اتولد سنة 1972، واتخرج في كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية سنة 1994، وبعدها حصل على دبلومة في المفاعلات النووية. كان ساكن في شقة بمنطقة راقية في الجيزة، وحياته مستقرة بشكل كبير. اتعين مهندسًا في هيئة الطاقة الذرية سنة 1997، واشتغل واتدرب جوه مفاعل أنشاص النووي.
الراجل ده ماكانش فقير، ولا عنده مشاكل أسرية، ولا حياته متلخبطة، كان متجوز وعنده طفلين، ومستقر في شغله وحياته، لكن كان عنده مشكلة من نوع تاني.
محمد كان حاسس طول الوقت إنه مظلوم ومش واخد حقه، والحقيقة إن الإحساس ده كان موجود جواه هو بس. كان مقتنع إنه أذكى وأهم من كل اللي حواليه، وإن مكانه أكبر بكتير من الوظيفة اللي شغال فيها.
….
سنة 1999 محمد راح بنفسه للسفارة الإسرائيلية في القاهرة، وقدم طلب عشان يدرس الدكتوراه في جامعة تل أبيب. التصرف ده لفت انتباه الجهات الأمنية المصرية، فتم استدعاؤه والتحذير من خطورة اللي بيعمله.
ولما اتسأل عن السبب، قال إن حقوقه ضايعة في شغله، وإنه مش واخد التقدير اللي يستحقه، وإن فيه معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل. لكن الأمن فهموه خطورة خطوة زي دي، وحظروه تمامًا من أي تعامل تاني من النوع ده.
لكن إحساسه إنه مش مُقدَّر بالشكل اللي يستحقه خلاه يبدأ يدور على فرصة تانية. وفي سنة 2004 أخد إجازة بدون مرتب من شغله، وسافر السعودية.
…..
استقر في الرياض واشتغل مدرسًا في كلية المعلمين، لكن الشغل الجديد برضه ما أشبعش طموحه، ولا غروره، فقرر يحط سيرته الذاتية على موقع توظيف عالمي على الإنترنت ويدور على فرصة أحسن.
في الوقت ده كانت مصر بتفكر في إحياء مشروعها النووي والاستفادة منه بشكل أكبر، ومحمد كان واحدًا من الناس اللي اشتغلوا في المجال ده.
بعد فترة قصيرة من نشر سيرته الذاتية، وصله إيميل في أكتوبر سنة 2005 من شركة يابانية اسمها “كاماكورا”. الشركة قالت إنها مهتمة بخبراته وعندها فرصة عمل مناسبة ليه.
….
وطلبوا منه يعمل مقابلة شخصية في اليابان.
الغريب إن الشركة عرضت تتحمل كل حاجة: تذاكر السفر، والإقامة، والتنقلات، وكل المصاريف من غير ما يدفع جنيه واحد، وطبعًا محمد وافق فورًا.
لأنه كان مقتنع إن اهتمام شركة كبيرة بيه بالشكل ده شيء طبيعي، وإنه فعلًا شخص استثنائي يستحق المعاملة دي.
لكن واجه مشكلة في استخراج تأشيرة اليابان بسرعة، فاقترحت الشركة إن المقابلة تتعمل في هونج كونج بدلًا من اليابان، ومرة تانية وافق من غير تردد.
وسافر فعلًا إلى هونج كونج، وهناك كانت بداية أخطر مرحلة في حياته.
أول ما وصل هونج كونج بدأ يلاحظ حاجات غريبة، كل شوية يطلبوا منه يغير مكان إقامته وينتقل من مكان لمكان تاني.
…..
وفي النهاية قابل شخص قدم نفسه باسم “براين بيتر”، وقال إنه مهندس في شركة أبحاث وبرمجيات.
براين بدأ يسأله عن حياته وشغله وسبب تركه لمصر، ومحمد فضفض بكل اللي جواه، وقال إنه شايف نفسه أكبر من المكان اللي كان شغال فيه، وإن محدش مقدر علمه وقدراته.
الكلام ده كان بالضبط اللي براين عاوز يسمعه.
في نهاية المقابلة قدم له ألف دولار كهدية، وقال له إن الشركة شايفة إن خبراته مهمة جدًا.
بعدها بوقت قصير اتعرف على واحدة قالت إنها موظفة في الشركة، ورحبت بيه بطريقة خلت محمد يحس بمزيد من الاهتمام والتقدير.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
لأن “كاماكورا” ما كانتش شركة توظيف عادية، و”براين بيتر” ما كانش موظفًا زي ما ادعى.
وكان محمد داخل خطوة وراء خطوة في شبكة تجنيد مخابراتية من غير ما يبقى عارف حجم اللي مستنيه.
….
بعد أيام رجع السعودية، وقالوا له إن الشركة ما زالت بتدرس طلبه وهترد عليه قريب.
وفعلًا بعد فترة استدعوه مرة تانية لهونج كونج.
هناك قابل نفس الأشخاص، وحصل على ألف دولار جديدة، واستمروا في معاملته بطريقة تخليه يشعر إنه شخص مهم واستثنائي.
وخلال الزيارة دي ظهر شخص تالت اسمه “شيرو إنزو”، وقدموه على إنه مدير الموارد البشرية في الشركة.
شيرو وقّع مع محمد عقد عمل، وقال له إن الشركة بتفكر تفتح فرعًا في مصر، وإنه هيكون مدير الفرع براتب 3000 دولار شهريًا.
في الوقت ده كان الرقم كبير جدًا مقارنة بالرواتب المعتادة في مصر.
محمد وافق فورًا.
وبعد توقيع العقد حصلت المفاجأة، براين وشيرو كشفوا له الحقيقة، وقالوا له إنهم مش موظفين في شركة عادية، وإنهم تابعين للموساد الإسرائيلي.
وهنا كان المفروض أي شخص طبيعي ينسحب فورًا، لكن محمد ما انسحبش !!!!!
…….
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا، محمد ما اتصدمش ولا حاول يبعد، بالعكس فرح جدًا بالكلام، وقال لهم إنه من زمان أصلًا كان مقدم عشان يدرس في جامعة تل أبيب، وإن السلطات المصرية حذرته وقتها، وحس إن الشغل معاهم ممكن يحقق له المكانة والتقدير اللي كان بيدور عليهم طول عمره.
وانتهى اللقاء باتفاق واضح بينه وبين ضباط الموساد على التعاون، واتكلف بأول مهمة ليه، وهي محاولة الوصول لنظام وزارة الداخلية السعودية ونسخ معلومات عنها والحصول على نسخة منه.
رجع محمد للسعودية وبدأ يتدرب على طرق جمع المعلومات ونقلها بشكل سري، وفي نفس الوقت كتب للموساد كل المعلومات اللي فاكرها عن أماكن شغله السابقة في هيئة الطاقة الذرية.
…
وبعدها حاول ينفذ المهمة المطلوبة منه ويجيب نسخة من النظام اللي كانوا عايزينه من السعودية، وقدر يوصل لنسخة فعلًا، لكن لما وصلت لهم حصل فيها مشكلة وما اشتغلتش بشكل صحيح.
بعد شوية استدعوه تاني إلى هونج كونج.
المرة دي كانت الطلبات أخطر بكتير.
بدأوا يسألوه عن مفاعل أنشاص النووي، وعدد العاملين فيه، ونظام التشغيل والأمان والمراقبة والتأمين، وكانوا عايزين يعرفوا كل التفاصيل الدقيقة عنه.
وكمان طلبوا منه معلومات عن مدى تأثير أي هجوم ممكن يحصل على المفاعل، وهل ممكن يحصل تسرب إشعاعي، ولو حصل التسرب هيوصل لحد فين وهيمتد قد إيه.
وبدأوا يطلبوا تفاصيل أوسع عن مصر نفسها، زي السد العالي، وقدرته على التحمل في أي ضربات عسكرية أو نووية، ونظام تشغيله وتأمينه، وكمان تأثيره على المياه والطاقة.
وطلبوا معلومات عن مشروعات زي توشكى، وإزاي بتأثر على الزراعة والاقتصاد، وإيه أهميتها الاستراتيجية.
مع الوقت، محمد اتدرّب أكتر على جمع المعلومات بشكل غير مباشر، وإزاي يفتح كلام مع الناس من غير ما يلفت الانتباه، وإزاي ينقل أي معلومة بطريقة مش مكشوفة.
…..
بعد فترة التدريب رجع مصر تاني، وبدأ ينفذ اللي اتفقوا عليه.
كان بيرجع يقابل زملاءه أو ناس ليهم علاقة بالشغل، ويسأل أسئلة بسيطة في شكل كلام عادي، لكن في الحقيقة كان بيجمع أجزاء معلومات صغيرة ويكمّلها مع بعض.
وبعدها كان بيرسل اللي يجمعه عبر وسائل إلكترونية متفق عليها، وفي حساب بنكي مفتوح بره مصر كانت بتتحول له عليه الأموال.
استمر الوضع بالشكل ده لفترة، لحد ما بدأوا يطلبوا منه يركز أكتر على الدقة والتفاصيل، لأن اللي بيوصلهم كان لسه محتاج تدقيق.
وفي نفس الوقت، الأجهزة الأمنية في مصر كانت بتراقب الوضع بهدوء من غير ما يبان أي تحرك مباشر.
….
المخابرات العامة المصرية كانت متابعة تحركات محمد سيد صابر واتصالاته خطوة خطوة من فترة طويلة، ولما اكتمل عندهم كل الخيوط والأدلة، قرروا يتحركوا.
في فبراير سنة 2007، اتقبض عليه أول ما وصل مطار القاهرة الدولي، كان معاه وقتها وسائل اتصال وأقراص مدمجة كان بيستخدمها في التواصل ونقل المعلومات.
بعد القبض عليه اتحول للتحقيق، وبدأت جلسات استجواب طويلة، وكل ما التحقيقات كانت بتتفتح أكتر كانت التفاصيل بتظهر عن سفره لهونج كونج، ومقابلاته مع عناصر تابعة للموساد، وطريقة شغله في جمع المعلومات ونقلها، وكمان الفلوس اللي كانت بتتحول له في حسابات بره مصر.
فضل التحقيق ماشي لحد ما القضية وصلت للمحكمة.
…
في 25 يونيو سنة 2007، محكمة أمن الدولة العليا طوارئ أصدرت حكمها في القضية.
الحكم كان بالسجن المؤبد على محمد سيد صابر، وكمان غرامة مالية.
وفي نفس الحكم، اتحكم غيابيًا بالسجن المؤبد على الشريكين الأجانب اللي كانوا معاه في الشبكة.
….
بعد أحداث يناير 2011، محمد سيد صابر حاول من داخل سجنه في طرة إنه يقدّم التماسات للمجلس العسكري والنائب العام، وطلب إعادة فتح ملف القضية من جديد.
كان بيقول إن المعلومات اللي خرجت منه ما كانتش سرية بالشكل اللي يهدد الأمن القومي، وإن الحكم ضده كان فيه مبالغة أو سوء تقدير من وجهة نظره.
وقال صابر إنه بعد ثورة 25 يناير، بعض زملائه في هيئة الطاقة الذرية كلموه من جوه السجن، وقالوا له إنهم مستعدين يشهدوا في القضية ويأكدوا إن المعلومات اللي اتقال إنه سربها مش سرية ولا بتشكل تهديدًا للأمن القومي.
لكن الطلبات دي ما غيرتش أي حاجة في الحكم الصادر ضده، وفضل الحكم قائم زي ما هو، وما اتفتحش ملف القضية تاني.
محمد خرج بشوية تصريحات غريبة وهو بيقدم الالتماس، وذكر على لسانه إن اللي حصل لمبارك بعد كده هو ابتلاء، وربط ده بظلم الناس حسب كلامه.
وأكد صابر إنه ما حاولش يهرب من السجن زي سجناء تانيين، وقال إن السبب كان خوفه من الاغتيال أو إنه يتم التخلص منه قبل ما يتم النظر في طلبات إعادة المحاكمة.
وقال صابر إن مبارك ارتكب خطأ كبير لما سابه في السجن.
وأضاف إنه لو كان خرج وقتها، كان هيقدم له برنامجًا انتخابيًا كان مجهزه جوه السجن خلال الأربع سنين اللي قضاهم هناك.
وكان بيقول إن لو ده حصل، كان ممكن مبارك يفضل في الحكم هو وأولاده وأحفاده كمان، على حد تعبيره.
وقال صابر إنه لو تم الإفراج عنه، كان ناوي يترشح لرئاسة الجمهورية.
وكان بيقول إن عنده برنامجًا لتطوير مصر يخليها من الدول الكبرى خلال حوالي 20 سنة، أو على الأقل ضمن أقوى 20 اقتصادًا صناعيًا خلال 10 سنين.
وكمان قال إن عنده رؤية لحل القضية الفلسطينية، تقوم على إقامة دولة فلسطينية مقابل تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل.
محمد دلوقتي في السجن بيقضي الحكم، لو وجهتله كلمة هتقوله إيه؟؟
تخيل أنه وصم مراته وطفليه وأبوه وأمه بعار رهيب مش ممكن يتمحي، رغم أنهم علموه أحسن تعليم وكان في مركز مرموق، فليه بدل ما يخدم بلده تكون نهايته مظلمة في السجن؟! حقيقي شيء غريب!