في نص الستينيات، وقبل نكسة 1967 بسنوات قليلة، كانت أجهزة المخابرات المصرية قدام واحدة من أخطر محاولات اختراق القوات الجوية المصرية. لكن اللي أنقذ الموقف كان يقظة فني طائرات شاب اسمه أحمد، وتعاون كامل بينه وبين رجال الأمن الجوي والمخابرات.
بدأت الحكاية لما الرقيب أحمد، فني طائرات في أحد أسراب الميج-21 بقاعدة غرب القاهرة الجوية، رجع بيته في منشية الصدر بعد يوم شغل طويل. وفجأة سمع خبط على الباب.
فتح الباب، فلقى قدامه شاب أنيق لابس بدلة شيك ومربي دقنه.
بص له أحمد باستغراب.
ـ مين حضرتك؟
ابتسم الراجل وقال:
ـ مش عرفتني يا أحمد؟ أنا عشماوي... دفعتك.
اتصدم أحمد.
ـ يا راجل! إنت فين من سنة؟ وإزاي سبت الجيش واختفيت كده؟
ضحك عشماوي وأخرج جواز سفره.
ـ سيبك من الكلام ده... أنا دلوقتي شغال مدرس في الكويت.
طلب منه يغير هدومه وينزلوا يتمشوا شوية. وفعلاً خرجوا، وراحوا برج القاهرة، واتعشوا مع بعض، واتصوروا كام صورة تذكارية قبل ما كل واحد يروح لحاله.
أول خيط كشف اللعبة
تاني يوم الصبح، أحمد راح مباشرة للرائد الطيار علي ماسخ، ضابط أمن السرب، وحكى له كل اللي حصل.
الرائد استغرب من ظهور واحد هارب من الجيش بالشكل ده، وطلب من أحمد يروح للمصور ويجيب نسخة من الصور عشان يشوفوا شكله الجديد.
لكن المفاجأة كانت أكبر مما توقعوا.
المصور قال لأحمد:
ـ الراجل اللي كان معاك رجع بعد ما مشيتوا مباشرة، وخد الفيلم كله ودفع فلوس زيادة.
هنا الرائد علي ماسخ فهم إن الموضوع مش طبيعي.
الهارب العادي ما بيفكرش ياخد الفيلم كله من المصور.
واضح إن الراجل متدرب كويس على أساليب الأمن والتخفي.
وعلى الفور تم إبلاغ قيادة الأمن الجوي، وبدأت عملية متابعة سرية لعشماوي.
"اشتغل معانا"
اتفق ضباط الأمن مع أحمد إنه يكمل علاقته بعشماوي عادي جداً، ويظهر له إنه متجاوب معاه.
وبدأت المقابلات تتكرر.
في إحدى السهرات، قال عشماوي:
ـ إيه رأيك تشتغل معانا؟
استغرب أحمد.
ـ أشتغل إيه؟
رد عشماوي:
ـ شغل بسيط... وفلوسه حلوة.
وبعدين قرب منه وقال بنبرة تهديد:
ـ وعلى فكرة... عارف الرئيس الأمريكي جون كينيدي اتقتل إزاي؟
كانت الرسالة واضحة:
"لو فكرت تبلغ عني... مصيرك ممكن يبقى زي مصيره."
لكن أحمد كان بينقل كل كلمة للرائد علي ماسخ أول بأول.
طلبات خطيرة
بعد فترة بدأ عشماوي يطلب معلومات أكتر.
مرة طلب أسماء بعض الطيارين.
ومرة سأل عن أماكن تخزين الصواريخ.
ومرة طلب تفاصيل تخص القاعدة الجوية.
وكان أحمد يبلغ الأمن بكل طلب، والأمن يحدد له بالضبط إيه اللي يقوله وإيه اللي ما يقلهوش.
وكان الهدف إنهم يسيبوا الشبكة تكشف نفسها بالكامل بدل ما يقبضوا على فرد واحد بس.
لقاء خاص مع قيادة الأمن
في إحدى الليالي، تلقى أحمد تعليمات غريبة.
يومها قال له الرائد علي ماسخ:
ـ الساعة 8 مساءً هتروح حلمية الزيتون... هتلاقي عربية مرسيدس سودا مستنياك. اركب من غير ما تسأل.
نفذ أحمد التعليمات.
ولما ركب العربية، فوجئ إنه قاعد جنب قائد فرع الأمن الجوي العام بنفسه.
كان أحمد وقتها عنده 23 سنة فقط.
وسأله القائد:
ـ خايف؟
قال أحمد:
ـ بصراحة يا فندم... أيوه.
ـ خايف من إيه؟
ـ حاسس إن في ناس مراقباني في كل مكان... في القطر وفي الأتوبيس وفي الشارع. ومش عارف دول تبعنا ولا تبع عشماوي.
ابتسم القائد وقال:
ـ طول ما إنت معانا... اعتبر نفسك قاعد جنبي في العربية دي في أي وقت.
الكلمات دي رفعت معنويات أحمد بشكل كبير.
الضابط المتخفي
بعدها قررت المخابرات الحربية خطوة إضافية للتأكد من كل شيء.
تم إرسال ضابط مخابرات حربية للإقامة مع أسرة أحمد لمدة أسبوع كامل.
وصل الضابط متنكراً في شخصية شاب اسمه مصطفى، رجله اليمنى متجبسة وماشي بعكاز.
استقبلته الأسرة المصرية البسيطة بحفاوة شديدة.
الأب اعتبره واحد من أولاده.
والأم كانت بتجهز له الأكل بنفسها.
وبقى يقعد مع والد أحمد بالساعات يلعبوا طاولة ويتكلموا.
لكن الهدف الحقيقي كان مزدوج:
أولاً حماية أحمد.
وثانياً التأكد إن أسرته عادية ومافيش أي شبهة إنه عميل مزدوج.
وبعد أسبوع كامل، غادر الضابط البيت بعدما تأكدت الأجهزة من كل شيء.
عشماوي بدأ يشك
الغريب إن عشماوي ما ظهرش طول فترة وجود الضابط.
لكنه رجع بعد مغادرته بيوم واحد فقط.
واقترح أحمد إن المقابلات تبقى في أماكن عامة بدل البيت عشان أهله ما يشكوش.
واتفقوا على مقابلة في محطة أتوبيس الفجالة.
ذهب أحمد في الموعد.
استنى أكثر من ساعة.
لكن عشماوي ما جاش.
ولما رجع البيت...
لقى عشماوي واقف على الباب.
وشه كان كله غضب.
وقال له:
ـ إنت بلغت عني!
رد أحمد:
ـ والله ما حصل.
لكن عشماوي قال:
ـ إحنا كنا هناك من الساعة اتنين الضهر. سواق التاكسي مخابرات... وبياع التين الشوكي مخابرات... وماسح الأحذية مخابرات.
واضح إنه لاحظ المراقبة الأمنية.
وبعدها هرب بسرعة.
ليلة القبض على الشبكة
مر حوالي أسبوع.
وفي إحدى الليالي، استيقظت منطقة منشية الصدر على أصوات تبادل كثيف لإطلاق النار.
خرج السكان إلى الشرفات في خوف.
وكانت المنطقة كلها مليانة قوات أمن ومخابرات.
وبعد انتهاء العملية، تم القبض على عشماوي واثنين من مساعديه.
وخلال تفتيش أوكارهم، عُثر على خرائط ومعلومات شديدة الخطورة تخص مواقع الدفاع الجوي المصري.
في البداية حاول عشماوي يورط أحمد وقال إن المعلومات دي جاية منه.
لكن التحقيقات أثبتت إن أحمد كان بيتحرك بالكامل تحت إشراف أجهزة الأمن.
ومع استمرار التحقيقات انهارت الشبكة بالكامل، واعترف عشماوي بباقي أفرادها.
وبعد المحاكمة صدرت الأحكام بحق أفراد الشبكة.
النهاية والتكريم
بعد انتهاء القضية، تم إيفاد أحمد في بعثة تدريبية إلى الاتحاد السوفيتي للتدريب على طائرات الميج-21.
لكن الرائد علي ماسخ رأى أن ده لا يكفي.
فتم رفع تقرير كامل عن الدور البطولي اللي قام به أحمد، والذي خاطر بحياته لأشهر طويلة وهو يواجه شبكة تجسس محترفة.
وفي النهاية صدر له قرار بترقية استثنائية ومكافأة مالية تقديراً لشجاعته وإخلاصه.
وهكذا انتهت واحدة من أخطر قضايا التجسس التي استهدفت القوات الجوية المصرية في الستينيات، بعدما سقط أفراد الشبكة قبل أن ينجحوا في تحقيق أهدافهم، بفضل يقظة فني طائرات شاب وثقة رجال المخابرات المصرية في قدرته على أداء دوره حتى النهاية.