في صباح يوم عادي، حوالي الساعة عشرة، كانت بنت عندها 14 سنة راجعة على الكوخ اللي عايشة فيه مع أهلها. كانت مبيتة الليلة اللي قبلها عند صاحبتها، والصدفة إن صاحبتها كانت ساكنة في الكوخ اللي جنبهم على طول.
كل حاجة كانت ماشية بشكل طبيعي جدًا... الجو كان حلو، والدنيا هادية، ومفيش أي حاجة توحي إن بعد ثواني حياتها كلها هتتغير.
أول ما وصلت قدام باب الكوخ، طلعت المفتاح وبدأت تفتح الباب... لكن في اللحظة اللي دخلت فيها، شافت منظر صادم لدرجة إن عقلها رفض يستوعبه.
اللي شافته في اليوم ده فضل مطبوع في ذاكرتها طول عمرها. وحتى بعد أكتر من أربعين سنة، لسه اللي حصل جوه الكوخ ده بيعتبر واحد من أغرب وأرعب الألغاز الجنائية في تاريخ الولايات المتحدة.
ما كانتش مجرد جريمة قتل عادية... كانت لغز حير الشرطة، والمحققين، وكل الناس اللي حاولوا يفهموا إيه اللي حصل جوه المكان ده، ومن ساعتها لحد النهارده، مفيش حد قدر يفسر الحقيقة كاملة.
الحكاية بدأت في الكوخ رقم 28، الموجود في بلدة صغيرة تابعة لمقاطعة بلوماس، في ولاية كاليفورنيا، وسط جبال سييرا نيفادا العالية.
المكان ده كان عبارة عن منتجع صغير، فيه شوية أكواخ جنب بعض، وكان ساكن فيه شوية أكتر من ميتين شخص. بسبب صغر البلدة، كل الناس تقريبًا كانوا يعرفوا بعض بالاسم، وأخبار أي حد كانت بتوصل للجميع بسرعة.
أصل البلدة دي بيرجع لبداية القرن العشرين، وقت ما شركة "ويسترن باسيفيك للسكك الحديدية" أنشأت محطة قطارات هناك.
في الوقت ده، العمال جم من أماكن مختلفة علشان يبنوا خطوط السكة الحديد، والكباري، والأنفاق اللي كانت بتمر وسط الجبال. ولأنهم كانوا محتاجين مكان يعيشوا فيه قريب من شغلهم، اتبنت الأكواخ البسيطة دي علشان يسكنوا فيها هم وعائلاتهم.
الأكواخ ما كانتش كبيرة ولا فخمة، بالعكس... كانت صغيرة جدًا، فيها أوضتين أو حتى أوضة واحدة، ومتوفر فيها الحد الأدنى بس من احتياجات المعيشة.
ولما شغل السكة الحديد بدأ يقل بشكل كبير خلال سبعينيات القرن الماضي، بقى مفيش احتياج للأكواخ دي كبيوت للعمال، فتحول المنتجع كله بعد كده لمجمع سكني منخفض الإيجار، وكانت بتسكن فيه العائلات محدودة الدخل اللي كانت بتدور على مكان رخيص تعيش فيه.
كانت الأكواخ هناك متقسمة بأرقام ورا بعض، زي الكوخ رقم 26، و27، و28... وكلهم كانوا قريبين جدًا من بعض، لدرجة إن لو حد علي صوته شوية وهو بيتكلم، الجيران كانوا يسمعوا الكلام بكل سهولة.
ورغم إن الخصوصية كانت شبه معدومة، إلا إن المكان كله كان معروف بين الناس إنه آمن جدًا، والعلاقات بين السكان كانت قوية. الكل يعرف الكل، ولو أي حد وقع في مشكلة، تلاقي الجيران كلهم بيتدخلوا علشان يساعدوه من غير ما حد يطلب.
ومن وسط الأكواخ دي، كان فيه الكوخ رقم 28... الكوخ اللي هتبدأ منه واحدة من أغرب القضايا الغامضة في تاريخ أمريكا.
الكوخ ده كانت عايشة فيه عائلة "شارب". الأم كان اسمها "سو شارب"، وكانت ست عندها 36 سنة. كانت مطلقة، وجوزها كان سابها بعد ظروف صعبة مرت بيها، فبقت شايلة مسؤولية البيت والأولاد لوحدها.
علشان كده، قررت تسيب المكان اللي كانت عايشة فيه، وتبدأ حياة جديدة هي وأطفالها الخمسة. كانت بتدور على مكان هادي، وآمن، ورخيص في نفس الوقت، بعيد عن كل الذكريات المؤلمة والمشاكل اللي عاشتها في الماضي.
ولما عرفت المنتجع الصغير ده، شافت إنه أنسب مكان ممكن تبدأ فيه من الصفر. المكان هادي، والناس فيه عارفين بعض، والإيجارات منخفضة، وده كان مناسب جدًا لظروفها.
أما أكبر أولادها، فكانت بنتها "شيلا"، وكان عندها 14 سنة. ورغم صغر سنها، إلا إنها كانت شايلة مسؤولية أكبر من سنها بكتير. كانت دايمًا تساعد والدتها في كل حاجة، وتهتم بإخواتها الصغيرين، وتراعيهم، وتحاول تحميهم، وكأنها إيد أمها اليمين داخل البيت.
أما أكبر الأولاد الذكور، فكان "جون شارب"، وكان عنده 15 سنة. جون كان معروف وسط كل اللي يعرفه إنه شاب هادي، مؤدب، وبيسمع كلام أمه. عمره ما كان يرفض لها طلب، وكان دايمًا أول واحد يعرض يساعدها في أي شغل في البيت، ويحاول يخفف عنها المسؤولية اللي كانت شالاها لوحدها.
بعده كانت "تينا"، وكان عندها 12 سنة. تينا كانت بنت لطيفة جدًا، مليانة حيوية وطاقة، ودايمًا حركتها كتير. كانت بتحب الضحك واللعب، ووجودها في البيت كان بيضيف جو من البهجة.
أما "ريك"، اللي كان عنده 10 سنين، فكان الطفل الأوسط في العيلة. كان بيعشق اللعب، زي أي طفل في سنه، وكان متعلق جدًا بإخواته، يقضي أغلب وقته معاهم، وما كانش يحب يبعد عنهم.
وأصغر واحد في البيت كان "جريج"، وعمره ما كانش عدى الخمس سنين. كان أصغر فرد في العيلة، وكلهم كانوا بيهتموا بيه ويدلعوه.
وكل سكان المنتجع تقريبًا كانوا متفقين على حاجة واحدة... إن عيلة شارب كانت من أحسن العائلات اللي عايشة هناك. عمرهم ما عملوا مشاكل مع حد، ولا كان يطلع منهم صوت أو دوشة تزعج الجيران، وكانوا معروفين باحترامهم وأخلاقهم، وعشان كده كانوا محبوبين من كل الناس.
العيلة عاشت في الكوخ رقم 28 كام شهر، وكانت حياتهم ماشية بهدوء واستقرار. صحيح ظروفهم المادية ما كانتش سهلة، لكنهم كانوا راضيين باللي عندهم، وبيحاولوا يعيشوا حياتهم في سلام.
"سو شارب" كانت شغالة في وظيفة بسيطة، والمرتب اللي كانت بتاخده بالعافية كان بيكفي مصاريفها هي وأطفالها الخمسة. ومع ذلك، كانت ست قوية، تعرف تدبر أمورها كويس، وتحسب كل قرش، وتعمل المستحيل علشان توفر لأولادها حياة كريمة، وما يحسوش إنهم ناقصهم حاجة رغم ضيق الحال.
على طول جنب عيلة شارب، كان فيه الكوخ رقم 27، وكانت ساكنة فيه عيلة اسمها "سيبولت". ومع الوقت، اتكونت صداقة قوية جدًا بين "شيلا شارب"، أكبر بنات العيلة، وبين واحدة من بنات عيلة سيبولت. كانوا قريبين من بعض جدًا، ودايمًا يقضوا وقتهم مع بعض بحكم إنهم جيران.
أما من الناحية التانية، فكان فيه الكوخ رقم 26، وده كان ساكن فيه راجل اسمه "مارتن سمارت"، عايش مع مراته "مارلين"، وطفليهم.
لكن العيلة ما كانتش عايشة لوحدها، لأن كان فيه راجل تاني مقيم معاهم في نفس الكوخ، واسمه "جون"، لكن أغلب الناس كانوا يعرفوه بلقبه "بو"، أو "بو بوبييد".
ومارتن سمارت ما كانش شخص محبوب وسط سكان المنتجع. الراجل ده كان محارب سابق في الجيش، وبعد ما رجع من الخدمة العسكرية، خرج منها وهو شايل آثار نفسية صعبة جدًا بسبب اللي شافه في الحرب، واللي دلوقتي بيتعرف باسم اضطراب ما بعد الصدمة.
ومع مرور الوقت، بقى بيلجأ لشرب الكحول بشكل مبالغ فيه. ولما كان يشرب ويفقد السيطرة على نفسه، كان بيتحول لشخص عصبي جدًا، سريع الغضب، وتصرفاته تبقى عنيفة، وعلشان كده أغلب الجيران كانوا بيتجنبوا الاحتكاك بيه أو التعامل معاه.
أما الراجل اللي كان عايش معاه، "بو بوبييد"، فسمعته ما كانتش أحسن منه خالص. بالعكس، ناس كتير من سكان المنتجع كانوا شايفين إنه بنفس الخطورة، ويمكن أكتر.
كان معروف عنه إنه عدواني في تصرفاته، وبيشرب كحول بكميات كبيرة، وكمان كان عنده سجل جنائي من قبل، وده زود خوف الناس منه.
وبعض الجيران اعترفوا بعد كده إنهم كانوا فعلًا بيخافوا من "بو"، وبيحاولوا ما يتعاملوش معاه على قد ما يقدروا.
وحتى "مارلين"، مرات مارتن، ما كانتش علاقتها مستقرة بيه، وكانت بينهم خناقات ومشاجرات بتحصل بشكل متكرر، سواء بسبب شربه أو بسبب عصبيته.
وعلشان كل الأسباب دي، الكوخ رقم 26 بقى واخد سمعة سيئة جدًا وسط سكان المنتجع، وبقى أغلب الناس بيتجنبوا يقربوا منه أو يدخلوا عند أصحابه.
لكن رغم كل ده، فضلت عيلة شارب محافظة على علاقتها الطيبة مع كل جيرانها، وما كانوش بيعملوا مشاكل مع أي حد، حتى مع عيلة "سمارت"، كانوا بيتعاملوا معاهم باحترام، زي تعاملهم مع باقي سكان المنتجع.
قبل ما الليل ييجي يوم 11 أبريل سنة 1981، كانت العلاقة بين العيلتين قوية جدًا، وأطفالهم تقريبًا كبروا مع بعض.
جاستن سمارت، ابن مارتن سمارت، كان عنده 12 سنة، وكان من أقرب أصحاب ريك وجريج شارب. التلاتة كانوا دايمًا مع بعض، يلعبوا بالساعات، يجروا بين الأكواخ، ويقضوا أغلب يومهم في المغامرات البسيطة اللي كان بيعيشها أطفال المنتجع. ولأن العيلتين كانوا أصحاب، كان شيء طبيعي جدًا إن الأولاد يباتوا عند بعض من وقت للتاني، من غير ما حد يقلق أو يستغرب.
وفي مساء يوم السبت، 11 أبريل سنة 1981، كان جاستن متفق إنه هيبات الليلة في الكوخ رقم 28 مع صاحبيه ريك وجريج. بالنسبة لهم كانت ليلة عادية جدًا، مليانة لعب وضحك وسهر، خصوصًا إنهم كانوا في عطلة نهاية الأسبوع، ومفيش مدرسة تاني يوم.
الجو في المنتجع كان هادي ولطيف، والهواء الجبلي البارد كان مدي المكان إحساس بالراحة. الكبار كانوا مستمتعين بالهدوء، وكل شيء كان ماشي بشكل طبيعي، من غير أي علامة توحي إن الساعات الجاية هتتحول لكابوس.
وفي نفس الليلة، كانت شيلا شارب، البنت الكبيرة في العيلة، طلبت من والدتها إنها تبات عند أصحابهم، عيلة سيبولت، اللي كانوا ساكنين في الكوخ رقم 27، الملاصق ليهم. الأم وافقت من غير أي تردد، لأنها كانت تعرف العيلة كويس جدًا، وكانت واثقة فيهم تمامًا.
شيلا جمعت شوية هدومها وحاجتها، وخرجت من الكوخ رقم 28، ومشت كام خطوة بس لحد الكوخ المجاور، رقم 27، عشان تقضي الليلة هناك مع صديقتها، وهي مش متخيلة أبدًا إن القرار البسيط ده هيكون السبب في نجاتها من واحدة من أبشع الجرائم اللي شهدتها أمريكا
قبل ما الليلة تكمل، كانت سو شارب قاعدة في الكوخ رقم 28 مع أولادها الأربعة الباقيين. أما شيلا، فكانت بالفعل راحت تبات عند عيلة سيبولت في الكوخ رقم 27.
وفي نفس اليوم، كان جون شارب عزم صاحبه المقرب دانا وينجيت، اللي كان عنده 17 سنة، إنه يقضي الليلة معاهم. دانا كان شاب من نفس المنطقة، والعيلة كلها كانت تعرفه كويس، وكانت علاقته بيهم طيبة جدًا. وبالأخص جون، لأن الاتنين كانوا صحاب مقربين، يقعدوا بالساعات يسمعوا مزيكا، ويتكلموا، ويقضوا وقتهم سوا في اللعب والهزار.
وبكده، بقى عدد الموجودين داخل الكوخ رقم 28 في الليلة دي سبعة أشخاص بالضبط: الأم سو شارب، وأولادها جون، وتينا، وريك، وجريج، ومعاهم الضيفين دانا وينجيت، وجاستن سمارت اللي كان جاي يبات مع صاحبيه.
كل حاجة كانت ماشية بشكل طبيعي جدًا. مفيش خناقات، ولا أصوات غريبة، ولا أي حاجة تدي إحساس إن في خطر قريب. العيلة كانت قاعدة قدام التلفزيون، والأطفال بيتكلموا ويضحكوا، وكل واحد مستمتع بآخر ساعات من يوم الإجازة، وسط الهدوء اللي كان مالي المنتجع كله.
ومع اقتراب منتصف الليل، بدأ كل واحد يجهز للنوم. الكوخ كان صغير، وفيه أوضتين نوم بس. سو شارب دخلت أوضتها تنام، بينما الأولاد ناموا في الأوضة التانية، وبعض الضيوف أو الأطفال ناموا على الكنبة أو في غرفة المعيشة، لأن المكان ماكانش كبير بما يكفي للجميع.
حوالي الساعة 11:30 بالليل، اتطفت الأنوار، وساد هدوء كامل داخل الكوخ. كل الموجودين كانوا ناموا، وماكانش في أي حركة تُذكر، ولا أي إحساس إن الليلة دي هتكون آخر ليلة في حياة أغلب اللي جواه.
لكن في وقت ما بين الساعة 12 بعد منتصف الليل والساعة 1 صباحًا... اقترب أشخاص مجهولون من الكوخ رقم 28، وتمكنوا من التسلل إلى داخله، لتبدأ بعدها واحدة من أبشع الجرائم وأكثرها غموضًا في تاريخ امريكا
بعد ما المحققين بدأوا يفحصوا الكوخ، أول حاجة خدت بالهم منها إن مفيش أي آثار كسر في الأبواب ولا الشبابيك. مفيش باب مخلوع، ولا زجاج مكسور، ولا أي علامة تقول إن حد اقتحم المكان بالعافية.
وده خلاهم يرجحوا إن اللي دخلوا يا إما استخدموا مفتاح، يا إما كان في باب مفتوح أو مش مقفول كويس.
ومع المعاينة، رجّحوا إن الدخول حصل من الباب الخلفي للكوخ، وهو نفس الباب اللي شيلا شارب لقيته مفتوح لما رجعت الصبح.
ومن أول لحظة، كان واضح إن الموضوع مش سرقة عشوائية. مفيش أي حاجة اتاخدت، ومفيش آثار بحث عن فلوس أو حاجات غالية، فكل حاجة كانت بتقول إن الهجوم كان مقصود ومخطط له.
وبيعتقدوا إن الاعتداء بدأ بالأم، سو شارب، وهي نايمة. واضح إن المهاجمين دخلوا عليها وهي نايمة، وسيطروا عليها الأول، وقيدوها بأسلاك كهربا قبل ما تقدر تفوق أو تصرخ.
وفي نفس الوقت تقريبًا، جون شارب وصاحبه دانا وينجيت صحوا على أصوات حركة جوه الكوخ. ولما حسّوا إن في حاجة غلط بتحصل، حاولوا يتدخلوا ويدافعوا عن سو.
بس المهاجمين كانوا أقوى، وقدروا يسيطروا عليهم هما كمان.
ولما الشرطة وصلت الصبح، لقت مشهد صعب جدًا. غرفة المعيشة كانت مقلوبة، وفيها آثار عنف واضحة في كل حتة، كأن حصلت معركة جوه المكان طول الليل.
بس في حاجة كانت أغرب من كل ده…
تينا شارب، البنت اللي عندها 12 سنة، ماكانتش موجودة جوه الكوخ.
وفي نفس الوقت، لقوا باقي الأطفال الأصغر أحياء في أوضة تانية، بس من غير أي إصابات واضحة، وكأنهم ما اتعرضوش لهجوم زي الباقيين، وده زوّد الغموض أكتر.
وأثناء فحص المكان، المحققين لقوا أدوات بيعتقدوا إنها اتستخدمت في الهجوم، زي مطرقة وسكينة وأدوات تانية.
بعض الأدوات دي كان واضح إنها من جوه الكوخ نفسه، لكن أدوات تانية محدش عارف جت منين.
والغريب إن في سكان قالوا إن الجار مارتن سمارت، اللي كان ساكن في الكوخ رقم 26، كان قبل الحادثة بكام يوم بيقول إن مطرقته اختفت ومش لاقيها.
ومن هنا بدأت الأسئلة تكتر… ومفيش إجابة واضحة.
إزاي هجوم بالشكل ده يحصل جوه كوخ صغير، جدرانه رفيعة، ومن غير ما اللي في الأوضة التانية يحسوا أو يتأذوا؟
سؤال فضل معلق… ولسه لحد النهارده ملوش إجابة قاطعة.
الأطفال اللي كانوا نايمين في الأوضة التانية كانوا ريك شارب، وجريج شارب، وجاستن سمارت. والأغرب من كده إنهم كلهم أكدوا للمحققين إنهم ما سمعوش أي حاجة طول الليل خالص.
قالوا إنهم ما حسّوش بأي صوت غريب، ولا صراخ، ولا حتى حركة تخلّيهم يفوقوا. كأن اللي حصل في الكوخ كان بيحصل في عالم تاني مش جنبهم في نفس المكان.
وقالوا إنهم صحيوا بس الصبح على صوت صريخ شيلا شارب، لما دخلت وشافت اللي حصل جوه الكوخ.
الموضوع ده خلّى المحققين في حيرة أكبر. إزاي هجوم بالشكل العنيف ده يحصل جوه كوخ صغير جدًا، جدرانه رفيعة، ومن غير ما أي حد من اللي نايمين في نفس المكان يحس بحاجة؟
وكمان إزاي المهاجمين قدروا يختاروا ناس بعينهم ويهاجموهم، وفي نفس الوقت يسيبوا التانيين من غير أي أذى تقريبًا؟
وفوق كل ده، كانت في مفاجأة أخطر زوّدت الغموض أكتر…
تينا شارب، البنت اللي عندها 12 سنة، ماكانتش موجودة في الكوخ.
مش موجودة وسط الضحايا، ومش مع الأطفال اللي نجوا، وكأنها اختفت من المكان تمامًا.
شيلا شارب والأطفال التلاتة أكدوا إنها كانت معاهم في الليلة اللي قبل الحادث بشكل طبيعي جدًا، ومفيش أي حاجة كانت غريبة عليها.
في الأول الشرطة فكرت إن تينا ممكن تكون هربت وقت الهجوم، أو خرجت واستخبت في مكان قريب من الخوف.
بس مع عمليات البحث الكبيرة اللي اتعملت حوالين المنطقة وكل مكان ممكن تتخيلوه، مفيش أي أثر ليها ظهر.
لا أثر خطوات، ولا أي علامة تدل إنها خرجت من الكوخ أو بعدت عنه.
وساعتها بدأت الفكرة المرعبة تكبر… إن تينا مش بس مفقودة… لكن مصيرها مرتبط بشكل مباشر باللي حصل جوه الكوخ في الليلة دي.
ومع مرور الوقت، بدأت الأسئلة تكتر أكتر وأكتر:
إزاي الجريمة دي حصلت من غير ما الجيران يسمعوا أي صوت؟
وإزاي الأطفال اللي كانوا نايمين في الأوضة اللي جنب المكان ما صحيوش على أي حاجة؟
وكيف قدر الجناة يدخلوا ويخرجوا من غير ما يسيبوا أي أثر واضح لاقتحام؟
والأهم… ليه ما اتاخدش أي فلوس أو مقتنيات من البيت؟
لأن لما المحققين فتشوا المكان، لقوا كل الحاجات في أماكنها زي ما هي، ومفيش أي حاجة ذات قيمة كانت ناقصة. وده خلاهم من بدري يستبعدوا فكرة إن الدافع كان سرقة.
كمان وجود أدوات مرتبطة بالجريمة جوه الكوخ وبرّه زوّد القضية تعقيد أكتر، لأن شكله ماكانش هدفه فلوس ولا ممتلكات خالص، لكن كان واضح إنه هجوم متخطط له على أشخاص معينين بالذات، مش أكتر.
ومع اختفاء تينا من غير أي أثر، السلطات ما سبتش الموضوع لحظة واحدة. بدأوا عمليات بحث واسعة شملت الغابات الكثيفة، والجبال اللي حوالين المنتجع، وكمان المناطق القريبة كلها. اتعملت نقاط تفتيش في كل مكان، واتحقق مع السكان والجيران واحد واحد، كأنهم بيفتشوا على خيط صغير ممكن يوصل للحقيقة… لكن ولا أي دليل ظهر، ولا أي أثر يحدد هي فين أو إيه اللي حصل لها.
ومع مرور الأيام، القضية بدأت تتحول لهوس حقيقي مسيطر على سكان المنتجع وعلى المحققين نفسهم. الأيام عدّت وبقت أسابيع، والأسابيع اتحولت لشهور، وبعدين سنين كاملة، ومفيش أي جديد، وكأن الحقيقة اتقفلت عليها في مكان محدش قادر يوصل له.
ومع استمرار الغموض ده، اسم واحد بدأ يتكرر أكتر من أي اسم تاني بين الناس والمحققين: مارتن سمارت، جار عيلة شارب، اللي ساكن في الكوخ رقم 26.
الشبهات بدأت تدور حواليه لأكتر من سبب. كان معروف عنه إنه عصبي وعدواني، خصوصًا لما بيكون تحت تأثير الكحول. وكمان علاقته بمراته مارلين كانت دايمًا متوترة، مليانة مشاكل وخناقات مستمرة، لدرجة إن الجيران كانوا بيسمعوا صوت الخلافات دي بشكل متكرر، كأن البيت نفسه مش مستقر على هدوء لحظة واحدة.
فيه شوية من السكان قالوا إن كان فيه خلافات قديمة حصلت بينه وبين سو شارب، بس محدش كان عارف الخلافات دي كانت طبيعتها إيه أو أسبابها الحقيقية.
أما شريكه في السكن، جون “بو” بوبييد، فكان هو كمان شخصية مقلقة جدًا. كان عنده سجل جنائي قبل كده، وكان معروف عنه إنه عنيف في تصرفاته، وده خلّى بعض المحققين يشكّوا إن ممكن يكونوا الاتنين اتعاونوا مع بعض في تنفيذ الجريمة.
لكن رغم كل ده، المشكلة الأساسية فضلت زي ما هي: مفيش أي دليل مادي مباشر يربط أي واحد فيهم بمكان الجريمة.
ولما الشرطة حققت معاهم، الاتنين أنكروا تمامًا أي علاقة بالأحداث. مارتن سمارت كمان اعترض وقال إن ابنه جاستن كان وقتها في بيت عيلة شارب طول الليلة، وإنه من غير المنطقي إنه يعمل جريمة ممكن تعرّض ابنه نفسه للخطر.
وبرغم الشكوك الكتير، السلطات ماقدرتش توجه أي اتهام رسمي لأي واحد فيهم، عشان مكنش فيه أدلة قوية وحاسمة.
ومع الوقت، حياة مارتن الشخصية بقت مضطربة أكتر وأكتر. علاقته بزوجته مارلين وصلت لطريق مسدود، فسيب المنتجع وسافر على مدينة رينو في ولاية نيفادا، وهناك بدأت زوجته إجراءات الطلاق.
الرحيل المفاجئ ده لفت نظر المحققين، وكمان خلّى مارلين نفسها تشك أكتر. حست إن تصرفاته قبل الجريمة وبعدها كانت غريبة ومش طبيعية.
وأثناء تعاونها مع الشرطة، قالت إن مارتن كان متوتر بشكل غير عادي في الأيام اللي قبل الحادثة، وكان بيشرب كحول بكمية أكبر من المعتاد. وكمان لاحظت إنه بقى مهووس بشكل واضح بمتابعة أخبار القضية بعد ما حصلت، وكان بيقرا كل حاجة بتنشر عنها، ويسأل باستمرار عن آخر تطورات التحقيق، وده كان عكس طبعه وشخصيته المعتادة تمامًا.
بعد كده ظهر عنصر جديد زوّد الشكوك وخلّى الموضوع أعقد بكتير.
بعد سنين من الجريمة، اتلاقيت رسالة كان كاتبها مارتن سمارت لمراته السابقة. الرسالة دي كان فيها تعبير غامض جدًا، واتفهم بأكتر من طريقة، لأنها كانت بتقول إنه “دفع تمن حبها بأربع أرواح”.
الكلام ده عمل جدل كبير وسط المحققين والناس اللي بتهتم بالقضية. هل دي كانت اعتراف مخفي منه إنه مسؤول عن مقتل أربع أشخاص؟ ولا مجرد كلام عاطفي مبالغ فيه من راجل منهار بعد ما جوازه اتدمر؟
الخطاب ده اتعرض للتحليل والدراسة، بس الخبراء في النهاية ماقدروش يعتبروا الرسالة دليل قانوني يثبت إنه ارتكب الجريمة. لأن الكلام لوحده—even لو شكله مريب—مايكفيش للإدانة من غير أدلة مادية قوية تدعمه.
بعد تلات سنين كاملة من الجريمة، حصل تطور مهم رجّع القضية تاني للواجهة.
في سنة 1984، كان فيه شخص ماشي في منطقة غابات بعيدة، بيجمع زجاجات وخردة عشان يبيعها، ولما كان بيتحرك بين الأشجار لاحظ حاجة غريبة. قرب أكتر، لقى عظام بشرية وجمجمة مرمية في المكان. فورًا بلغ السلطات عن اللي شافه.
لما الشرطة وصلت للمكان، اكتشفوا إن الرفات البشرية دي كانت بتاعة تينا شارب، البنت اللي كان عندها 12 سنة واللي اختفت ليلة الجريمة. المكان كان في غابة بعيدة جدًا ومقطوعة، على بعد حوالي 97 كيلو متر من الكوخ رقم 28.
خبراء الطب الشرعي أكدوا إن الوفاة حصلت من سنين طويلة، بس مقدروش يحددوا السبب الحقيقي للموت، عشان الجثمان كان متحلل جدًا ومتأثر بعوامل الطبيعة والحيوانات البرية في المنطقة.
ومع كده، المحققين رجّحوا إن تينا اتقتلت بعد وقت قصير من خطفها من الكوخ.
الاكتشاف ده خلّى سؤال مرعب يفرض نفسه: ليه أصلاً اتخدت تينا من البيت؟ لو الهدف كان قتلها بس، ليه ما اتقتلتش جوه الكوخ زي باقي الضحايا؟ وليه تتنقل لمكان بعيد ومعزول بالشكل ده قبل ما تموت هناك؟
السلطات ماكانتش لاقية أي إجابة واضحة للأسئلة دي، فالقضية فضلت واقفة ومش محسومة سنين طويلة.
وبعد حوالي 35 سنة من الجريمة، حصل تطور مهم رجّع القضية تاني للواجهة.
في سنة 2016، مستشار نفسي كان شغال زمان مع المحاربين القدامى كشف عن معلومة كان سايبها ومخبيها لسنين طويلة. قال إنه قابل مارتن سمارت بعد أسابيع قليلة من الجريمة، وكان ده أثناء جلسات علاج نفسي في أوائل مايو سنة 1981.
وبحسب رواية المستشار النفسي، مارتن سمارت كان بيتكلم خلال الجلسات عن الجريمة بطريقة خلت المستشار يشك فيه جدًا، وكان بيقول كلام اتفهم كأنه اعتراف ضمني إنه ليه دور في اللي حصل.
لكن المشكلة إن الكلام ده اصطدم بعقبة قانونية كبيرة، لأن الجلسات دي كانت سرية بين المريض والمعالج النفسي، والقانون بيحمي السرية دي بشكل صارم. وكمان الكلام اللي اتقال جوه الجلسات ماكانش معاه أي دليل مادي مستقل يقدر يتقدم بيه في المحكمة.
وعشان كده، رغم إن الشهادة دي زودت الشكوك حوالين مارتن سمارت، إلا إنها ما كانتش كفاية خالص إنها تثبت التهمة عليه قانونيًا.
والأكثر تعقيدًا إن مارتن سمارت كان مات قبل ما المعلومة دي تطلع للعلن بسنين طويلة، وده خلّى أي محاولة للتحقق منه أو سؤاله مباشرة مستحيلة تمامًا.
وفي سنة 2016، القضية رجعت تاني للواجهة بعد تطور مهم جدًا اعتبره المحققين نقطة تحول.
فريق التحقيق أعلن إنه لقى أداة جديدة مرتبطة بالقضية: مطرقة كانت مرمية جوه بركة مية قريبة من منطقة منتجع كيدي، وكانت هناك من سنين طويلة جدًا، ممكن توصل لعقود.
الأداة دي اتعرضت لتحاليل جنائية حديثة باستخدام تقنيات الـ DNA، وهي تقنيات ماكنتش موجودة وقت الجريمة في الثمانينات. وبدأ الخبراء يحاولوا يطلعوا أي آثار دم أو شعر عليها، وبعدين يقارنوا النتائج بالعينات اللي كانت متجمعة قبل كده من مسرح الجريمة.
وبالتوازي مع ده، اتعاد فحص شوية أدلة قديمة باستخدام تكنولوجيا حديثة، وده ادّى للمحققين أمل إنهم يقربوا أكتر من حل القضية بعد أكتر من 30 سنة.
ورغم كده، القضية مااتقفلتش لحد النهارده، وحتى مع دخول سنة 2026، لسه مفتوحة رسميًا من غير حكم نهائي.
وده بيرجع لإن أغلب المشتبه فيهم الأساسيين ماتوا بالفعل، وأهمهم مارتن سمارت اللي توفى سنة 2000، وكمان عدد من الناس اللي كان ليهم علاقة بالقضية أو شهود محتملين، وده خلّى الوصول للحقيقة الكاملة أصعب بكتير.
أما الناجين من الليلة دي، فآثارها النفسية فضلت معاهم لحد النهارده:
شيلا شارب، اللي كانت أول واحدة تكتشف الجريمة، اتكلمت بعد كده في مقابلات وقالت إنها لسه بيعاني من كوابيس متكررة، وصور مش بتسيب دماغها عن اللي شافته جوه الكوخ.
ريك وجريج شارب، الطفلين الأصغر وقتها، اختاروا يبعدوا عن الأضواء، وحياتهم فضلت متأثرة بصدمة الليلة دي اللي غيرت طفولتهم بالكامل.
جاستن سمارت، اللي كان نايم في الكوخ وقت الحادثة، عاش سنين طويلة مع تساؤلات موجعة: هل سمع حاجة؟ هل شاف حاجة من غير ما ياخد باله؟ ولا في حاجة اتخبّت عليه؟ وبعدها اتوجهت له شوية شكوك غير مؤكدة، لكن مااتثبتش عليه أي تورط نهائيًا.
وبين كل التفاصيل دي، فضلت أسئلة أساسية من غير إجابة واضحة:
هل مارتن سمارت كان الفاعل الحقيقي، ولا كان جزء من مجموعة أكبر؟
هل فيه شركاء تانيين لسه مااتكشفوش؟
ليه بعض الأطفال نجوا بينما البالغين اتقتلوا؟
وإيه السبب الحقيقي لنقل تينا شارب لمكان بعيد قبل ما تموت؟
ورغم التقدم الكبير في تقنيات التحقيق الحديثة، الأدلة لسه مش كفاية لإغلاق الملف بشكل نهائي، ولسه القضية لحد النهارده بتتطرح كواحدة من أكثر القضايا غموضًا في تاريخ الولايات المتحدة، حيث الأدلة المادية موجودة جنب فراغات كبيرة في الشهادات، من غير ما الصورة تكتمل بشكل نهائي.