نيويورك – مطار جون كينيدي الدولي
31 أكتوبر 1999
أول ما الساعة عدّت نص الليل، كانت أمريكا كلها تقريبًا عايشة أجواء احتفالات "الهالوين". الشوارع مليانة ناس لابسة أزياء غريبة، والكل بيستعد لليلة الرعب والاحتفال.
لكن في مكان تاني خالص... داخل مطار جون كينيدي الدولي، كان فيه راجل قاعد في قمرة قيادة طيارة مصر للطيران، مشغول بحاجة مختلفة تمامًا.
الكابتن طيار جميل البطوطي بصّ في ساعته باستغراب، وعدّى بعينه على العدادات، وبعدها رجع يبص للساعة مرة تانية.
رحلة مصر للطيران رقم 990 اتأخرت في الإقلاع بشكل مش مفهوم، والدقايق كانت بتمشي ببطء وهو بيحاول يعرف إيه السبب.
قدامه كانت طائرة البوينج 767 واقفة على أرض المطار، شايلة على ذيلها رأس النسر... شعار مصر للطيران.
كان شكلها كأنها نسر واقف مستني صاحبه.
وكأنها عارفة إن مساعد الطيار اللي جوّاها هو نفسه الكابتن جميل البطوطي... الراجل اللي سبق ودرب أجيال من الطيارين المقاتلين، وكان واحد من نسور أكتوبر سنة 1973.
في نفس الوقت، دخل مساعد الطيار الشاب عادل أنور وهو بيبتسم وقال:
– يا كابتن... أنا بدّلت رحلتي وهارجع معاكم. لازم أوصل بسرعة... حضرتك عارف بقى تجهيزات الفرح.
ابتسم قائد الطائرة، الكابتن أحمد الحبشي، ابتسامة كلها مودة.
كان فرحان للشاب كأنه واحد من أولاده، وده طبيعي... لأن سنه كان قريب من سن أولاده فعلًا.
قال وهو بيطبطب عليه بالكلام:
– ألف مبروك يا عادل... ربنا يتمملك على خير.
ابتسم عادل ورد:
– الله يبارك في حضرتك يا كابتن.
وبعدين بصّ الحبشي من زجاج قمرة القيادة ناحية برج المراقبة وقال بنبرة فيها شوية ضيق:
– بس يارب ناخد تصريح الإقلاع بقى... أنا مش شايف أي سبب للتأخير ده.
رد عليه عادل وهو بيحاول يهوّن عليه:
– كل تأخيرة وفيها خيرة يا فندم.
سكت الحبشي لحظة، وبعدها قال بهدوء:
– أتمنى يا ابني... أتمنى.
وكان فعلًا عنده حق يقلق...
حقه يقلق جدًا.
على متن الطائرة كان فيه 217 راكب.
ومعاهم 14 فرد من طاقم الطائرة، وكلهم من أكفأ أطقم مصر للطيران وقتها.
ومن بين الطاقم كان موجود الكابتن رؤوف نور الدين، هو كمان طيار مقاتل سابق، وأحد نسور حرب أكتوبر.
وكان موجود أيضًا الكابتن حاتم رشدي، كبير طياري طراز البوينج 767، وأحد أمهر الطيارين في الشركة.
طاقم كامل من أصحاب الخبرة والكفاءة.
لكن...
الغريب إن الطاقم ده، رغم قيمته الكبيرة، ماكانش هو الهدف الحقيقي...
ولا كان هو الصيد الثمين المقصود.
وفي وسط متابعة أسماء الركاب، خرج صوت متعجب:
– إيه التشكيلة الغريبة دي اللي بين الركاب النهارده؟! دي مش طبيعية خالص...
سألت واحدة من المضيفات زميلتها وهي باصة على كشف الركاب باستغراب واضح:
– هو إيه حكاية الركاب النهارده؟ هو أنا بس اللي حاسة إن في حاجة غريبة؟
ابتسمت زميلتها وهي بترد عليها بهدوء:
– يا بنتي وإيه الجديد؟ دي أول مرة يعني يسافر معانا حد مهم؟ وبعدين إحنا بالنسبة لنا كل راكب مهم. ما انتي عارفة قواعد الشغل كويس.
هزت الأولى راسها وقالت:
– لا يا ستي... أنا مش بتكلم على إنهم شخصيات مهمة بالنسبة لينا. أنا بتكلم على التشكيلة نفسها.
بصي كده...
33 ظابط...
و3 أساتذة علوم نووية...
و7 مهندسين بترول... واضح جدًا إنهم ناس كبار وأصحاب خبرة.
إزاي كل دول يبقوا في رحلة واحدة؟
كان سؤالها منطقي...
ومنطقي جدًا.
والغريب إنها ما كانتش الوحيدة اللي خدت بالها من الموضوع.
أكتر من فرد من طاقم الطائرة لاحظ نفس الملاحظة، واستغرب وجود المجموعة دي كلها على نفس الرحلة.
الوفد العسكري اللي كان على متن الطائرة كان وفد رفيع المستوى.
ضباط من خيرة ضباط القوات المسلحة المصرية.
كانوا راجعين بعد ما أنهوا برنامج تدريب عالي المستوى.
لكن...
يبدو إن اللي عرفوه أثناء التدريب، أو اللي وصلوا له من خبرة، كان أكبر بكتير من اللي كان مفروض يعرفوه.
وفي الوقت ده...
داخل قمرة القيادة، كان الجو مختلف تمامًا.
ابتسامات عادية... وحديث بسيط جدًا.
حديث اتسجل بالكامل على ميكروفونات الصندوق الأسود.
قال الكابتن أحمد الحبشي وهو بيقوم من كرسيه بابتسامة:
– بعد إذنك يا جيمي... هاروح الحمام وأرجع.
رد عليه جميل البطوطي بابتسامة:
– اتفضل يا كابتن.
خرج الحبشي من قمرة القيادة.
ولما بقى جميل البطوطي لوحده، رجع يكمل تلاوة آيات من القرآن الكريم، زي ما كان متعود يعمل في أوقات كتير.
كان بطبيعته راجل متدين باعتدال...
بيحب الحياة...
ودمه خفيف...
وده شهد بيه زملاؤه كلهم، ومن بينهم زميله اللواء الطيار أبو بكر حامد.
وفي نفس الوقت، كان طيارًا محترفًا من أصحاب الخبرة الكبيرة، قضى أكتر من خمسة عشر ألف ساعة طيران في الجو.
ولأنه في اللحظة دي بقى المسؤول الوحيد عن الطائرة لحد ما الكابتن يرجع، قال الجملة اللي أي مسلم مؤمن بربه بيقولها قبل أي أمر مهم:
– توكلت على الله...
وسكت لحظة...
وبعدين كررها تاني:
– توكلت على الله...
ورددها أكتر من مرة.
كانت جملة عادية جدًا...
بل من خير ما يمكن أن يقوله إنسان وهو بيبدأ عمله.
لكن...
بعدها بسنين، هتتحول نفس الجملة إلى أكتر جملة أسيء تفسيرها.
الصندوق الأسود كان أمينًا...
سجل كل كلمة زي ما اتقالت.
لكن...
اللي سمعوا التسجيل بعد كده...
ما كانوش أمناء في تفسيره.
وفجأة...
الكابتن جميل البطوطي اتفاجئ بحاجة جاية بسرعة رهيبة ناحية الطيارة، وهي على ارتفاع حوالي 30 ألف قدم.
وفي ثانية واحدة...
كل سنين خدمته العسكرية عدت قدام عينه.
افتكر أيام ما كان بيدرّب طلبة الكلية الجوية بعد نكسة 67، وافتكر المناورات الصعبة اللي كان بيعملها وهو طيار مقاتل.
من غير ما يحس صرخ:
– توكلت على الله... توكلت على الله.
في اللحظة دي اشتغل جواه الطيار المقاتل.
حاول يتصرف بغريزته، لكن كان عارف إن طيارة الركاب دي مش مقاتلة حربية تقدر تعمل مناورة عنيفة وتفلت.
وفجأة...
الطيارة نزلت بسرعة مرعبة، من ارتفاع 30 ألف قدم لحد حوالي 16 ألف قدم في وقت قليل جدًا.
كان نفسه يعمل مناورة حادة، المناورة اللي ما يعرفهاش غير مدرب مقاتلات.
لكن...
دي كانت بوينج 767.
طيارة ركاب...
مهما كان اللي فيها من طيارين وضباط على أعلى مستوى، عمرها ما هتقدر تعمل اللي بتعمله الطيارات المقاتلة.
وفي نفس اللحظة...
باب قمرة القيادة اتفتح، ودخل الكابتن أحمد الحبشي وهو بيزعق:
– فيه إيه؟!... فيه إيه؟!... إنت بتعمل إيه يا جميل؟!
وبحسب الرواية دي، البطوطي ما كانش بينزل بالطائرة بإرادته، بالعكس...
كان بيحاول بكل اللي يقدر عليه يطلعها لفوق تاني ويرجعها لارتفاع آمن.
أول ما الحبشي قعد مكانه على الكرسي، مسك عصاية القيادة وبدأ يساعد بكل قوته.
لكن...
بحسب نفس الرواية، كانت مجموعة التوجيه اللي في ديل الطيارة خلاص اتدمرت.
ومن هنا...
بدأت آخر محاولة لإنقاذ الطيارة.
آخر كلمات سجلها الصندوق الأسود كانت صوت الكابتن أحمد الحبشي وهو بيصرخ:
– شد... معااايا!
وبعدين رجع يزعق تاني:
– شد معااايا!... شد معااايا!
كان بيطلب من البطوطي يشد عصاية القيادة معاه بكل القوة اللي يقدر عليها، يمكن يقدروا يسيطروا على الطيارة ويوقفوا الهبوط العنيف.
وبحسب الرواية دي، التسجيلات اللي اتذاعت بعد كده ما كانتش كل اللي اتقال جوه قمرة القيادة، لكن اتذاعت أجزاء منها بس.
وفي الوقت اللي الطيارين كانوا بيحاولوا ينقذوا الطيارة...
كان الركاب، وسط الرعب اللي عاشوه، بيرددوا الشهادتين، وكل واحد فيهم متعلق بأمل أخير.
في ثواني... كانت هي دي كل اللي باقي من عمرهم.
كل واحد فيهم كان بيتمتم بدعاءه في صمت... يمكن آخر دعوة، وآخر كلمة، وآخر أمل.
كان جميل البطوطي وحبشي واقفين جنب بعض، بيحاولوا بكل اللي عندهم ينقذوا الطيارة المنكوبة... وينقذوا كل اللي فيها... كل الأرواح من غير استثناء.
يمكن تأخير الإقلاع... أو غلطة في التوجيه... هو اللي دخل الطيارة منطقة فيها نشاط للدفاع الجوي. أياً كان السبب، اللي حصل بعد كده كان أخطر بكتير.
بعدها بسنين، برع أساتذة التحقيق... أو يمكن التلفيق... في إبعاد أي شبهة عن الجريمة، سواء كانت حصلت بالغلط أو كانت مقصودة، وتحولت أصابع الاتهام كلها ناحية مساعد الطيار جميل البطوطي... الراجل اللي – حسب الرواية دي – كان بيجاهد مع زمايله لآخر نفس، يحاول يمنع كارثة، ويحمي طيارة مليانة أرواح بريئة، من ناس عمرهم ما تمنّوا الخير للبلد دي.
لكن في لحظات...
انتهى كل شيء.
بقت أشلاء الركاب وأفراد الطاقم مختلطة ببعض، وهي بتنزل في أعماق المحيط الأطلسي.
وكأن المحيط نفسه حزن عليهم... وقرر يخبّي أسرار اللي حصل، ويطمر أدلة الجريمة في قاعه.
على مساحة أكتر من خمسة وتلاتين ميل مربع...
ليل ساكت... بحر واسع... وسكون مرعب.
أشلاء بالشكل ده... مش شكل حادث طيران عادي.
ولا حتى انفجار ناتج عن عطل فني.
دي أشلاء... كأن اللي مزقها كان صاروخ غادر... صاروخ كان هدفه يعمل مذبحة، ويقضي على نخبة من أفضل شباب الوطن وخبراته.
ويضيف أسماءهم لقائمة طويلة...
قائمة ناس ماتوا وهم بيخدموا بلدهم...
شهداء...
بلا سلاح.