي – كبير – للراديو هنا"
ودائرة التحليل والتقييم شافت إن الجملة دي غريبة ومش عادية.
قالوا إن ذكر تركيب “هوائي كبير” ممكن يكون معناه إن في جهاز راديو أو جهاز إرسال قوي، لأن النوع ده من الهوائيات بيستخدم غالبًا في أجهزة إرسال واستقبال حساسة.
وده معروف في شغل التجسس إن الإشارات الصغيرة دي ممكن تدل على وجود جهاز لاسلكي أو جهاز إرسال مخفي.
وكمان كان فيه علامة استفهام تانية: ليه حد بيكتب رسالة عاطفية ويحط جملة زي دي ويأكد عليها كأنها خبر مهم؟
فبدأ التحليل يميل إن الموضوع ممكن ما يكونش مجرد كلام عادي، لكن جزء من نشاط تجسسي بيتكوّن خطوة خطوة.
وعلى الفور، اتحطت خطط عمل سرية وسريعة، أهمها جمع معلومات دقيقة عن صاحب الرسالة اللي بعتها للخارج وفيها الجملة دي.
وبعد كام يوم من المتابعة الدقيقة، تم تحديد شخصية مرسل الخطاب بشكل واضح.
وكمان من المعاينة السرية لمكان إقامته، اتأكدوا إن فيه فعلًا هوائي طويل متثبت فوق السطح، وده زوّد الشك أكتر.
وكمان تم تحديد الجهة اللي بيشتغل فيها، واللي بتسمح له بالتحرك في أماكن ومناطق عسكرية بحكم شغله.
ملاحظة من المجموعة 73 مؤرخين: المقصود هنا قوات الصاعقة.
وبقى الموضوع شديد الحساسية، فكان لازم التعامل بحذر شديد جدًا، لأن أي اتهام من غير دليل قاطع كان ممكن يسبب مشكلة كبيرة.
وعلى الفور حصلت اجتماعات سرية، واتاخدت تعليمات إن المعلومات دي تفضل في أضيق نطاق ممكن ومحدش يعرف بيها.
وكمان تم إبلاغ اللواء أحمد إسماعيل، رئيس المخابرات العامة وقتها، بكل اللي تم التوصل ليه.
وبعد تقييم دقيق جدًا، تقرر استمرار المتابعة السرية، مع محاولة اختراق حياة الشخصية دي بشكل أعمق عشان تتكشف الصورة كاملة.
وبالفعل استمرت المتابعة بشكل مكثف جدًا، خصوصًا الجزء اللي كان خاص بمراقبة نشاط فاروق الفقي طول 24 ساعة يوميًا.
واللي اتكشف من المتابعة إن شغله كان حساس جدًا، وبيخليه يطلع على أدق الأسرار العسكرية، وكمان يعرف كل اللي بيحصل على أرض العمليات المتوقعة على خط قناة السويس.
ومن هنا بدأ الربط بينه وبين عمليات استهداف الطيران لمواقع بناء منصات الصواريخ، اللي كانت ضمن خطة “حائط الصواريخ” اللي كان بيتجهز عشان يبقى مصيدة للطيران الإسرائيلي وقت المعركة الجاية.
وبالتدريج التحليل انتهى إن جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد” هو المستفيد الوحيد من كل اللي بيحصل، وهو اللي ورا نشاط العميل ده.
وعلى الناحية التانية، كانت هبة سليم عايشة في باريس حياة منفتحة جدًا، وبتعيش بحرية كاملة، لدرجة إنها كانت داخلة في علاقات شاذة مع بعض صديقاتها.
وفي نفس الوقت، كانت بتسافر للقاهرة عدد محدود من المرات، وخلالها قدرت تدرب خطيبها الجاسوس على استخدام راديو حساس جدًا في إرسال واستقبال الرسائل السرية.
وكمان ادته كود خاص للتراسل، بحيث يبقى ده هو الأسلوب الأساسي في التواصل بينهم.
وكان فيه مواعيد أسبوعية ثابتة للإرسال والاستقبال.
أما لقاءاتها مع خطيبها “فاروق الفقي” في القاهرة، فكانت بتستغلها عشان تاخد منه معلومات زيادة بشكل مباشر.
وكمان كانت بتقدر تناقشه في أي نقطة أو تفاصيل محتاجينها المخابرات الإسرائيلية.
وكمان كان ممكن من خلالها يتنقل صور وخرائط عسكرية للمخابرات الإسرائيلية.
وده كله كان جزء من شبكة اتصال سرية بينهم، هدفها الأساسي نقل وتبادل المعلومات بشكل مستمر.
وكمان بعد كده ظهر إن المخابرات الإسرائيلية كانت بتستغل النظام ده أحيانًا في تمرير معلومات مضللة وخداع الطرف التاني، وده كان جزء من لعبة التمويه في الملف ده.
وفي يوم من الأيام، دعا ضباط المخابرات الإسرائيلية “آدمون” هبة سليم على عشاء فاخر في واحد من أفخم مطاعم باريس.
وأثناء القعدة، قال لها إن رئيسة وزراء إسرائيل “جولدا مائير” نفسها حابة تدعوها في زيارة سرّية لإسرائيل، عشان تشكرها رسميًا باسم حكومة وشعب إسرائيل على تعاونها.
وهبة سليم وافقت على الدعوة بسعادة كبيرة، واتحدد ميعاد الزيارة على الأساس ده.
ولما وصلت هبة سليم مطار بن جوريون في زيارتها السرّية لإسرائيل، كان في استقبال غير عادي خالص، استقبال VIP كأنها شخصية كبيرة أو رئيسة دولة.
من أول ما الطيارة دخلت المجال الجوي الإسرائيلي، كان في سرب طيارات حربية بيرافقها لحد ما تهبط.
ولما الطيارة نزلت، كان في استقبالها عدد من كبار قيادات الموساد، وعلى رأسهم “مائير عاميت” رئيس جهاز المخابرات الخارجية (الموساد)، ومعاه مجموعة من القادة واقفين في استقبال منظم جوه المطار في قاعة سرّية.
وكان واضح جدًا إن الاستقبال كله فيه تقدير كبير ليها.
وبعد كده، وقت مقابلة جولدا مائير، اتحركت في سيارة ليموزين فخمة جدًا للقاء رئيسة الوزراء.
جولدا مائير رحبت بيها بحرارة شديدة، وشكرتها على اللي قدمته لإسرائيل من تعاون ومعلومات.
وقالت لها إن إسرائيل ترحب بيها في أي وقت تحب تيجي فيه.
وقدمت لها هدية رمزية بسيطة تقديرًا لدورها.
وكمان طلبت منها تقعد 3 أيام كضيفة عند رئيسة الوزراء.
وخلال الزيارة دي، تم استقبالها كمان من “مائير عاميت” رئيس الموساد، اللي عمل لها حفل استقبال صغير حضره عدد من كبار القادة، وكلهم كانوا بيشكروا فيها على شغلها ونجاحها في المهمات اللي قامت بيها.
وفي آخر الزيارة، رجعت هبة سليم لباريس، وهي جواها إحساس ورغبة قوية إنها تكمل وتتفانى أكتر في خدمة إسرائيل، حتى لو ده كان على حساب خيانتها لوطنها مصر.
بعد ما كل الحقايق اتكشفت، واتحدد الشخص العميل اللي كان بيتعامل مع جهاز الموساد الإسرائيلي وبيخون مصر، واللي باع بلده اللي ربّاه وكبّره ووفّر له حياة كويسة مفيهاش أي نقص، وكمان بعد ما اتحدد دور خطيبته الباريسية اللي كانت سبب أساسي في جرّه لطريق الخيانة.
ومع وجود أدلة مادية أكتر، ومن خلال متابعة سرّية دقيقة شملت كل تفاصيل حياته، اتعملت مذكرة شاملة في القاهرة وباريس، المخابرات العامة هي اللي جهزتها، واتعرضت على الرئيس أنور السادات.
وأهم نقطة في المذكرة إن لازم يتشال الاتنين دول من الصورة، بسبب خطورة المعلومات اللي بيوصلوا لها، خصوصًا في المرحلة الحساسة دي اللي كانت الدولة فيها بتجهّز للحرب، وبتكمّل شغل “حائط الصواريخ” على الضفة الغربية لقناة السويس.
وكمان كان فيه قلق كبير إن استمرار نشاطهم ممكن يدي للعدو معلومة مباشرة من داخل مصر تثبت إنها فعلًا داخلة على حرب قريبة مع إسرائيل، وده كان ممكن يبوّظ خطة الخداع الاستراتيجي اللي الدولة كانت ماشية بيها بدقة، من القيادة لحد الجيش وكل أجهزة الدولة.
وبعد ما القيادة السياسية وافقت إن الموضوع يتحسم في الوقت المناسب، صدر القرار بإنهاء العملية، والتحرك للقبض على العميلين.
وشدّت المخابرات العامة المصرية إجراءاتها أكتر، وبدأت ترفع مستوى السيطرة الكاملة على نشاط الثنائي العميل ده، مع محاولة الاستفادة منه لأقصى درجة في دعم خطة الخداع الاستراتيجي اللي كانت القيادة السياسية والقوات المسلحة شغالة عليها من فترة.
وبناءً عليه، شافوا إن الأفضل إنهم يبدأوا الأول بالتحرك ناحية الخطيب الجاسوس، عشان يتم استغلاله بشكل يخدم خطة خداع المخابرات الإسرائيلية لأطول وقت ممكن.
وفي الوقت ده، تم إبلاغ اللواء فؤاد نصار، رئيس المخابرات الحربية، بكل تفاصيل نشاط الجاسوس، وإن الموضوع محتاج تحرك فوري جدًا للقبض عليه.
وكانت الصدمة كبيرة جدًا لما اتعرض عليه الموضوع، لكن على طول اتاخدت إجراءات سريعة جدًا وفي منتهى السرية، وبالتنسيق مع عدد محدود جدًا من ضباط القوات المسلحة.
وتم استدراج الجاسوس إنه ييجي القاهرة، خصوصًا إنه كان وقتها في مهمة شغل في منطقة قناة السويس، يعني جوه مسرح العمليات المنتظر.
وأول ما وصل، تم القبض عليه فورًا، ونقله لمكان احتجاز سري تابع للمخابرات العامة المصرية.
واللافت إنه أول ما اتقبض عليه، كان باين عليه ذهول شديد ومفاجأة كبيرة، وطلع بيقول باستسلام لضباط مقاومة التجسس: "هو انتوا عرفتوا؟"
وكان فاكر إنه مستحيل يتكشف، ومكنش متخيل لحظة إن أمره يبان بالشكل ده.
وكمان حاول يبرر لنفسه بشكل بسيط وساذج، وقال إنه ماكانش متصور إن مصر ممكن تاخد قرار حرب ضد إسرائيل أصلًا.
وفي الآخر قال إنه مستعد يتعاون لأقصى درجة مع جهات التحقيق المصرية.
وعلى طول، بدأت المخابرات العامة المصرية، من خلال عناصرها الفنية المدربة على أعلى مستوى من الاحتراف والخبرة، تستغل الصيد الثمين اللي وقع في إيدها ده، عشان تمارس بيه مزيد من الخداع ضد المخابرات الإسرائيلية، من خلال استغلال العميل اللي بقى تحت سيطرتها.
والحقيقة إن المخابرات المصرية كانت استخدمت الأسلوب ده قبل كده في قضايا تجسس سابقة، خصوصًا مع المخابرات الإسرائيلية، وحققت بيه نجاح كبير جدًا.
وعشان كده، جابوا الجاسوس، وطلبوا منه يكمّل مراسلاته مع جهاز الموساد الإسرائيلي بنفس الطريقة المعتادة اللي كان شغال بيها، وبدأ فعلًا يعمل ده تحت إشراف كامل من العناصر الفنية والمهنية المدربة جوه المخابرات العامة المصرية، واللي كانت متخصصة في النوع ده من المهام وبتتابعه بدقة.
واستغلت المخابرات المصرية الاتصالات السرية اللي كانت بين الجاسوس وبين جهاز الموساد، واللي كانت بتتم عن طريق الجاسوسة هبة سليم الموجودة في باريس، وبدأت تمرر من خلالها كمية كبيرة من المعلومات الكدب والمضللة للمخابرات الإسرائيلية.
والمعلومات دي كان الهدف منها إنها تثبت عندهم فكرة إن مصر أصلًا مش ناوية تهاجم خط بارليف، وإن كل اللي القوات الخاصة المصرية كانت بتعمله وقت حرب الاستنزاف ما هو إلا شغل للاستهلاك المحلي، يعني مجرد عمليات هدفها تهدي الجبهة الداخلية في مصر وتشغل الناس عن المطالبة بالحرب.
وبالشكل ده، استمرت الاتصالات السرية الخداعية بين الموساد وعميله اللي في القاهرة فترة، وقدرت المخابرات العامة المصرية خلال الفترة دي إنها تعرف بدقة نوعية المعلومات اللي كانت المخابرات الإسرائيلية مهتمة بيها، وإيه بالضبط اللي كانت عايزة توصله من خلال عميلها.
وفي نفس الوقت، وبالتوازي مع كل اللي كان بيحصل، كانت المخابرات العامة المصرية مجهزة خطة سرية مخصوص علشان تجيب هبة سليم من فرنسا وترجعها القاهرة. وبعد ما قعدوا يدرسوا الموقف كويس جدًا من كل ناحية، استقروا في الآخر على خطة معينة للاستدراج، وهي إن فريق من الضباط يسافر ليبيا، وهناك يبتدوا ينفذوا باقي الخطة. وبالفعل، تم التنسيق بشكل كامل مع السلطات الليبية، واللي تعاونت معاهم تعاون كامل في الموضوع.
بعد كده، اتواصلوا مع والد هبة، واللي كان شغال وقتها في ليبيا، وبدأوا يفهموه إن المخابرات المصرية وصل لها من مصادر موثوق فيها جدًا، ومعاها كمان أدلة كافية، إن بنته متورطة في فرنسا مع مجموعة من العناصر الفلسطينية، وإنهم بيحضّروا لعملية خطف طيارة ركاب من مطار أورلي في باريس، وكمان ناويين يهددوا بنسف الطيارة لو مطالبهم ما اتنفذتش.
وطبعًا تم شرح الموضوع لوالدها بشكل يخليه يستوعب خطورته، واتقال له إن اللي بنته داخلة فيه ده لو حصل فعلًا، هيبقى فيه خطر كبير جدًا على حياتها هي شخصيًا، غير إن الموضوع كمان هيحط مصر في ورطة كبيرة جدًا، وهيسبب لها إحراج بالغ في فترة كانت أصلًا حساسة وخطيرة جدًا. ومن هنا طلبوا منه إنه يتعاون معاهم لأقصى درجة، علشان يلحقوا بنته وينقذوا حياتها، خصوصًا إنها كانت متسحبة في السكة دي من غير ما تكون مقدّرة المصايب والعواقب الخطيرة اللي ممكن تترتب على حاجة زي دي. وكان المطلوب في الوقت ده إن أهم حاجة هبة تسيب باريس بسرعة جدًا، علشان يحافظوا على حياتها قبل ما الأمور تقلب بشكل أخطر.
والحقيقة إن والدها تجاوب فورًا، وما اتأخرش في تنفيذ أي حاجة اتطلبت منه. وعلى طول تم إدخاله واحدة من مستشفيات طرابلس، واتحجزت له أوضة في قسم العناية المركزة الخاص بأمراض القلب والأوعية الدموية. وكمان حصل تنسيق مع عدد من الأطباء المسؤولين عن القسم ده، وكان من حسن الحظ إن بعضهم كانوا أطباء مصريين وطنيين وشرفاء، ووافقوا يساعدوا وينفذوا كل اللي اتطلب منهم بدقة كبيرة.
أما حكاية إدخال والد هبة المستشفى، فدي ما كانتش خطوة عادية ولا مجرد حركة وخلاص، لأ، دي كانت جزء مهم جدًا من الخطة، لأن المخابرات المصرية كانت عاملة حسابها إن الموساد ممكن جدًا يبدأ يعمل تحريات سرية علشان يتأكد إذا كانت حكاية مرض والدها ودخوله المستشفى حقيقية فعلًا، ولا مجرد تمثيلية معمولالها علشان يطلعوا هبة من باريس ويوقعوها في الفخ. وده في الحقيقة كان تصرف شديد الذكاء من المخابرات المصرية، لأنه بيبين قد إيه كانوا شغالين بحساب، وقد إيه ما كانوش بيستهينوا أبدًا بقوة الخصم، ولا بأي حركة ممكن يعملها الموساد في موقف مستعجل وخطير زي ده.
وفعلًا، على طول بدأوا يبعتوا لهبة في باريس برقية مستعجلة، وده كان كله تحت إشراف المخابرات المصرية. ومضمون البرقية إن أبوها جاله أزمة قلبية خطيرة للمرة التانية، وإنه بيطلب منها ترجع له فورًا ليبيا علشان تكون موجودة معاه وتشرف على علاجه، خصوصًا إنه محجوز وقتها في مستشفى في طرابلس وبيتلقى العلاج هناك.
وما عداش وقت كبير، ورد هبة وصل بسرعة، لكنها بدل ما تقول إنها جاية، طلبت من أبوها يسيب طرابلس فورًا ويسافر لها باريس، وقالت له إنها حجزت له في مستشفى "جوستاف روسية" هناك، وإن عربية إسعاف هتكون مستنياه أول ما يوصل المطار، وفضلت تأكد عليه إنه يسرّع السفر وما يضيعش وقت.
لكن بعدها مباشرة، أبوها بعت لها برقية تانية مستعجلة، وقال لها فيها إنه مستحيل يقدر يسافر أو يخرج من طرابلس، لأن حالته الصحية خطيرة جدًا وما تسمحلوش بالحركة.
وفي الناحية التانية في باريس، كان ضابط المخابرات الإسرائيلية "آدمون" متابع الموقف مع هبة سليم لحظة بلحظة، وكل جديد كان بيحصل كانت بتقوله عليه. وفي وسط ده، اقترح عليها إنها تأجل سفرها لطرابلس 24 ساعة، وهبة وافقت، بعد ما فهمها إنه هيبعت فورًا حد يتأكد بنفسه إذا كانت البرقيات اللي وصلتلها عن مرض أبوها حقيقية ولا لأ.
وفعلًا، قبل ما الـ24 ساعة حتى تخلص، رجع آدمون وبلغها إنه موافق على سفرها لطرابلس، وقال لها كمان إنه اتأكد من صحة البرقيات اللي وصلتلها، وإن الموضوع حقيقي فعلًا. وبعدها سألها: إيه الأفضل لحالة أبوها؟ هل ياخدوه القاهرة، خصوصًا إن فيها دكاترة معروفين بكفاءتهم الكبيرة جدًا في التخصص ده، ولا يرجعوه باريس؟ وساب لها حرية الاختيار حسب حالة أبوها الصحية وإيه الأنسب لعلاجه.
وهنا كانت خطة المخابرات المصرية نجحت فعلًا، لأن هبة سليم بلعت الطُعم، ومعاها كمان الموساد نفسه بلعه. وعلى طول ردت هبة ببرقية سريعة على أبوها، قالت له فيها إنها بدأت تخلص إجراءات حجز السفر، وإنها هتركب أول طيارة توصل طرابلس تاني يوم.
وفي اللحظة دي، المخابرات المصرية، بالتعاون مع السلطات الليبية، بدأت تاخد إجراءات تأمين مشددة جدًا، لأن كان فيه احتمال مهم وخطير لازم يتحسب له، وهو إن هبة ما تكونش جاية لوحدها على الطيارة، لكن يكون معاها واحد أو أكتر من عناصر الـ"كاونتر"، ودي عناصر بيبقوا موجودين علشان يحموا الشخص ويأمّنوه. ومش بس كده، لأ، كان وارد جدًا إن من ضمن مهمتهم كمان إنهم يخلصوا على هبة نفسها لو حسّوا أو اتأكدوا إنها ممكن تقع في إيد أي جهاز مخابرات، وبالذات لو الجهاز ده هو المخابرات المصرية.
وفي اللحظة دي، ضباط المخابرات المصرية كانوا واخدين أماكنهم على أرض المطار، ولبسهم كان عامل زي موظفين الاستقبال بتوع الطيارات اللي بيستقبلوا الطيارة ويوجهوها تقف فين. فلو أي حد بص من جوه الطيارة كان هيشوف المنظر عادي جدًا ومفيهوش أي حاجة تخلّي حد يشك إن فيه حاجة بتحصل.
الطيارة نزلت ووقفت في مكانها زي ما هو متخطط بالظبط. وفي اللحظة دي التوتر اللي كان عند الضباط بدأ يهدى شوية، والدقات اللي كانت سريعة رجعت لطبيعتها، وكل واحد فيهم حس براحة كبيرة إن الخطة ماشية زي ما هي.
وأول ما باب الطيارة اتفتح وسُلّم النزول اتقرب، بدأ الركاب ينزلوا واحد ورا التاني بشكل طبيعي. وكل العيون كانت مركزة على اللحظة اللي هتظهر فيها هبة سليم. ولما ظهرت فعلًا وبدأت تنزل السلم، كانت عيون رجال المخابرات عليها خطوة خطوة، مش بس هي، لكن كمان اللي بينزل بعدها، علشان لو فيه أي حاجة غريبة تحصل ياخدوا بالهم فورًا.
أول ما رجليها لمست أرض المطار، لقت اتنين رجالة واقفين على الجنبين. واحد فيهم قال لها بسرعة: "حمد لله على السلامة يا هبة". هي وقفت مستغربة وعايزة تسأل: "إنتوا مين؟" لكن قبل ما تاخد فرصة تفهم، كانوا مسكوا إيديها من الناحيتين وبدأوا يمشوا بيها بسرعة شوية ناحية طيارة تانية كانت واقفة قريب جدًا، عليها علم مصر على الجنب.
وفي السكة قالولها إن خطيبها مستنيها في القاهرة، وإنها دلوقتي مع المخابرات المصرية. الصدمة كانت كبيرة جدًا عليها، فبدأت تهتز كأنها هتقع، لكن مسكوها وعدّلوها بسرعة وكملت وهي مش مستوعبة.
بعدها دخلت الطيارة المصرية، ومن غير وقت طويل، وبعد حوالي ساعتين، كانت بتنزل تاني في القاهرة، والمرة دي كانت إيديها متكتفة في أسورة حديد، زي أي متهم بيتنقل تحت حراسة.
على طول اتحطّت في عربية خاصة، ومشيت من مطار القاهرة في سرّية تامة جدًا، كأن مفيش أي حاجة حصلت أصلاً، واتنقلت لمكان تاني بعيد خالص عن أي عيون أو متابعة، لحد ما استقرت في واحدة من زنازين التحقيق بتاعة المخابرات العامة المصرية.
وبعد أقل من ساعة، خرجت رسالة مشفّرة من القاهرة رايحة على باريس، وكانت تحت إشراف المخابرات العامة المصرية بشكل مباشر، ومضمونها كان:
"من المقدم/ فاروق عبد الحميد الفقي إلى آدمون… أنا وهبة دلوقتي في إيد المخابرات العامة المصرية."
والرسالة دي ماكنتش عادية، دي كانت ماشية بالكود السري المتفق عليه بين فاروق وآدمون، علشان أي تواصل سري بينهم وقت الأزمات والحالات الخطيرة.
ونقف هنا شوية عشان نفهم اللي كان بيحصل في نفس الوقت في حتة تانية خالص.
في الوقت ده، هنري كيسنجر، وزير خارجية أمريكا، كان في أول زيارة ليه بعد انتهاء حرب أكتوبر، وكان في مباحثات مهمة مع الرئيس الراحل أنور السادات في استراحة الرئاسة بأسوان.
السادات كان قاعد بهدوء على كرسي خيزران، ماسك في إيده الشمال غليون، وبيتأرجح سنة لقدام وسنة لورا، شكله هادي جدًا لكن دماغه شغالة بسرعة كبيرة جدًا.
كيسنجر بدأ كلامه بهدوء دبلوماسي، وقال إنه جايب رسالة، وسكت لحظة كده وهو بيقيس رد فعل الرئيس، وبعدها قال إن الرسالة دي من جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل.
السادات في اللحظة دي كان مركز جدًا، مش بس بيسمع… ده كان بيفكر قبل ما الكلام يكمل أصلاً. فهم بسرعة إن في طلب جاي في الطريق، وإن لو وافق عليه بسرعة ممكن يكون ليه عواقب مش كويسة.
فقرر يتعامل بذكاء وهدوء، وميديش فرصة للضغط عليه.
كيسنجر كمل وقال بنعومة:
"سيدي الرئيس… هي بتطلب منك تخفف الحكم على هبة سليم."
في اللحظة دي الجو اتغير، والمشهد قرب يخلص.
السادات ابتسم ابتسامة خفيفة، وهز راسه كذا مرة بسرعة، وبعدين عدّل قعدته وبص لكيسنجر وقال بهدوء وثقة:
"عزيزي هنري… تم إعدامها."
كيسنجر اتفاجئ ووشه اتغير، وسأل بسرعة:
"إمتى؟"
السادات رد بنفس الهدوء:
"من بدري الصبح."
وساعتها المشهد اتقفل بشكل حاسم.
السادات لعبها بذكاء سياسي عالي جدًا، وقفل الباب نهائي قدام أي ضغط أو تفاوض، وقطع الطريق على أي محاولة تدخل من جولدا مائير أو غيرها.