في أواخر الستينيات كانت أجهزة المخابرات الإسرائيلية بتكثف نشاطها بشكل كبير، خصوصًا ضد مصر. إسرائيل كانت عارفة إن الهزيمة مش نهاية المعركة، وإن المصريين بيستعدوا لمرحلة جديدة، فكان لازم بالنسبة لهم يعرفوا كل معلومة ممكنة عن الجيش والتحركات على الجبهة.
في الوقت ده كان فيه صحفي مصري اسمه منير محمد عبد الغني عيسى، المعلومات المعروفة عنه قليلة جدًا، لكن المعروف إنه كان بيشتغل مع واحدة من الصحف، وكان عنده خلافات مع رؤسائه.
عشان كده ساب الشغل في الصحيفة واتجه للعمل الحر كمراسل ومصور صحفي لعدد من الصحف المصرية والعربية.
* سنة 1968 سافر منير روما في مهمة صحفية. وبعد ما خلص شغله هناك، قرر يستغل الوقت ويتفسح شوية في المدينة، كان بيتجول في الشوارع ويتفرج على الحياة حواليه، وكل حاجة كانت مختلفة عن اللي متعود يشوفه في القاهرة. السهر، والنوادي، وطريقة عيش الناس، كلها حاجات شدت انتباهه وخليته منبهر.
وفي واحدة من الليالي، وهو ماشي في الشارع، لفت نظره ملهى ليلي، وقف شوية متردد، لكن فضوله غلبه، وفي الآخر دخل.
قعد على ترابيزة يراقب اللي بيحصل حواليه، والذهول واضح على وشه من الأجواء اللي شافها لأول مرة بالشكل ده.
وفجأة، قربت منه بنت أجنبية جميلة وقعدت قدامه، وقبل ما يستوعب الموقف، اكتشف إنها بتتكلم عربي بطلاقة، بدأت تفتح معاه كلام بشكل ودي، وأظهرت إعجابها بيه وبشكله، ومع الوقت بدأت تقرب منه أكتر وتكسب ثقته خطوة خطوة.
* منير ماكانش يعرف إن البنت دي ما كانتش مجرد بنت أعجبت بيه زي ما كان متخيل، الحقيقة إنها كانت واحدة من عميلات الموساد، ومهمتها إنها تستدرج الشباب العرب وتختار الناس اللي ممكن يتجندوا ويشتغلوا لصالح إسرائيل.
خلال كام يوم قضوهم سوا، قدرت تعرف عنه تقريبًا كل حاجة، عرفت شغله، وظروفه، وطريقة تفكيره، ورأيه في الأوضاع اللي كانت موجودة وقتها في مصر.
ومع الكلام الكتير اكتشفت إنه شخص مش راضي عن حياته، وعنده حالة من السخط والاستياء.
ولما اتأكدت إنها قدام شخص مناسب للتجنيد، دخل لاعب جديد على الخط.
* في أحد اللقاءات عرفته على راجل قالت له إنه صحفي إيطالي اسمه “دري مان”، وإنه مهتم بقضايا الشرق الأوسط والحروب اللي بتحصل في المنطقة.
وبما إن الاتنين شغالين في مجال الصحافة، اتفتح بينهم الكلام بسرعة. كان “دري” بيسأله عن مصر، وعن أحوال الناس، وعن الجيش، وعن منطقة القناة بعد الحرب، وعن تأثير الهزيمة على الشارع المصري.
أما منير، فكان بيتكلم بمنتهى الأريحية، وبيجاوب على الأسئلة من غير ما يحط حدود واضحة للكلام أو يفكر ليه الراجل ده مهتم يعرف كل التفاصيل دي.
* وبعد فترة، دري مان قال لمنير إنه يعرف ناس في منظمة دولية مهتمة بمتابعة آثار الحروب على المدنيين، وإنه يقدر يساعده يحصل على شغل ثابت معاهم بمرتب بالدولار، غير المكافآت والحوافز.
العرض كان مغري جدًا، ومنير ما فكرش كتير قبل ما يوافق.
وبالفعل اتحدد له موعد مقابلة في أحد المقاهي الشهيرة بميدان إسبانيا في روما، وهناك اتعرف على شخص جديد، واتقال له إنه مسؤول مهم داخل المنظمة الدولية دي.
وبعد عدة لقاءات بدأت الحقيقة تظهر.
الراجل كشف لمنير هويته الحقيقية، وقال له بصراحة إنه مش موظف في أي منظمة دولية، وإنه في الأصل ضابط بالموساد الإسرائيلي اسمه إسحاق رامينا، وعرض عليه الشغل بشكل مباشر.
والمطلوب إنه يتعاون مع الموساد، وفي المقابل هياخد 300 دولار كل شهر، غير مكافآت إضافية عن كل مهمة ينجح في تنفيذها.
والمفاجأة إن منير ما أظهرش أي تردد أو اعتراض، بل وافق على العرض بسرعة.
*وبحكم شغله كمصور وصحفي، كانت المهمة اللي اتكلف بيها مناسبة جدًا لطبيعة عمله، المطلوب منه ببساطة إنه يصور أماكن ومواقع محددة جوه مصر، وبعد كده يحط أفلام التصوير في مظاريف خاصة لونها أسود ما تسمحش بدخول أي ضوء ليها.
وكانت الأفلام نفسها معمولة بطريقة خاصة، بحيث لو حد حاول يفتح المظروف أو يعرض الفيلم للضوء قبل تحميضه، الصور كلها تضيع ويتلف الفيلم بالكامل.
بالطريقة دي كان الموساد شايف إنه بيحمي عميله، لأن أي حد يشك فيه ويحاول يفتش المظروف مش هيلاقي حاجة مفيدة بعد تلف الصور، وبالتالي يصعب إثبات المهمة اللي كان بينفذها.
رجع منير مصر وبدأ شغله الجديد بكل نشاط.
وبعد ما يخلص مهمته، يحط الفيلم جوه المظروف المعتم ويسافر بيه لروما، وهناك يسلمه لضابط الموساد المسؤول عنه.
وفي المقابل كان يرجع وهو معاه المقابل المادي اللي اتفقوا عليه، استمرت الرحلات بين مصر وروما، واتكررت معها عمليات التصوير والتسليم مرة بعد مرة.
* لكن منير ماكانش عارف إن فيه عيون تانية كانت بتراقبه، وهي عيون أجهزة المخابرات المصرية اللي بدأت تتابع تحركاته وترصد نشاطه.
التفاصيل الكاملة عن إزاي انكشف مش معلنة، لكن المؤكد إن الشكوك بدأت تحوم حواليه، وبقى تحت المراقبة سواء داخل مصر أو خلال رحلاته المتكررة إلى إيطاليا.
ومع المتابعة، رجال المخابرات لاحظوا نمطًا بيتكرر بشكل مستمر، خصوصًا إن منير كان بيصور أماكن ومواقع حساسة في مصر.
وفي يوم 28 نوفمبر سنة 1968، تم القبض عليه، واتحفظت الجهات المختصة على الظرف المعتم اللي كان شايله.
ومع التحقيقات، اتعرفت تفاصيل شبكة الاتصال اللي كان بيتعامل معاها، والطريقة اللي كان بينقل بيها المعلومات والصور للموساد.
* وبعد انتهاء التحقيق، اتحال للمحاكمة.
وفي سنة 1969 صدر الحكم بإعدامه، القضية دي كانت مشهورة جدًا في وقتها، وكل الصحف زي الأهرام وجريدة المصور كانت بتتكلم عن منير وعن خيانته.
وحكم الإعدام وقتها كان مُرضيًا جدًا للرأي العام.
وإسرائيل ما حاولتش تعمل أي صفقات عشان منير.
بالعكس، سابته لقدره… ونهايته المظلمة…..
مصادر القصة….
* كتاب «المخابرات العامة المصرية.. إطلالة تاريخية على بعض صفحات النضال الوطني 1953-1973» للواء عادل شاهين.
* ملفات المخابرات العامة المصرية المنشورة في عدد من التقارير الصحفية المعتمدة على الكتاب نفسه.