لما صدّق السيد القائد العام للقوات المسلحة على قرار تقاعد العقيد مهندس سعيد السيد بدير من القوات الجوية، ما كانش القرار ده بالنسبة له نهاية مشوار، قد ما كان بداية طريق جديد كان مستنيه من سنين.
سعيد بدير كان خدم في القوات المسلحة المصرية بكل إخلاص من يوم ما اتخرج من الكلية الفنية العسكرية والتحق بالقوات الجوية مهندسًا، وفضل يؤدي واجبه على أكمل وجه لحد آخر يوم في خدمته. لكن كان عنده حلم أكبر عايز يتفرغ له بالكامل، وهو البحث العلمي.
علشان كده طلب التقاعد بنفسه، مش لأنه تعب من الخدمة، لكن لأنه كان شايف إن عنده رسالة علمية يقدر يخدم بيها بلده برضه، حتى وهو خارج المؤسسة العسكرية.
وبالفعل، كانت أول خطوة في المشوار الجديد ده إنه سافر ألمانيا بعد ما تعاقد مع إحدى الجامعات هناك بعقد مؤقت، علشان يكمل أبحاثه في مجال اتصالات الفضاء والأقمار الصناعية، وهو المجال اللي كان شغوف بيه جدًا وحقق فيه نجاحات لفتت الأنظار.
كان الدكتور سعيد بدير شغال في واحد من أخطر وأدق المجالات العلمية وقتها، وهو مجال الأقمار الصناعية واتصالات الفضاء. لكن اللي ناس كتير ما تعرفوش إن تخصصه ما كانش مجرد شغل على الأقمار الصناعية وخلاص، لا... ده كان داخل في أدق التفاصيل الخاصة بعمليات إطلاقها وتشغيلها.
كان شغله بيركز على التحكم في المدة الزمنية من لحظة إطلاق القمر الصناعي لحد ما يوصل للمدار المطلوب، وكمان حساب الزمن الدقيق اللي بيستغرقه انفصال الصاروخ الحامل عن القمر الصناعي أثناء الرحلة الفضائية، لأن ثواني قليلة زيادة أو ناقصة ممكن تغيّر مصير المهمة كلها.
مش بس كده، ده كمان كان متخصص في أنظمة الاتصال بين القمر الصناعي والأرض، وإزاي المعلومات والبيانات تنتقل من القمر الصناعي لمراكز التحكم الأرضية بدقة وكفاءة عالية، سواء كان القمر ده قمر استطلاع أو قمر استكشاف أو حتى قمر مخصص لمهام حساسة.
ومع السنين، قدر سعيد بدير يوصل لنتائج وأفكار علمية متقدمة جدًا في المجالات دي، لدرجة إن ناس كتير كانت شايفة إنه بقى من الأسماء النادرة في هندسة تكنولوجيا الصواريخ والاتصالات الفضائية.
وبحسب روايات كتير اتكلمت عن حياته بعد وفاته، اتردد إن بعض الأبحاث اللي كان شغال عليها كانت متقدمة بشكل كبير عن زمنها، وإن فيه ناس كانت بتعتقد إن أفكارًا من أبحاثه اتسربت أو اتسرقت واستُفيد منها بعد كده في برامج متطورة خاصة بحروب الفضاء والتكنولوجيا العسكرية. لكن الروايات دي فضلت محل جدل، ومافيش أدلة قاطعة أثبتتها بشكل رسمي.
أما آخر بحث كان شغال عليه قبل وفاته، فبحسب ما تردد، كان بيتناول فكرة بالغة الحساسية، وهي إزاي ممكن يتم التعامل مع قمر صناعي معادٍ أو التأثير على أنظمته الإلكترونية وتوجيهها أو الاستفادة منها بشكل يخدم الطرف المقابل.
وده كان مجال شديد التعقيد والخطورة، لأن أي نجاح فيه كان ممكن يفتح أبواب جديدة تمامًا في عالم الصراعات التكنولوجية وحروب الفضاء.
وعشان كده، فضل اسم سعيد بدير مرتبط لسنين طويلة بالغموض والتساؤلات، خصوصًا إن تخصصه نفسه كان من التخصصات النادرة جدًا، واللي ما كانش شغال فيها وقتها غير عدد محدود من العلماء والخبراء على مستوى العالم.
لكن الحياة ما بتمشيش دايمًا زي ما الإنسان بيخطط.
ففي الوقت اللي كان سعيد بيحقق فيه نجاحات علمية مهمة، وصله خبر وفاة والده الفنان الكبير سيد بدير. كان خبر صعب وقاسي عليه جدًا، خصوصًا إنه كان بعيد عن مصر، وظروف تعاقده ما سمحتلوش إنه يرجع في الوقت المناسب علشان يودّع والده أو حتى يشوفه للمرة الأخيرة.
عدّت الأيام، وبدأ عقده في ألمانيا يقرب من نهايته. وفي الفترة دي كان فيه باحثين أمريكيين بيتابعوا شغله وأبحاثه باهتمام كبير، وأعجبوا بالنتائج اللي وصل لها في مجال الاتصالات بالأقمار الصناعية.
وبعد لقاءات ومناقشات علمية بينهم، اتفقوا على إنه ينتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية فور انتهاء عقده في ألمانيا، علشان يكمل أبحاثه معاهم داخل الجامعة اللي بيشتغلوا فيها.
ساعتها كان سعيد شايف إنه داخل على مرحلة جديدة مليانة فرص وإنجازات علمية أكبر، وما كانش يعرف إن الأيام الجاية هتحمل أحداث هتخلي اسمه يفضل محل جدل وتساؤلات لسنين طويلة بعد كده.
ومن هنا... بدأت رحلة جديدة، لكنها كانت في الحقيقة بداية النهاية.
من وقت ما الباحثين دول ظهروا في حياته، بدأ سعيد يحس إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل حواليه.
في الأول كانت مجرد حاجات بسيطة، زي تغيّر مفاجئ في طريقة معاملة بعض الناس ليه، وتصرفات غريبة ما كانش لاقي لها تفسير. لكن مع مرور الأيام، الشكوك اللي جواه بدأت تكبر، لحد ما جه اليوم اللي اتأكد فيه إن فيه حاجة فعلًا بتحصل.
في ليلة من الليالي، رجع سعيد البيت هو وأسرته بعد ما كانوا خارجين. أول ما دخلوا الشقة، سمع صوت مراته وهي بتصرخ بخوف:
ـ سعيد... سعيد... فيه حد دخل الشقة وإحنا مش موجودين!
جرى سعيد بسرعة يشوف إيه اللي حصل، ولما بص حواليه لقى منظر غريب.
الأدراج مفتوحة... الأوراق مبعثرة... حاجات كتير اتحركت من مكانها.
واضح جدًا إن حد كان هنا.
بدأ يفتش في الشقة كلها، وفجأة وقف مكانه وكأنه اتصدم.
ـ فين الكتب؟!
راح ناحية مكتبته بسرعة وبدأ يبص على الرفوف.
مش كتاب واحد اللي اختفى...
ولا اتنين...
كان فيه كذا كتاب اختفوا من المكتبة.
وده اللي زوّد شكوكه أكتر، لأن اللي دخل الشقة ما كانش شكله داخل يدور على فلوس أو ذهب أو أي حاجة ليها قيمة مادية.
اللي دخل كان بيدور على حاجة معينة.
حاجة تخص شغله وأبحاثه.
ومن الليلة دي، استمرت الأحداث الغامضة تتكرر، وسعيد بقى مقتنع إن بقاء أسرته معاه ممكن يعرضهم للخطر.
وقتها أخد قرار صعب جدًا.
بص لمراته وقال بحزم:
ـ لازم ترجعي إنتِ والولاد مصر في أسرع وقت.
اتصدمت مراته وقالت:
ـ بس يا سعيد... إحنا مستحيل نسيبك لوحدك هنا.
رد عليها وهو بيحاول يخفي قلقه:
ـ حياتكم في خطر... وأنا مش مستعد يحصل لكم أي حاجة.
قالت وهي مترددة:
ـ لكن...
قاطعها بسرعة وقال:
ـ ما فيش وقت للنقاش. إنتِ والولاد لازم تسافروا فورًا.
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
ـ أنا هخلص الأيام اللي فاضلين لي هنا، وأول ما أخلص هاجي وراكم على مصر إن شاء الله.
ورغم إنها كانت حاسة إنه مخبي عنها حاجات كتير، إلا إنها شافت في عينيه خوف عمرها ما شافته قبل كده.
خوف راجل حس إن الخطر بقى قريب منه جدًا... لدرجة إنه قرر يبعد أغلى الناس عنده عنه علشان يحميهم.
بصت له مراته باستغراب وقالت:
ـ طب والأمريكان؟! مش إنت كنت متفق معاهم تكمّل أبحاثك هناك؟
رفع سعيد عينه ناحيتها، وكان واضح إن فيه حاجة جواه اتغيّرت.
وقال بنبرة حاسمة:
ـ لا أمريكان ولا غير الأمريكان.
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
ـ أنا فهمت اللعبة كلها.
ـ لعبة إيه؟
ـ ده مش عقد استكمال أبحاث زي ما كنت فاكر... ده عقد احتكار.
بصت له وهي مش مستوعبة قصده.
فكمل كلامه:
ـ عايزين ياخدوا كل اللي وصلت له، وكل السنين اللي قضيتها في البحث والتجارب والشغل. عايزين النتائج تبقى عندهم هم وبس.
وبعدين ضرب بإيده على المكتب وقال:
ـ مصر أولى بكل اللي وصلت له.
وسكت ثانية وكأنه بيفكر في حاجة كبيرة جدًا.
وبعدين قال:
ـ خصوصًا بحثي الأخير.
في اللحظة دي، لمع في عينيه بريق غريب... بريق تحدّي وطموح وإيمان بالفكرة اللي عاش عمره كله علشان يوصل لها.
كان مؤمن إن البحث الأخير اللي شغال عليه مش مجرد بحث علمي عادي.
كان شايف إنه مشروع ممكن يغيّر موازين القوة نفسها.
مش بس في المنطقة...
لكن في عالم الفضاء كله.
وبحسب تصوره، لو البحث ده اتنفذ بالشكل اللي كان بيحلم بيه، كان ممكن يفتح لمصر أبواب جديدة في تكنولوجيا الفضاء والأقمار الصناعية، ويخليها واقفة جنب الدول الكبرى في المجال ده بعد ما كان حكرًا على عدد محدود جدًا من الدول.
وكان مؤمن إن امتلاك التكنولوجيا دي مش معناه مجرد تقدم علمي وبس، لكن معناه استقلال وقوة وقدرة على فرض الوجود في واحد من أهم ميادين المستقبل.
عشان كده كان رافض بكل قوة إن ثمرة تعبه وأبحاثه تروح لأي جهة تانية.
وكان مقتنع إن المكان الطبيعي لكل اللي وصل له هو مصر...
البلد اللي اتعلم فيها...
وخدمها ضابطًا وعالمًا...
وكان نفسه يرجعلها بكل اللي حققه، علشان يكون جزء من مستقبلها العلمي.
وفي يوليو 1989 أول ما سعيد وصل مصر، راح يزور أخوه في الإسكندرية.
ابتسم أخوه وهو بيستقبله وقال له بهزار:
ـ أخيرًا رجعت بلدك يا دكتور... ولا أقول يا سيادة العقيد؟!
ابتسم سعيد ابتسامة هادية ورد عليه بحنان:
ـ قول يا سعيد...
وسكت لحظة وكمل:
ـ سعيد وبس.
وبعدين قال وهو بيهز كتفه:
ـ عقيد... دكتور... مهندس... دي كلها ألقاب. المهم الإنسان بيعمل إيه، وإيه الهدف اللي عايش عشانه، وإيه النية اللي جواه.
كان بيتكلم، لكن عقله كان في حتة تانية.
عينه كانت كل شوية تروح لحقيبة الأوراق اللي ما كانتش بتفارق إيده.
أي حد يشوفها يفتكر إنها شنطة عادية.
لكن بالنسبة له، كانت أغلى حاجة يملكها.
جواها سنين من البحث والتعب والتجارب والأفكار.
وجواها كمان مشروع عمره كله.
الحلم اللي عاش سنين طويلة بيجري وراه.
وفي الحقيقة، زيارته لأخوه ما كانتش مجرد زيارة عائلية وبس.
بحسب الروايات المتداولة، كان سعيد بيحاول يختفي لفترة قصيرة بعيد عن الأنظار، بعد سلسلة أحداث غامضة بدأت معاه في ألمانيا واستمرت حتى بعد رجوعه لمصر.
وبعد أيام قليلة...
جاء الخبر الصادم.
خبر هزّ كل اللي عرفوه.
الصحف المصرية نشرت وقتها عنوانًا مختصرًا وبسيطًا:
"مصرع ضابط سابق بالقوات المسلحة إثر سقوطه من أعلى عقار بالإسكندرية."
خبر صغير وسط عشرات الأخبار اليومية.
لكن بالنسبة لناس كتير، القصة ما كانتش بالبساطة دي.
ومن هنا بدأت الأسئلة...
وبدأت الروايات المختلفة تظهر.
في الوقت اللي كانت فيه التحقيقات والأخبار الرسمية ماشية في اتجاه، كانت فيه روايات تانية بتتردد عن أبحاثه وأوراقه العلمية، وعن الجهات اللي كان ممكن تكون مهتمة بالوصول ليها.
واتقال إن بعض الأوراق والأبحاث اللي كان بيحتفظ بيها كانت بتتناول موضوعات شديدة الحساسية، من بينها أفكار مرتبطة بالتعامل مع الأقمار الصناعية المعادية والتأثير على أنظمتها.
ومع مرور الوقت، انتشرت شائعات وروايات كتير حوالين ظروف وفاته.
ناس قالت إنه انتحر.
وناس رفضت الفكرة تمامًا.
وناس تانية قالت إن الحقيقة الكاملة ما ظهرتش أبدًا.
لكن المؤكد إن مصر فقدت وقتها واحدًا من أبرز المتخصصين في مجال اتصالات الفضاء والأقمار الصناعية.
عالم قضى عمره كله بين المعامل والأبحاث والدراسة.
وعاش مؤمن إن العلم ممكن يكون وسيلة للدفاع عن وطنه زي السلاح تمامًا.
ورحل سعيد السيد بدير في حادث ظل محاطًا بالأسئلة والجدل لسنوات طويلة.
وبالنسبة لكل اللي عرفوه وأحبوه، ما كانش مجرد عالم أو ضابط سابق.
كان إنسانًا آمن بفكرته لآخر لحظة.
وإذا كان أخوه قد رحل من قبل وهو يحمل سلاحه في ساحة القتال...
فإن سعيد، في نظر محبيه، رحل وهو يحمل سلاحًا من نوع آخر...
سلاح العلم والمعرفة.
ولهذا ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الكثيرين باعتباره واحدًا من العلماء المصريين الذين تركوا وراءهم إنجازات كبيرة وأسئلة أكبر.