الكتابة
في أواخر سنة ١٩٧١، كانت المنطقة كلها على صفيح ساخن…
إسرائيل خارجة من نصر ٦٧ بثقة مرعبة، ومصر بتحاول تعيد بناء نفسها من جديد.
وفي وسط سباق التسلح ده، ظهر مشروع إسرائيلي خطير جدًا… طائرة مقاتلة اسمها “الكافير”.
طائرة بسرعة الصوت…
مناورتها مرعبة…
ولو دخلت الخدمة بالكامل، كانت هتدي إسرائيل تفوق جوي شبه مستحيل يتكسر.
لكن كان فيها مشكلة قاتلة…
اهتزازات عنيفة بتحصل لجسم الطائرة أثناء الطيران بسرعات عالية، وكل خبراء إسرائيل فشلوا يحلوها.
وفي نفس الوقت تقريبًا، فرنسا كانت بتواجه نفس الأزمة مع طائرة الكونكورد الشهيرة.
ولأن في مصر مهندس عبقري متخصص في المشكلة دي، الحكومة الفرنسية طلبت الاستعانة بالعقيد المهندس “أكرم”.
وهنا بدأت المخابرات المصرية أخطر لعبة عقل ممكنة.
لأنهم فهموا حاجة مهمة جدًا…
لو أكرم نجح يصلّح الكونكورد، إسرائيل هتعرف فورًا إن الراجل ده يقدر ينقذ الكافير كمان… وساعتها الموساد هيجري وراه بنفسه.
ومن هنا خرجت الخطة المستحيلة:
إسرائيل بنفسها لازم تفتح الباب لأكرم…
وأكرم يدخل الكافير بإرادتهم هم.
العقيد أكرم نفسه ماكنش يعرف أي حاجة عن الخطة دي.
كل اللي عرفه إنه مسافر فرنسا في مهمة علمية سرية.
حتى وهو في الطيارة، كان غرقان وسط كتب هندسة الطيران، ومش شايف أي حاجة حواليه.
وفي مطار روما… حصلت الحركة اللي غيرت كل شيء.
راجل أجنبي خبط فيه وبدّل كارت الـ Boarding بتاعه من غير ما ياخد باله…
وأكرم جري على بوابة الطيارة بسرعة، ليفاجأ بعد ساعات إنه نازل في… تل أبيب.
وقف قدام ضابط الجوازات الإسرائيلي وهو مذهول.
الضابط سأله: ـ مهنتك؟
رد أكرم بمنتهى البساطة: ـ ضابط بالقوات المسلحة المصرية.
في لحظة… المطار كله اتقلب.
إنذارات اشتغلت…
الأمن اتحرك…
والموساد حضر فورًا.
الإسرائيليين افتكروا إن قدامهم جاسوس مصري داخل إسرائيل في مهمة سرية.
وهنا ظهرت “مارجو”…
ضابطة موساد شديدة الذكاء والجمال، هادية بشكل يخوف، ونظراتها كأنها بتقرأ اللي جواك.
بدأت تحقق مع أكرم لساعات طويلة…
لكن كل ما تبحث وراه أكتر، تكتشف إنه فعلًا عالم عبقري ومتخصص في المشكلة اللي مهددة الكافير.
الموساد شاف إنها فرصة لا تعوض.
لازم يجندوا الراجل ده.
في البداية حاولوا يكسبوه بالكلام الناعم…
بعدها بالإغراء…
وبعدين بالتهديد.
ولما رفض، هددوه بمراته وأولاده.
ساعتها وافق… أو بالأصح أوهمهم بالموافقة.
لكن اللي أكرم ماكنش يعرفه… إن كل اللي بيحصل ده مرتب من المخابرات المصرية نفسها.
في باريس بدأت أخطر مرحلة.
الموساد حجز لأكرم جناح كامل في فندق فاخر، لكنه كان في الحقيقة سجن ذهبي.
أوضته مليانة كاميرات خفية.
أجهزة تنصت في كل مكان.
وغرفة مراقبة بتنقل كل نفس بيتنفسه.
ومارجو كانت قاعدة بالساعات تراقبه من الشاشات…
وحدة من أخطر ضباط الموساد… بدأت تتحول بالتدريج لست واقعة في الحب.
كانت تنزل تتمشى معاه في شوارع باريس…
تقعد معاه بالساعات في الكافيهات…
تتكلم معاه عن حياته وذكرياته وأولاده.
وكانت كل يوم تتعلق بيه أكتر.
لكن أكرم كان حذر جدًا.
حاسس إنه ماشي وسط حقل ألغام.
مارجو حاولت توقعه بكل الطرق…
مرة بالإغراء…
ومرة بالعطف…
ومرة بالخوف.
لكن أكتر حاجة كسرتها… إنه ماكنش بيخاف منها قد ما كان بيخاف ربنا.
وده شدّها ليه بشكل جنوني.
لدرجة إنها بدأت تكره الموساد نفسه عشانه.
وفي ليلة متأخرة داخل الفندق، انهارت قدامه لأول مرة.
وقالتله الحقيقة كلها…
إن الموساد مش مهتم بأسرار الجيش المصري زي ما فهموه…
هم عايزينه عشان يصلح “الكافير”.
واعترفتله إنها مستعدة تهرب معاه لمصر… وتسرق الملفات اللي تدينه… مقابل إنه ياخدها معاه.
أكرم اتصدم.
لأول مرة يفهم حجم الشبكة اللي محاوطاه.
لكن رغم ده… رفض.
رفض يهرب.
ورفض يثق فيها بالكامل.
في اللحظة دي، اتحولت مارجو من عاشقة لإنسانة خطيرة جدًا.
هددته إنها ممكن تدمره في أي وقت.
وأشارت لغرفة داخل الفندق فيها تسجيلات وصور وكل الأدلة ضده.
أكرم بدأ ينهار نفسيًا فعلًا.
كل ليلة يسأل نفسه: فين المخابرات المصرية؟
هل أنا متساب لوحدي؟
ولا في حد بيراقبني فعلًا؟
لحد ما جاله جواب صغير عليه علامة النسر المصري:
“قابلني في الغرفة ٦٠٦ بعد انقطاع الكهرباء.”
وفعلًا… الكهربا قطعت.
أكرم خرج من أوضته بهدوء، بينما مارجو كانت تراقبه من الشاشات.
وفجأة حصل ارتباك غريب…
الكهربا فصلت تاني…
ولما رجعت، كان أكرم رجع أوضته كأن شيئًا لم يحدث.
في اللحظة دي فهم…
المخابرات المصرية حواليه طول الوقت.
وإنه مش لوحده.
بعدها وصلته رسالة جديدة تطلب منه يبلغ الموساد عن تصرفات مارجو نفسها… عشان يكسب ثقتهم أكتر.
وفعلًا عمل كده.
لكن المفاجأة إن الموساد كان بدأ يشك في مارجو أصلًا، بعد ما لاحظوا تعلقها المرضي بأكرم.
فحطوا كاميرات في أوضتها هي كمان.
وشافوا كل حاجة…
اعترافاتها…
كلامها عن الهروب…
وحبها لضابط مصري.
وفجأة… ضابطة الموساد القوية بقت متهمة داخل جهازها نفسه.
أما أكرم… فكان قرب جدًا من هدفه الحقيقي.
الكافير.
أخيرًا أخده الموساد للطائرة السرية…
المشروع اللي إسرائيل بتحلم بيه.
المهندسين الإسرائيليين كانوا واقفين حواليه مستنيين المعجزة.
وأكرم بدأ يشتغل…
يفحص…
يحسب…
يجرب…
لحد ما أعلن إنه قدر يحل المشكلة.
الإسرائيليين كانوا في قمة فرحتهم.
لكن اللي ماحدش فهمه… إن أكرم كان بينفذ الضربة الأخيرة.
هو أصلح الاهتزاز فعلًا…
لكن بطريقة خلت “سرعة السقوط” بتاعة الكافير عالية جدًا.
يعني أول ما الطيار يبطّأ السرعة في أي مناورة جوية… الطائرة تقع فورًا.
وده معناه إن الكافير فقدت أهم ميزة في أي مقاتلة: المناورة.
ببساطة…
حوّل حلم إسرائيل الجوي… لكابوس.
ومع الوقت، الطائرة اتسحبت بهدوء من الخدمة… من غير ما إسرائيل تدرك إن الراجل اللي دخلته بنفسها لإنقاذ مشروعها… كان السبب الحقيقي في نهايته.
أما مارجو…
فاختفت قصتها وسط ملفات الموساد السرية.
ضابطة موساد وقعت في حب رجل كان المفروض تدمره…
لكنها بدون ما تشعر، ساعدت في سقوط أخطر مشروع جوي إسرائيلي وقتها.
ودي كانت واحدة من أخطر وأذكى عمليات الخداع في تاريخ المخابرات المصرية… عملية أثبتت إن أخطر الحروب… مش دايمًا بتبدأ برصاصة.
أحيانًا… بتبدأ بابتسامة.