من بلاد فارس، جه البطل المرة دي…
ومن بلاد فارس كمان، كتير دخلوا الإسلام بعد كده، فطلع منهم ناس عظماء جدًا، ما يتقارنوش في الإيمان ولا في العلم ولا في الدين ولا حتى في الدنيا.
وكان ده من أعظم حاجات الإسلام، إنه لما يدخل بلد، ما يسيبهاش زي ما هي… لأ، ده بيحرّك كل حاجة فيها، بيطلع العبقرية اللي مستخبية في أهلها، كأنها كانت نايمة وصحيت فجأة.
فتلاقي فلاسفة مسلمين، وأطباء مسلمين، وفقهاء، وعلماء فلك، ومخترعين، وعباقرة في الرياضيات… كلهم طالعين من كل بلد، وكل مكان، لدرجة إن عصور الإسلام الأولى بقت مليانة عقول عظيمة في كل مجال.
أوطانهم كانت مختلفة، لكن دينهم واحد.
والنبي ﷺ كان مبشّر بالمد ده من زمان، وكأن ربنا وعده إن دينه هيوصل لكل مكان في الأرض.
وفي يوم من الأيام، اتشاف الكلام ده بعينه…
وكان “سلمان الفارسي” شاهد على الحدث ده، وكان ليه دور كبير في القصة دي.
وده كان يوم الخندق، في السنة الخامسة من الهجرة.
اليهود خرجوا من المدينة، وراحوا لمكة، بيحرّضوا قريش والقبائل كلها على النبي ﷺ والمسلمين، عشان يعملوا تحالف كبير يقضي على الإسلام نهائي.
واتحطّت خطة خبيثة: جيش من برّه يهاجم المدينة، وفي نفس الوقت بني قريظة من جوّه يخونو المسلمين ويضربوهم من الخلف… يعني المسلمين يتحبسوا بين نارين.
وفجأة، النبي ﷺ والمسلمين اتفاجئوا بجيش ضخم جدًا بيقرب من المدينة، عدده كبير وسلاحه أقوى، لدرجة إن الناس اتصدمت من المنظر.
الحالة كانت صعبة جدًا… الخوف دخل القلوب، والموقف كان مرعب.
والقرآن وصف اللحظة دي وقال:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾
حوالي 24 ألف مقاتل، تحت قيادة أبو سفيان وعيينة بن حصن، متجمعين حوالين المدينة، هدفهم ينهوا الموضوع كله مرة واحدة.
مش قريش لوحدها… ده تحالف كل اللي شايفين الإسلام خطر عليهم، قبائل ومصالح وأعداء كتير.
كانت لحظة مفصلية… كأن كل الدنيا اتجمعت على المسلمين.
ورسول الله ﷺ جمع الصحابة عشان يشاورهم: نعمل إيه؟
الكل قال على القتال والدفاع، بس السؤال الحقيقي كان: إزاي؟
وساعتها تقدم رجل طويل، قوي، شعره كثيف… رجل النبي ﷺ كان بيحبه ويحترمه جدًا…
في اللحظة دي، تقدم رجل طويل، قوي البنية، شعره كثيف… وهو “سلمان الفارسي”، اللي كان النبي ﷺ بيحبه ويقدّره جدًا.
سلمان طلع على مكان عالي، وبص على المدينة كويس، كأنه بيقراها بعينه لأول مرة. المدينة كانت متحصنة بالجبال والصخور من كل ناحية، لكن كان فيه فجوة كبيرة ومفتوحة، كأنها مدخل جاهز للعدو يدخل منه بسهولة.
وسلمان، بحكم إنه عاش في فارس وشاف طرق قتال وحروب مختلفة، جت له فكرة ماكنتش معروفة عند العرب وقتها.
راح للنبي ﷺ وقال له على اقتراحه:
“ليه ما نحفرش خندق حوالين الجزء المفتوح من المدينة؟ كده نمنع أي جيش إنه يدخل علينا بسهولة.”
الفكرة كانت جديدة تمامًا، لكن كانت عبقرية… وممكن تكون هي السبب في إن المسلمين ينجوا من الخطر ده.
وبالفعل، الخندق اتحفر… ولو ماكنش حصل كده، كان ممكن المعركة تاخد شكل تاني خالص، ويمكن نهايتها تكون مأساوية.
قريش اتحطت قدام مفاجأة ما كانتش في حسابها. مدينة محصنة بخندق كبير يمنع أي اقتحام. ففضلوا واقفين حواليها، عاجزين، مش قادرين يدخلوا، ولا عارفين يحققوا هدفهم.
فضلوا على الحال ده حوالي شهر كامل، لحد ما ربنا أرسل عليهم ريح شديدة في ليلة عاصفة… قلبت خيامهم، وكسرت عزيمتهم، وشتت جموعهم.
وفي النهاية، أبو سفيان نادى في جيشه بالانسحاب… ورجعوا زي ما جُهّزوا، لكن بشكل مهزوم ومتعب ومشتت.
وخلال حفر الخندق، سلمان كان واقف وسط المسلمين، بيحفر زيهم بالظبط، مش متفرج ولا بعيد… والنبي ﷺ نفسه كان شايل المعول وبيشتغل معاهم بإيده الشريفة.
وفي منطقة الحفر، حصل موقف… معاول الصحابة خبطت في صخرة ضخمة جدًا، صعبة ومش بتتكسر بسهولة.
سلمان، رغم قوته، حاول يكسرها بضربة قوية، لكن الصخرة كانت عنيدة أكتر من المتوقع. كلهم حاولوا مع بعض، لكن مفيش فايدة.
راح سلمان للنبي ﷺ وقال له إنهم مش قادرين يكملوا حفر الخندق بسبب صخرة ضخمة ومعاندة وقفت في طريقهم.
فوعده النبي ﷺ إنه يروح بنفسه يشوف المكان والصخرة.
ولما وصل هناك، دعا بمعول، وطلب من الصحابة يبعدوا شوية عن مكان الضرب.
سمّى الله، ورفع المعول بإيديه الشريفتين بكل قوة وعزم، وضرب الصخرة.
أول ما ضربها، الصخرة اتشقّت وطلع منها نور شديد جدًا.
سلمان بيقول إنه شاف وميض النور ده وهو واقف بين أطراف المدينة.
فوقف النبي ﷺ وقال: "الله أكبر... أُعطيت مفاتيح فارس."
وأضاف: "والله إني شايف قصورها الحمرا ومدائن كسرى كأنها ظاهرة قدامي."
وبعدين رفع المعول مرة تانية، وضرب ضربة تانية.
وتكرر نفس المشهد، وطلع نور قوي من الصخرة المتشققة.
فقال النبي ﷺ: "الله أكبر... أُعطيت مفاتيح الروم."
وقال: "والله إني شايف قصورها الحمرا كأنها ظاهرة قدامي."
وبعدها ضرب الضربة التالتة.
فاتفتتت الصخرة تمامًا واستسلمت، وطلع منها نور أشد من اللي قبله.
فسأل الرسول ﷺ الصحابة والمسلمين اللي حواليه:
"شايفين اللي أنا شايفه؟"
وقال لهم إنه شايف قصور صنعاء وسوريا ومدن كتير من بلاد الأرض اللي ربنا هيكتب للمسلمين فتحها بإذن الله.
ففرح المسلمون جدًا، وزاد يقينهم وإيمانهم، وقالوا:
"ده وعد ربنا ورسوله... وصدق الله ورسوله."
وكان سلمان صاحب الفكرة المشهورة بتاعة حفر الخندق.
وكان كمان صاحب الصخرة اللي خرجت منها بعض أسرار الغيب والمستقبل لما استعان النبي ﷺ بالله عندها.
وسلمان كان واقف جنب النبي ﷺ، شايف النور بعينيه، وسامع كلامه بنفسه.
وعاش لحد ما شاف بعينيه الحقيقة وهي بتحصل قدامه.
شاف مدن فارس والروم.
وشاف قصور صنعاء وسوريا ومصر والعراق.
شاف جوانب الأرض كلها بتتهز لنداء النبي المبارك اللي خرج من أعلى الأماكن، وانتشر في كل مكان بنور الهداية والخير.
ها هو الآن قاعد وقتها تحت ضل الشجرة الوارفة اللي قدام داره في المدائن، بيتكلم عن مغامراته في رحلة البحث عن الحقيقة، وبيحكي للناس إزاي خرج من دين الفرس لحد ما وصل للإسلام.
إزاي ساب أبوه الغني.
ورمى نفسه في أحضان الغربة والترحال، يدور على خلاص روحه وعقله.
إزاي اتباع في سوق الرقيق وهو ماشي في طريقه يدور على الحقيقة.
وإزاي قابل النبي ﷺ...؟!؟
عليه السلام، وإزاي آمن بيه؟
تعالوا نقرب أكتر من مجلسه الجميل، ونسمع الراجل العجيب ده وهو بيحكي قصته بنفسه:
"أنا كنت راجل من أهل أصفهان، من قرية اسمها (جي).
وكان أبويا من كبار أهل البلد وأعزهم مكانة.
وكنت أنا أكتر واحد بيحبه في الدنيا.
وأبويا كان شديد التعلق بيا لدرجة إنه كان بيحبسني في البيت تقريبًا خوفًا عليّا.
واجتهدت جدًا في عبادة المجوسية، لحد ما بقيت مسؤول عن النار اللي كانوا بيعبدوها، وكنت محافظ عليها لدرجة إنها ما تطفاش أبدًا.
وفي يوم، أبويا كان عنده شغل في ضيعته، فقال لي:
يا بني، أنا مشغول النهارده، روح مكاني واقضِ لي بعض الأمور.
فخرجت.
وفي الطريق، عدّيت على كنيسة للنصارى.
وسمعتهم وهم بيصلوا.
فدخلت أتفرج عليهم وأشوف بيعملوا إيه.
ولما شفت صلاتهم وطريقتهم في العبادة، عجبتني جدًا.
وقلت لنفسي:
والله، الدين ده أحسن من الدين اللي إحنا عليه.
وفضلت قاعد معاهم لحد ما الشمس غربت.
وما رجعتش لضيعتي زي ما أبويا طلب مني.
ولا حتى رجعت البيت.
وبعت لوالدي حد يقوله:
ما تستناش رجوعي، لأني قاعد هنا.
وبعدين سألت النصارى:
أصل الدين ده جاي منين؟
فقالوا لي:
من الشام.
فلما رجعت لأبويا، وبدأ يسألني عن سبب تأخري، حكيت له كل اللي حصل.
وقلت له:
يا أبتِ، مريت على ناس بيصلوا في كنيسة ليهم، وشفت عبادتهم، وعجبتني صلاتهم، وحسيت إن دينهم أحسن من ديننا.
فغضب مني جدًا.
وقيّدني في رجلي بسلسلة، وحبسني في البيت.
لكن أنا بعت للنصارى رسالة وقلت لهم:
لو جه عندكم ناس رايحين الشام، بلغوني.
وبعد فترة فعلًا جه عندهم ناس مسافرين للشام.
فبعتوا لي خبر.
فقمت فكيت الحديد اللي كنت متقيد بيه، وهربت من البيت.
وسافرت معاهم للشام.
ولما وصلت هناك، سألت:
مين أعلم واحد في الدين ده؟
فقالوا لي:
الأسقف، صاحب الكنيسة.
فرحت له، وحكيت له حكايتي كلها.
وقلت له إني عايز أبقى معاه وأتعلم منه وأخدمه وأصلي معاه.
فوافق.
وعشت معاه فترة.
لكن الراجل ده ماكانش صالح.
كان إذا الناس جابوا الصدقات عشان يوزعها على المحتاجين، كان يجمعها لنفسه ويخبيها، وما يديش منها للفقراء حاجة.
لحد ما جمع كنوزًا كبيرة من الذهب والفضة.
وبعدين مات.
فلما الناس اجتمعت عشان تدفنه، قلت لهم:
الراجل ده ماكانش كويس.
كان بياخد الصدقات لنفسه وماكانش بيدي الفقراء حاجة.
فالناس قالوا لي:
وإنت عرفت منين؟
قلت لهم:
أنا أدلكم على المكان اللي مخبي فيه كنوزه.
فوريتهم المكان.
فلما طلعوا منه سبع قلال مليانة دهب وفضة، غضبوا عليه جدًا.
وما دفنهوش.
وصلبوه.
وبعدين جابوا واحد تاني مكانه.
والله ما شفتش راجل أزهد في الدنيا منه.
ولا أرغب منه في الآخرة.
ولا أكثر اجتهادًا في العبادة بالليل والنهار.
فأحببته حبًا شديدًا جدًا، ما حبيتش حد قبله زيه.
وفضلت معاه فترة طويلة.
ولما حضرته الوفاة، قلت له:
يا فلان، أنت شايف أمري وحالي، وقد نزل بي اللي نزل.
فإلى مين توصيني؟
ومع مين أروح بعدك؟
فقال لي:
يا بني، والله ما أعرفش حد النهارده على الطريق الصحيح غير راجل في الموصل.
فلما أموت، روح له.
فلما مات، سافرت للموصل.
وروحت لصاحب الموصل.
وحكيت له حكايتي كلها، وأخبرته بخبر الراهب اللي قبله.
فقال لي:
أقم عندي.
فقعدت معاه.
ولقيته راجل صالح وعلى خير.
وعشت معاه لحد ما حضرته الوفاة.
فلما كان بيموت، سألته نفس السؤال:
توصيني بمين بعدك؟
فقال لي:
والله ما أعرفش حد على الحق إلا رجل في نصيبين.
اذهب إليه.
فسافرت إلى نصيبين.
وروحت للرجل اللي وصفه لي.
وحكيت له قصتي كلها.
فاستقبلني وأقمت عنده.
ولما حضرته الوفاة هو كمان، سألته:
إلى مين أروح بعدك؟
فقال لي:
ما أعرفش حد باقي على الحق إلا رجل في عمورية من بلاد الروم.
فاذهب إليه.
فسافرت إلى عمورية، والتحقت به..."
"... واشتغلت هناك، وبقيت أكسب من شغلي بقرات وغنيمات.
ولما حضرته الوفاة، قلت له:
يا فلان، إنت شايف اللي أنا فيه، فلو سمحت وصّيني أروح لمين بعدك؟
فقال لي:
يا ابني، والله ما أعرفش حد النهارده على نفس الطريق اللي إحنا عليه.
لكن زمان نبي هيُبعث بدين إبراهيم الحنيف.
وقرب جدًا وقت ظهوره.
وهيهاجر لأرض فيها نخل، موجودة بين حرتين.
ولو قدرت توصل له فاعمل كده.
واعرف كمان إن فيه علامات واضحة ما بتتخفاش:
هو ما بياكلش الصدقة.
وبيقبل الهدية.
وبين كتفيه خاتم النبوة.
ولو شفت العلامات دي فيه هتعرفه.
وبعد فترة مرّ بيا مجموعة ركاب.
فسألتهم منين؟
فعرفت إنهم من جزيرة العرب.
فقلت لهم:
أديكم البقرات والغنم اللي عندي، وتاخدوني معاكم لبلادكم؟
قالوا:
نعم.
فأعطيتهم كل اللي أملكه.
وأخدوني معاهم.
لحد ما وصلنا لوادي القرى.
وهناك غدروا بيا.
وباعوني عبد لرجل يهودي.
وبصراحة، أول ما شفت النخل هناك، طمعت إنها تكون هي البلد اللي اتوصفِت لي.
واللي المفروض النبي يهاجر إليها.
لكنها ما كانتش هي.
وفضلت شغال عند اليهودي ده.
لحد ما جه يوم راجل من يهود بني قريظة اشتراه مني.
وأخدني عنده.
فلما دخلت أرض بني قريظة وشفتها، عرفت فورًا إنها البلد اللي اتوصفِت لي.
وقلت لنفسي:
والله دي هي.
فأقمت هناك.
وبقيت أشتغل عند سيدي الجديد.
مستني ظهور رسول الله ﷺ.
لحد ما ربنا بعثه فعلًا.
وهاجر للمدينة.
ونزل عند بني عمرو بن عوف.
وفي يوم كنت فوق نخلة شغال فيها.
وسيدي كان قاعد تحتها.
فجاء واحد من اليهود، قريب له، وقال له:
قاتل الله بني قيلة!
والله إنهم مجتمعين دلوقتي حوالين راجل جاي من مكة.
وبيزعموا إنه نبي.
أول ما سمعت الكلام ده، حسيت برعشة شديدة.
لدرجة إني كدت أقع من فوق النخلة على سيدي.
ونزلت بسرعة وأنا بقول:
إنت بتقول إيه؟
إيه الخبر؟
إيه اللي حصل؟
فقام سيدي رفع إيده ولكمني لكمة جامدة جدًا.
وقال لي:
مالك إنت ومال الكلام ده؟
ارجع لشغلك.
فقلت له:
حاضر.
ورجعت أكمل شغلي.
ولما جه الليل، جمعت كل حاجة كانت عندي.
وخرجت لحد ما وصلت للنبي ﷺ.
وكان معاه مجموعة من أصحابه.
فدخلت عليهم.
وقلت له:
بلغني إنكم ناس غرباء.
ومحتاجين.
وكان عندي شوية أكل ناوي أطلعهم صدقة.
ولما سمعت عنكم حسيت إنكم أولى الناس بيها.
وبعدين حطيت الأكل قدامهم.
فقال النبي ﷺ لأصحابه:
كلوا باسم الله.
أما هو ﷺ فلم يمد يده للأكل.
فقلت في نفسي:
دي أول علامة.
والله، إنه لا يأكل الصدقة.
ثم رجعت.
وفي اليوم اللي بعده، حملت طعامًا آخر.
ورحت للنبي ﷺ.
وقلت له:
يا رسول الله، شفت إنك ما بتاكلش الصدقة.
وكان عندي شيء أحب أكرمك به هدية..."
وراح حطّها بين إيديه، فقال للصحابة: "كُلوا باسم الله"... وأكل معاهم.
ساعتها قلت لنفسي: "والله دي التانية... إنه بيأكل الهدية!"
بعد كده رجعت، وفضلت أفكّر في اللي حصل. وبعد فترة، توفّى ابن النبي ﷺ، فروحت البقيع، فلقيته واقف في جنازة ابنه، وحواليه الصحابة. كان لابس شملتين؛ واحدة متزر بيها والتانية مرتديها.
سلّمت عليه، وبعدها لفّيت من وراه علشان أبص على ضهره. هو عرف إني عايز أشوف حاجة، فزاح الرداء عن كتفه شوية، فبانت العلامة اللي بين كتفيه... خاتم النبوة بالوصف اللي كان الراهب صاحبي قالّي عليه بالضبط.
أول ما شفته، وقعت أبكي، وروحت أبوسه.
فقال لي النبي ﷺ: "اقعد قدّامي."
قعدت بين إيديه، وبدأت أحكيله حكايتي كلها، زي ما حكيتها لكم دلوقتي. وهو كان بيسمع باهتمام شديد، والصحابة قاعدين حواليه.
بعد كده أسلمت.
لكن كان فيه عائق كبير بيني وبين إني أحضر غزوة بدر وغزوة أُحد، وهو إني كنت لسه عبد مملوك.
وفي يوم، النبي ﷺ قال لي:
"كاتب سيّدك على حريتك."
يعني اعمل معاه عقد مكاتبة تدفع له مبلغ أو شروط معينة مقابل إنه يعتقك.
فنفّذت كلام النبي، وكتبت العقد مع سيدي.
وبفضل الله، وبعد مساعدة النبي ﷺ والصحابة، اتحررت، وبقيت راجل حر مسلم.
ومن يومها، شهدت مع رسول الله ﷺ غزوة الخندق وكل المشاهد اللي بعدها.
وبالكلمات دي بينهي سلمان الفارسي حكايته العظيمة.
دي مش مجرد قصة انتقال من دين لدين، ولا مجرد رحلة سفر طويلة.
دي قصة إنسان كان بيدوّر على الحقيقة بكل إخلاص.
إنسان ساب الغنى والراحة وبيت أبوه، واتحمّل التعب والغربة والذل والعبودية، واتنقل من بلد لبلد، ومن أرض لأرض، وكل ده علشان يوصل للحق.
كان بيسأل، ويفتش، ويدقّق، وماكانش بيرضى يمشي ورا الناس لمجرد إنهم متعودين على حاجة معينة.
فضل متمسّك بهدفه النبيل، وقدّم تضحيات كبيرة جدًا علشان يوصل للحقيقة.
لدرجة إنه اتباع كعبد، واتغدر بيه، واتحرم من حريته، لكنه ما استسلمش.
وفي الآخر، ربنا سبحانه وتعالى كافأه على صدقه وإخلاصه.
جمعه بالنبي ﷺ، وهداه للإسلام، وخلاه يعيش عمره كله شاهد على انتشار دين الله في الأرض.
وشاف بعينه رايات الإسلام وهي بترتفع في كل مكان، وعباد الله بيدخلوا في الدين أفواجًا، وبيحملوا رسالته للناس.
إيه اللي ممكن تتوقعه من إسلام راجل بالإصرار ده كله؟
طبعًا كان إسلام سلمان الفارسي إسلامًا عظيمًا ومؤثرًا.
بقى واحد من خيرة الصحابة، ومن أهل الفضل والزهد والتقوى.
وكان الناس يشبهوه في ورعه وحكمته بـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وكمان أقام فترة طويلة مع أبي الدرداء رضي الله عنهما في بيت واحد، وكانت بينهم مواقف مشهورة تدل على الفقه والحكمة وحسن العبادة.
ملاحظة:
الحديث اللي اتنقل في القصة دي رواه سلمان الفارسي بنفسه، وورد أيضًا بمعناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى.
وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه مواظب جدًا على العبادة، وخصوصًا الصيام، لدرجة إنه كان بياخد نفسه بالشدة أحيانًا في العبادة.
وفي يوم من الأيام، حاول سلمان يزود اجتهاده أكتر وينوي يفضل صايم باستمرار تقريبًا، لكن كان فيه واحد من الصحابة اسمه أبو الدرداء رضي الله عنه، فقال له مستغرب:
"نفسي أصوم زيك وأوصل للي أنت واصل له!"
فسلمان رد عليه بكلام كله حكمة وقال:
"إن لعينك عليك حق، وإن لأهلك عليك حق."
يعني عينك وجسمك ليهم حق عليك، وزوجتك وأهلك ليهم حق عليك، فلازم تدي كل ذي حق حقه.
وقال له: "صُم وأفطر، وصلِّ ونَم."
يعني اعمل العبادة باعتدال ومن غير مشقة زيادة عن الحد.
ولما وصل الكلام ده للنبي ﷺ، قال مؤيدًا سلمان:
"لقد أُشبع سلمان علمًا."
يعني سلمان كان عنده فهم عميق للدين وحكمة كبيرة.
وكان رسول الله ﷺ يحب سلمان الفارسي حبًا شديدًا، ويقدره ويعرف فضله وعلمه، وكان قريبًا منه زي ما كان سلمان قريبًا من قلب النبي ﷺ.
وفي يوم الخندق، لما المسلمين كانوا بيحفروا الخندق دفاعًا عن المدينة، وقف الأنصار يقولوا:
"سلمان منّا."
ووقف المهاجرون يقولوا:
"بل سلمان منّا."
كل فريق كان نفسه ينتسب ليه من شدة حبهم وتقديرهم له.
فساعتها حسم النبي ﷺ الأمر وقال:
"سلمان منّا أهل البيت."
وكان ده شرف عظيم جدًا، يمكن ما نالوش غير قليل جدًا من الناس.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يلقب سلمان بـ"لقمان الحكيم"، وبعد وفاة سلمان سُئل علي عنه فقال:
"ذاك امرؤٌ منّا أهل البيت."
ثم قال كلامًا عظيمًا في وصفه:
"من لكم بمثل لقمان الحكيم؟ أوتي العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحرًا لا يُنزف."
يعني كان واسع العلم جدًا، مهما أخذ الناس من علمه لا ينتهي.
وكان أصحاب النبي ﷺ كلهم يعرفوا مكانة سلمان العالية ومنزلته الرفيعة بين المسلمين.
وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حصل موقف يوضح مكانته أكتر.
رجع سلمان إلى المدينة بعد رحلة أو مهمة كان خارجها، وما حدش تقريبًا عرف إنه جاي.
لكن عمر رضي الله عنه أول ما عرف، جمع الناس وقال لهم:
"هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان."
فخرج بنفسه ومعاه الناس لاستقباله عند مشارف المدينة، ترحيبًا به وإكرامًا له.
وعاش سلمان مع النبي ﷺ من أول ما آمن به، وعاش مسلمًا مخلصًا مجاهدًا وعابدًا.
وعاش بعد وفاة النبي ﷺ في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم أدرك خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، حتى لقي ربَّه أثناء خلافة عثمان.
وخلال السنين دي كلها، كانت الدولة الإسلامية بتكبر، وفتوحات المسلمين بتزيد، والغنائم والأموال والكنوز كانت بتيجي للمدينة من أماكن كثيرة.
وكانت الأموال بتتوزع على الناس بصورة منظمة، ولكل واحد عطاء وراتب من بيت مال المسلمين.
واتعرضت على سلمان مناصب ومسؤوليات كبيرة، وكان ممكن يعيش في راحة ورخاء زي كبار الناس في عصره.
لكن السؤال:
فين كان سلمان وسط كل النعيم ده؟ وفين كان وسط الثراء والكنوز اللي دخلت على المسلمين؟
تعالوا نبص عليه.
هنلاقي الشيخ الوقور الجليل ده قاعد في ظل شجرة، أو في مكان بسيط جدًا، لا يفرق معاه مظهر ولا جاه.
ولو بصيت على بيته، هتلاقيه شبه كوخ صغير جدًا.
بيت متواضع للغاية.
ولو دخلته، هتلاقي فيه أقل القليل من متاع الدنيا.
ورغم إنه كان صاحب مكانة عظيمة بين المسلمين، وكان اسمه معروفًا بين مئات الآلاف، بل بين ملايين المسلمين في البلاد المفتوحة، إلا إنه كان زاهدًا زهدًا حقيقيًا.
وكان العطاء اللي بياخده من بيت المال لا يحتفظ بمعظمه لنفسه، بل كان يوزعه على الفقراء والمحتاجين، ويكتفي لنفسه بالقليل جدًا الذي يسد حاجته.
وهكذا ظل سلمان الفارسي رضي الله عنه: عالمًا، وحكيمًا، وزاهدًا، ومتواضعًا، لا تغيره المناصب، ولا تغريه الأموال، ولا تفتنه الدنيا بعد أن عرف طريق الآخرة.
كان جسمه قوي، وكان يرفض إنه ياخد أكتر من درهم واحد. وكان يقول: "لو اشتريت حاجة بدرهم، أعملها تمنها تلاتة دراهم. أرجّع درهم منها، وأصرف درهم على عيالي، وأتصدق بالدرهم التالت." ولو إن عمر بن الخطاب نفسه نهاه عن كده، ما كانش بيغير طريقته!
وبعدين نقول إيه يا أتباع سيدنا محمد ﷺ؟ إيه اللي حصل لشرف الإنسانية وعزتها في كل العصور والأوطان؟
كان فيه ناس بتفتكر إن السبب في تقشف بعض الصحابة وزهدهم، زي سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر وأبو ذر رضي الله عنهم، إن ده راجع لطبيعة الحياة في الجزيرة العربية، وإن العربي بطبعه ميّال للبساطة.
لكن الحقيقة إن الكلام ده مش دقيق.
إحنا قدام راجل جاي من فارس... من بلاد البذخ والترف والمدنية. وما كانش واحد من فقراء الناس ولا من ضعفاهم.
ومع كده، وصل بيه الحال إنه يرفض المال والثروة والنعيم، ويصر إنه كل يوم يكتفي بدرهم واحد بس من شغل إيده وتعبه.
وكان يرفض الإمارة ويهرب منها. وكان يقول: "لو قدرت آكل التراب، وما أبقاش أمير على اتنين من الناس، يبقى ده أفضل."
وكان كمان بيهرب من المناصب والولايات. وما كانش يقبل الإمارة إلا لو كانت مهمة عسكرية رايحة للجهاد، أو لو الظروف وصلت لدرجة إن مفيش غيره ينفع للمكان ده. ساعتها كان بيتحملها وهو كارهها، وبيمشي إليها وهو باكي وحزين.
وبعدين بص للعظمة دي كلها... الرجل ده لما فُرض عليه إنه يبقى أمير، كان بياخد عطاؤه الحلال إزاي؟
يروي هشام بن حسان عن الحسن: إن عطاء سلمان الفارسي كان خمسة آلاف. وفي رواية تانية كان تلاتين ألفًا.
ومع كل الفلوس دي... كان بينسج الخوص بإيده ويعمل منه قِفاف وسلال، ويبيعها.
كان ينفق نص عطائه، ويفرش بالنص التاني. ولو عطاؤه خلص، كان بيعيش ويأكل من شغل إيده اللي بيعمله بنفسه.
إيه اللي يخلي إنسان يعمل كل ده؟ يصنع كل هذا المجد، ويعيش كل هذا الزهد؟
إنه سلمان الفارسي... ابن النعمة، وابن الحضارة.
وتعالوا نسمع الجواب منه هو بنفسه، وهو على فراش موته، وروحه العظيمة بتستعد للقاء ربها العلي الرحيم.
دخل عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يعوده وهو مريض.
فبكى سلمان.
فسأله سعد: "إيه اللي مخليك تبكي يا أبا عبد الله؟ رسول الله ﷺ توفي وهو راضٍ عنك."
فرد سلمان وقال: "والله ما ببكي حزنًا على الموت، ولا حرصًا على الدنيا.
لكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهدًا، وقال: «ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب».
وإحنا حوالينا دلوقتي كل الأثاث ده!"
مع إن المقصود بالأثاث هنا مش القصور ولا الكنوز، لكن كان يقصد الحاجات البسيطة الكتير اللي شايف إنها أكتر من القدر اللي وصّى بيه النبي ﷺ.
قال سعد: بصيت حواليه، فلقيت مفيش جنبه غير جفنة صغيرة بيأكل فيها، ومطهرة بيتوضى منها.
فقلت له: "يا أبا عبد الله، أوصيني بحاجة أفتكرها وآخدها مني عهد."
فقال لي: "يا سعد، افتكر ربنا وقت ما تهمّ بحاجة، وافتكره وقت ما تحكم بين الناس، وافتكره وقت ما تقسم."
وده إذن راجل كان قلبه مليان غِنى حقيقي... غِنى خلاه مستغني عن الدنيا كلها بفلوسها ومناصبها وجاهها.
وده كان العهد اللي النبي ﷺ وصّى بيه هو وكل أصحابه: "إوعوا الدنيا تشغلكم وتفتنكم، ومايبقاش نصيب الواحد منكم منها أكتر من زاد المسافر."
وسلمان حفظ الوصية دي كويس جدًا. ومع كده، دموعه نزلت وهو بيشوف روحه بتستعد للرحيل، وخايف يكون عدّى الحد اللي اتوصّى بيه.
مع إن كل اللي حواليه ماكانش غير جفنة ياكل فيها، ومطهرة يشرب ويتوضى منها...
ومع ذلك كان شايف نفسه مقصر!
أقول لكم بقى إنه أشبه الناس بعمر بن الخطاب؟
حتى في الأيام اللي كان فيها أمير على المدائن، حاله ما اتغيرش أبدًا.
رفض ياخد من مكافأة الإمارة غير درهم واحد بس...
وفضل يشتغل بإيده في صناعة القفاف والسلال من الخوص.
وكان لبسه عبارة عن ثوب قديم مرقع في أكتر من حتة.
وفي يوم، وهو ماشي في الطريق، قابل راجل جاي من الشام شايل حمل تقيل من التين والتمر.
الحمل كان باين عليه إنه مرهق الراجل جدًا.
فالراجل أول ما شاف سلمان، افتكره واحد من عامة الناس، وماعرفش إنه أمير المدائن.
فقال له: "تعالى ساعدني وشيل الحمل ده."
وسلمان من غير ما يتردد، راح شايل الحمل عنه.
وبعد ما مشيوا شوية، قابلوا مجموعة من الناس.
فالناس أول ما شافوا سلمان، سلموا عليه باحترام كبير، وقالوا: "السلام عليك أيها الأمير."
الراجل الشامي اتصدم!
وقال مستغرب: "إيه؟! أمير؟! أي أمير؟!"
وزادت دهشته أكتر لما شاف الناس كلها بتجري ناحية سلمان وهي بتقول: "عنك يا أيها الأمير... عنك يا أيها الأمير!"
ساعتها عرف إن الراجل اللي شايل حمله ده هو سلمان الفارسي، أمير المدائن.
فوقع الحمل من إيده من شدة الإحراج والخوف، وفضل يعتذر له، وحاول ياخد الحمل منه.
لكن سلمان هز راسه وهو رافض، وقال له:
"لا... مش هسيب الحمل إلا لما أوصلك لبيتك."
يا ترى... إيه اللي يخلي الإمارة صغيرة أوي في عين إنسان بالشكل ده؟
وإيه السر اللي يخلي طعم الزهد عنده أحلى، ومرارة المناصب أهون؟
ده السؤال اللي هتجاوب عليه حياة سلمان الفارسي كلها... وتاريخه العظيم.
وكان صاحبه يدخل عليه يوميًا في بيته، ولو اتأخر يوم أو يومين يسأل عنه:
"فين الخادم؟"
فيردوا عليه:
"والله يا سيدي، إحنا مشغولين في موضوع معين، وبنفكر نجمع عليه عاملين."
ولما يقولوا له: "بيته"، ما كانش بيفتكر خالص البيت ده كان شكله إيه.
وفي مرة سألوا: "هو البيت ده اللي جنب بيت سلمان؟"
فسأل البنّاء:
"طب صفهولي كده... شكله إيه؟"
وكان البنّاء راجل ذكي، وعارف زهد سلمان وورعه، فقال له:
"ده بيت معمول من الحرير، وجوه منه بارد ومريح. لو وقعت فيه على راسك ما تتأذاش، ولو اتكعبلت جواه ووقعت على رجليك برضه ما يحصلكش حاجة!"
فساعتها سلمان قال:
"أيوه... أيوه، هو ده بالظبط!"
وما كانش فيه حاجة من متع الدنيا تلفت نظر سلمان ولو للحظة، أو تشغله عن نفسه وآخرته، إلا إنه كان شديد الحرص على أمر واحد بس.
وكان مأمّن عليه عند مراته، وطلب منها تخبيه في مكان بعيد وآمن.
ولما مرض مرض الموت، وفي صباح اليوم اللي اتقبضت فيه روحه، ناداها وقال لها:
"هاتيلي الحاجات اللي استأمنتك عليها."
فجابتهم له.
وإذا بيها صُرّة مسك، كان محتفظ بيها من يوم ما اتفتح "جلولاء"، علشان تكون طيبه وعطره يوم وفاته.
بعدها طلب يجيبوا له مية، ففتح الصُرّة ونثر المسك فيها، وبعدين غسل إيده بالمية دي.
وقال لمراته:
"رُشّي المية دي حواليّا... لأن دلوقتي حضرني خلق من خلق الله، ما بيأكلوش الطعام، وإنما بيشمّوا الطيب."
فلما عملت اللي أمرها بيه، قال لها:
"اقفلي الباب عليّ، وسيبيني لوحدي."
وبعد شوية طلعت عليه، فكانت روحه المباركة فارقت جسده، وودّع الدنيا.
ولحق بالملأ الأعلى، وصعدت روحه المشتاقة للقاء ربها.
وكان على موعد هناك مع رسول الله ﷺ، ومع صاحبيه أبي بكر وعمر، ومع كوكبة من الشهداء والأبرار.
وعلشان كده رجع الشوق الغالي لسلمان.
وآن له اليوم إنه يرتوي من شوقه الطويل، وينال ما كان بيتمناه.