في الأول، إيلي ما ادّاش اهتمام كبير للبلاغات اللي كان بنيامين بيبعتها كل يوم تقريبًا عن زيادة النشاط المصري.
بالعكس...
كان شايف إن بنيامين ساعات بيكبر الأمور، وبيفسر أي حركة على إنها استعداد لحاجة كبيرة.
خصوصًا بعد حكاية "كتيبة المدفعية" الغامضة... اللي بنيامين أقسم إنه شافها بعينه، بينما الدمنهوري فضل مصرّ إنها أصلًا ما كانتش موجودة.
ومن ساعتها...
بدأت نقطة شك صغيرة تدخل عقل إيلي.
شك زرعه الدمنهوري بنفسه.
وعشان كده، لما كان إيلي بيبعت تقاريره للمخابرات العسكرية، كان ساعات يضيف ملاحظة صغيرة يقول فيها إن بعض تقديرات قائد الحصن ممكن تكون محتاجة مراجعة، أو إنها مش دقيقة بالشكل الكافي.
لكن الأيام كانت بتمشي...
والبلاغات اللي جاية من كل قطاعات القناة كانت بتزيد بشكل ملحوظ.
وده خلّى قيادة المخابرات العسكرية نفسها تبدأ تاخد الموضوع بجدية أكبر.
وبقوا يطلبوا من إيلي بنفسه إنه يؤكد تقريبًا كل معلومة بيبعتها بنيامين.
وساعتها...
بقت تقارير إيلي ليها وزن أكبر من الأول.
وفي يوم...
بعد أقل من ساعة من ما إيلي بعت تقرير عن نشاط غير طبيعي على الجانب المصري...
قطع صوت مروحية هدوء المكان.
المروحية نزلت جنب الحصن وسط سحابة كبيرة من التراب والرمال.
نزل منها ميجور من المخابرات العسكرية.
دخل الحصن بسرعة...
اتكلم مع بنيامين كام كلمة على السريع...
وبعدين طلب إن إيلي يطلع معاه فورًا على برج المراقبة.
الغريب...
إنه تعمد يسيب بنيامين تحت.
وطلع هو وإيلي لوحدهم.
فوق أعلى نقطة في البرج...
وقف الاتنين بالمناظير المكبرة، وبصوا ناحية الضفة المصرية.
الميجور فضل يراقب كام دقيقة من غير ما ينطق ولا كلمة.
وفجأة قال:
شايف إيه يا إيلي؟
رفع إيلي المنظار تاني وقال:
شايف جنود وضباط مصريين شغالين جوه مناطق حقول الألغام... واضح إن فيه نشاط هندسي كبير.
ابتسم الميجور ابتسامة خفيفة وقال:
لأ... دول مش بيزرعوا ألغام جديدة... ومش بيجهزوا لهجوم.
بصله إيلي باستغراب.
فكمل الميجور:
اللي بيعملوه ده صيانة دورية للألغام الموجودة... وبيتأكدوا إنها لسه شغالة... وده بيحصل تقريبًا على امتداد الجبهة كلها.
وبعدين أشار بالمنظار ناحية شوية عربيات واقفة ورا.
وقال:
شايف العربيات دي؟
ركز إيلي شوية وقال:
أيوه.
شايف العلامة اللي عليها؟
أيوه.
دي علامة سلاح المهندسين في الجيش التاني المصري.
ابتسم إيلي بسخرية وقال:
أغبيا... كده هما بنفسهم كشفوا أماكن حقول الألغام.
ضحك الميجور وقال:
لا يا إيلي... هما عارفين كويس جدًا إن إحنا عارفين أماكن حقول الألغام من زمان... إحنا بقالنا سنين بنراقب المنطقة متر بمتر... فمش فارق معاهم إذا شفناهم بيشتغلوا هناك ولا لأ.
سكت إيلي لحظة...
وبعدين قال وهو بيهز راسه:
آه... فهمت.
وفضلوا الاتنين يراقبوا الضفة كام دقيقة كمان.
وفجأة...
الميجور نزل المنظار، وبص لإيلي مباشرة.
وقال له:
هو ليه عمرك ما خرجت من الحصن بنفسك؟
استغرب إيلي وقال:
أخرج فين؟
قال الميجور:
بره الحصن... تقرب من الساتر الأمامي... تلف على باقي المواقع... تشوف بعينك بدل ما تعتمد طول الوقت على تقارير غيرك.
قطب إيلي حاجبيه وقال:
دي مش مهمتي... أنا ضابط اتصالات... مش ضابط استطلاع.
ابتسم الميجور ابتسامة هادية وقال:
ساعات يا إيلي... المعلومة اللي بتشوفها بعينك... تساوي ألف تقرير مكتوب.
سكت إيلي...
وبص طويل ناحية الضفة المصرية.
ولأول مرة...
بدأ يحس إن اللي قدامه أكبر بكتير من مجرد نشاط عسكري عادي.
وإن فيه حاجة بتتحضر على الضفة التانية...
حاجة بقت صعبة جدًا إنها تتفسر على إنها مجرد إجراءات روتينية.
رد إيلي بهدوء:
بنيامين محدد شغلي في الاتصالات والتصنت بس، وده اللي بعمله من أول ما جيت الحصن.
هز الميجور رأسه وقال:
يمكن ده كان كفاية قبل كده.
ثم بص له مباشرة وأضاف:
لكن دلوقتي القيادة مش واثقة بشكل كامل في تقديرات بنيامين.
والمخابرات عايزة مصدر تاني للتأكيد.
خصوصًا إن القطاع اللي قدامكم تابع للفرقة 16 مشاة المصرية.
ودي فرقة خط أول، ومعتبرينها من أفضل التشكيلات تدريبًا وانضباطًا.
سكت إيلي لحظة، ثم قال:
تمام... من بكرة هقسم وقتي بين التصنت والمراقبة.
قاطعه الميجور فورًا:
لا... من النهارده، مش من بكرة.
بعد دقائق، كان الميجور نازل السلم الحديدي لبرج المراقبة، وخلفه إيلي.
وفي الأسفل كان بنيامين واقف مع ضابطه المساعد مستنيين.
أول ما وصل إليهم الميجور قال مباشرة:
تعليمات القيادة الجنوبية.
جميع الحصون هتزود معدلات المراقبة.
وأنا قررت إن إيلي يشارك في المراقبة وإرسال التقارير معاك.
ظهرت علامات الاستغراب على وش بنيامين.
ليه القرار ده؟
رد الميجور:
رصدنا زيارات ميدانية أكتر من المعتاد على طول الجبهة.
وفيه تعليمات من رئاسة الأركان بزيادة المراقبة وتدقيق المعلومات.
وعايزين كل تقرير مهم يتراجع من أكتر من ضابط.
عقد بنيامين دراعيه وسأل:
وتقدير المخابرات إيه؟
رد الميجور:
المخابرات شايفة إن المصريين بيجهزوا لمناورات الخريف المعتادة.
بقالهم تلات سنين بيعملوا مناورات مشابهة.
وإحنا عايزين نقارن استعداداتهم السنة دي بالسنين اللي فاتت، ونشوف لو فيه أي اختلافات.
سأل بنيامين:
تتوقعوا يحركوا قوات جديدة؟
ضحك الميجور وهو باصص له، ثم قال ساخرًا:
المرة دي لو ظهرت كتيبة مدفعية هنصورها الأول قبل ما تختفي... زي الكتيبة اللي بلغت عنها في مايو.
اتغير وش بنيامين فورًا.
اللعنة على الكتيبة دي.
لحد النهارده مش فاهم إزاي ظهرت واختفت بالشكل ده.
وإزاي إحنا الوحيدين اللي شوفناها.
ابتسم الميجور ابتسامة خفيفة وقال:
يا عزيزي...
لو كنا بنتكلم عن جيش تاني يمكن كنت صدقت.
لكن المصريين معروفين بالبطء في الحركة الإدارية.
لما بيحركوا كتيبة، العربيات الفنية والإدارية بتتحرك بعدها.
وغالبًا في وضح النهار...
عشان يتجنبوا الحوادث والأعطال.
ثم هز رأسه ضاحكًا:
أما إن كتيبة كاملة بكل معداتها وعربياتها تتحرك بالليل وتختفي في ساعات... دي حكاية صعبة شوية.
حس بنيامين إن الكلام كان زي صفعة مباشرة على وشه.
احمر وشه من الغضب...
لكنه مردش.
وكما جه الميجور بسرعة...
غادر بنفس السرعة.
طلع المروحية...
وبعد دقائق كانت الطائرة بتختفي في الأفق.
وسابت وراها رجال الحصن راجعين تاني لقتالهم اليومي مع الفراغ والملل.
إلا بنيامين...
اللي فضل واقف مكانه للحظات.
ثم لف لإيلي ولضابطه المساعد وقال بانفعال واضح:
أقسم بحياة بنتي... الكتيبة دي كانت موجودة.
وأنا شفتها بعيني.
وكانت موجودة هناك فعلًا.
سكت شوية، ثم أضاف بإصرار:
وبعدها اختفت.
وخلال النصف التاني من سبتمبر...
بدأ كل شيء يبقى واضح لإيلي.
واضح بشكل مبقاش ينفع يتجاهله.
كل يوم تقريبًا كان بيطلع للمراقبة بنفسه.
ويستخدم المناظير.
ويقارن اللي بيشوفه باللي كان بيشوفه قبل شهور.
وكانت التحركات المصرية واضحة وضوح الشمس.
مجموعات مهندسين شغالة باستمرار.
مواقع جديدة بتتجهز.
معدات بتتحرك.
نشاط إداري بيزيد.
وزيارات متكررة لضباط كبار.
وفي كل مرة كان بيبعت تقرير...
كان يكتشف إن النشاط في اليوم اللي بعده أكبر من اليوم اللي قبله.
ولأول مرة من وقت ما وصل الجبهة...
بدأ إحساس مريحش يتسلل جواه.
إحساس إن اللي بيحصل قدامه أكبر من مجرد مناورات موسمية.
وأكبر من مجرد استعدادات تدريبية عادية.
لكن المشكلة...
إن تقريبًا محدش كان عايز يصدق ده.
سواء من برج المراقبة أو من نقطة الرصد اللي كانت تحت البرج على طول، واللي كانت كاشفة لحد عشرين كيلو جوه العمق المصري...
كان إيلي شايف الحركة بعينه كل يوم.
لكن المشكلة إن اللي بيشوفه ماكانش مفهوم.
لا هو حشد واضح للحرب.
ولا هو انسحاب.
ولا حتى تدريب عادي زي اللي متعودين عليه.
وفي ليلة، قعد مع بنيامين فوق الساتر الترابي، بيتابعوا الأضواء البعيدة في الناحية المصرية.
قال إيلي:
اللي بيحصل الأسبوع اللي فات ده مش مفهوم خالص.
بص له بنيامين باستغراب وقال:
إيه اللي مش مفهوم؟
التحركات المصرية.
تقارير المخابرات بتقول إنها استعدادات لمناورات الخريف المعتادة.
تمام.
بس مناورات إيه اللي فيها تحركات بالشكل ده؟
المعروف إنهم يا إما بيسحبوا قوات لورا عشان التدريب...
أو بيدفعوا قوات لقدام ناحية الجبهة.
إنما اللي أنا شايفه حاجة تانية.
تحركات عرضية على طول الجبهة كلها.
وفي نفس الوقت القوات اللي قدام ثابتة في أماكنها.
فكر بنيامين شوية وقال:
فاكر ليلة مناورة الاتصالات اللي عملوها في يونيو؟
ضحك إيلي ضحكة خفيفة وقال:
دي تتنسي؟
ممكن يكونوا بيعملوا نفس الأسلوب.
بس بدل ما تكون مناورة اتصالات...
تبقى مناورة لتحريك القوات.
أو بيختبروا سرعة انتقال الوحدات.
وبعدين شاور ناحية الضفة التانية وقال:
المهم ركز على قطاع اللواء 16 اللي قدامنا.
لو فيه حرب فعلًا...
هنشوف علاماتها هناك الأول.
طبقًا للعقيدة السوفيتية...
المدفعية لازم تتقدم لقدام.
وأماكن تمركز الوحدات هتتغير.
ومسافات انتشار اللواء هتقل عشان يبقى فيه كثافة أكبر عند نقطة العبور.
هز إيلي راسه وقال:
بس ده بالظبط اللي محيرني.
مفيش أي تغيير واضح قدامنا.
كل حاجة على خط القناة طبيعية.
رد بنيامين بثقة:
يبقى غالبًا مجرد تجهيزات للمناورة السنوية.
ما تشغلش بالك زيادة.
ابتسم إيلي ابتسامة باهتة وقال:
طبيعة شغلي خلتني أشك في كل حاجة.
ومع اقتراب آخر سبتمبر...
وصلت رسالة مستعجلة من القيادة لغرفة الاتصالات.
قرأها إيلي أكتر من مرة.
وبعدين رفع عينه بدهشة.
مدير المخابرات العسكرية بنفسه جاي الجبهة...
وهيروح الحصن خلال ساعات.
على طول بدأوا يجهزوا غرفة الاتصالات.
ورتبوا السجلات.
ونظموا التقارير.
وراجعوا أجهزة التنصت.
لأن زيارة شخصية بالمستوى ده...
ما بتحصلش كتير.
وكل اللي في الحصن كانوا متوقعين تفتيش دقيق.
وقرب الضهر...
سمعوا صوت المروحية.
ظهرت من ناحية الشرق.
وبعدين نزلت وسط سحابة كبيرة من التراب.
نزل منها الجنرال زاعيرا ومعاه عدد من كبار ضباط هيئة الأركان.
وبعد كام دقيقة من الكلام الرسمي مع بنيامين وإيلي...
طلب يطلع على طول لنقطة الملاحظة.
وقف الجنرال ماسك المنظار وبيتفرج على الضفة المصرية.
وإيلي واقف جنبه بحكم مسؤوليته عن التقارير والاتصالات.
وخلفهم كان واقف واحد من ضباط هيئة الأركان، ماسك نوتة صغيرة وبيكتب كل كلمة.
فضل زاعيرا يبص بالمنظار كام دقيقة.
وبعدين نزله وقال بهدوء:
واضح إن كل حاجة هادية.
بص إيلي ناحية الضفة التانية.
وبعدين رجع بص للجنرال.
كان فيه مئات التفاصيل الصغيرة اللي بيشوفها كل يوم.
تفاصيل لوحدها ما تبانش مهمة.
لكن لما كلها تتحط جنب بعض...
كانت بترسم صورة مختلفة تمامًا.
صورة هو نفسه لحد دلوقتي مش قادر يفسرها.
وماكانش عارف...
يقول اللي بيدور في دماغه...
ولا يكتفي بالهدوء الظاهري اللي كان باين قدام عين الكل على طول الجبهة.
أكيد. دي نسخة باللهجة المصرية مع استبدال الكلمات الفصحى اللي لسه موجودة، مع الحفاظ على نفس الأسلوب:
الكتابة
هز إيلي راسه وقال:
أيوه يا فندم... قدامنا كل حاجة هادية. لكن في العمق الوضع مختلف شوية.
نزل زاعيرا المنظار وسأله:
إيه اللي شوفته؟
كان فيه تحركات الصبح. على مسافة حوالي 15 كيلو من القناة. زي الأيام اللي فاتت تقريبًا. نفس النمط. ونفس النشاط.
سأله الجنرال بسرعة:
التحركات دي ناحية الجبهة ولا راجعة لورا؟
لا دي ولا دي. تحركات بالعرض. بموازاة القناة.
عقد زاعيرا حاجبيه شوية.
دبابات؟
لا. عربيات نقل مغطاة.
أعداد كبيرة؟
متوسطة. لكن اللي لفت نظري إنها مستمرة بقالها حوالي عشرة أيام.
فضل الجنرال ساكت كام لحظة. وبعدين سأل:
وإيه تقديرك للموقف؟
تنهد إيلي وقال:
بصراحة... لحد دلوقتي ما شفناش أي زيادة واضحة في حجم القوات اللي قدام. ولا أي تغيير كبير في انتشار الوحدات. عشان كده أميل إنها تجهيزات لمناورات. لكن كثافة الحركة أكبر من المعتاد.
هز زاعيرا راسه من غير ما يعلق. وبعدين سأل:
فيه زيارات ميدانية من القادة؟
أيوه يا فندم. كتير.
قد إيه تقريبًا؟
طلع إيلي الكشكول الصغير من جيبه. وقلب كام صفحة. وبعدين قال:
لحد النهارده سجلت 23 زيارة لمواقع الكتيبة الأمامية.
رفع الجنرال راسه بسرعة.
تلاتة وعشرين؟
أيوه يا فندم.
شخصيات مهمة؟
قلب إيلي صفحة تانية وقال:
اللي قدرت أتعرف عليهم بشكل مؤكد... اللواء سعد مأمون قائد الجيش التاني. ومعاه قائد الفرقة 16 عبد رب النبي حافظ. ورئيس الأركان أنور حب الرمان.
وبعدين كمل:
أما باقي الزيارات فكانت لشخصيات معرفتش أحددهم. المسافة كانت بعيدة. وبعضهم ماكانش باين بوضوح.
سكت زاعيرا كام ثانية. وبعدين سأل:
زيارة قائد الجيش قعدت قد إيه؟
كام دقيقة. لف على الجنود في المواقع الأمامية. ووزع عليهم شوية علب.
رفع الجنرال حاجبه باستغراب.
علب؟
أيوه. وعرفت إيه اللي كان فيها؟
رد إيلي على طول:
أكل مجفف ومصاحف.
لف زاعيرا ناحيته بسرعة. حتى الضابط اللي كان بيسجل الملاحظات رفع راسه من الدفتر.
وقال الجنرال:
عرفت منين؟
ابتسم إيلي ابتسامة خفيفة وقال:
لأن بعد الزيارة على طول بدأت الاتصالات بينهم. وبعض الضباط كانوا بيشكروا القيادة على الطرود. واتكرر ذكر المصاحف أكتر من مرة.
وبعدين أضاف:
وفي اليوم اللي بعده شفنا عدد من الجنود وهم بيقلبوا في مصاحف صغيرة وقت الراحة.
سكت زاعيرا. ورفع المنظار تاني ناحية الضفة المصرية.
لكن المرة دي فضل ساكت فترة أطول.
كان المشهد قدامه هادي... هادي أكتر مما لازم.
وفي الخبرة العسكرية أوقات... الهدوء الزيادة في حد ذاته بيبقى معلومة تستاهل القلق.
ثم سأل من غير ما يبعد عينه عن العدسات:
الحالة المعنوية للجنود المصريين؟
فكر إيلي شوية قبل ما يرد:
مرتفعة... أعلى من أي وقت شفتهم فيه قبل كده. مفيش توتر باين. ومفيش علامات إرهاق. بالعكس... الانضباط زاد خلال الأسابيع اللي فاتت.
هنا اتدخل ضابط هيئة الأركان اللي كان بيسجل الملاحظات وقال:
رصدتم أي تحركات لإخلاء عائلات، أو تجهيز مستشفيات ميدانية، أو نقل مخازن دم؟
لأ... مفيش أي حاجة من النوع ده.
هز زاعيرا راسه وهو مرتاح وقال:
ودي أهم حاجة.
وبعدين رجع حط المنظار على عينه وقال بثقة:
لو كان فيه هجوم حقيقي، كانت هتظهر مؤشرات أوضح من كده بكتير. المصريين بيحشدوا عشان مناورة الخريف زي كل سنة. ويمكن المرة دي حبوا يخلوها أكبر شوية من السنين اللي فاتت.
فضل إيلي ساكت.
لأنه من ناحية... مش شايف أدلة قاطعة إن فيه حرب.
لكن من ناحية تانية...
عدد الزيارات. وكثافة التحركات. وحالة النشاط غير المعتادة.
كلها حاجات ماقدرش يتجاهلها.
وبعد كام دقيقة، قفل زاعيرا المنظار وسلمه لواحد من مرافقيه.
وبص لإيلي مباشرة وقال:
كمل تسجيل. ومتفوتش أي تفصيلة، مهما كانت صغيرة. لكن لحد دلوقتي... أنا مش شايف حاجة تدعو للقلق.
فضل إيلي يبص للمروحية وهي بتبعد بعد الزيارة.
وبعدين رجع بعينه ناحية الضفة التانية.
وجواه كان فيه إحساس غريب، مش قادر يفسره.
إحساس إن الصورة كلها كانت قدام الكل...
لكن كل واحد فيهم كان باصص على حتة مختلفة منها وبس.
عدة دقايق بس.
قائد الجيش سلّم على الجنود واحد واحد تقريبًا. ووزع عليهم علب. وبعدها ركب عربيته ومشي.
.
هز زاعيرا راسه وهو بيفكر. ثم قال: تعرف إن بكرة أول يوم رمضان؟
أيوه... عارف.
يبقى ممكن تقول إن الزيارات دي كانت معنوية أكتر منها عسكرية؟
أيوه. من اللي شوفته، الزيارة كانت معنوية بالكامل. الراجل سلّم على الجنود. ووزع الهدايا. ومشي. ده حتى ما رفعش نظارة الميدان ناحية مواقعنا. ولا وقف يتابع أي حاجة عسكرية. مجرد زيارة لرفع المعنويات.
كويس...
سكت زاعيرا لحظة. وبعدين بص له تاني وقال: فيه أي ملاحظات تانية؟
قلب إيلي في الكراسة اللي في إيده.
أيوه. ليلة امبارح رصدنا حوالي خمستاشر عربية نقل رايحة ناحية القناة. والصبح شوفناها راجعة تاني. قبل ما توصل بحوالي ساعتين.
وإيه تحليلك؟
فكر إيلي شوية. وبعدين قال: غالبًا مؤن زيادة للجنود. رمضان داخل. وممكن يكونوا بيزودوا المواقع الأمامية باحتياجات الشهر.
فضل زاعيرا ساكت شوية. وفجأة لف ناحيته. وبص له في عينه وقال: عايز منك إجابة واضحة يا إيلي. من غير مجاملات. ومن غير تحفظ.
المصريين جاهزين للقتال؟
أخذ إيلي نفس عميق. وبعدين قال: من اللي بشوفه بعيني كل يوم... أيوه. جاهزين.
بصراحة أقدر أقول إنهم جاهزين من مايو اللي فات. قوات الخط الأول كفاية جدًا إنها تبدأ أي عملية أول ما يوصلها الأمر.
ساد الصمت كام لحظة.
وبعدين كمل إيلي: لكن...
لكن إيه؟
هيحاربوا فعلًا؟
وإحنا داخلين على رمضان. ومدفعيتهم الرئيسية لسه في الخلف. وما لقيناش مؤشرات الحشد النهائي اللي بنشوفها عادة قبل أي هجوم كبير.
سكت زاعيرا. وما ردش.
إنما لف ناحية بنيامين اللي كان واقف على بعد كام خطوة. وقال: ميجور بنيامين... تحب تجاوب على سؤال إيلي؟
بص بنيامين ناحية الضفة الغربية للقناة. وابتسم ابتسامة خفيفة. وقال بثقة: لا. أنا مش معتقد إن المصريين هيحاربوا في رمضان. ولا حتى بعد رمضان.
بص له زاعيرا وقال: ليه؟
إيلي شايف إنهم جاهزين للحرب من شهور.
رد بنيامين على طول: الجاهزية حاجة. وقرار الحرب حاجة تانية خالص.
وبعدين أشار ناحية المواقع المصرية. اللي قدامنا دول جنود كويسين. منظمين. ومتدربين. ومفيش شك في كده.
لكن الحرب مش قرار كتيبة ولا فرقة. الحرب قرار دولة كاملة.
طلع سيجارة وولعها. وبعدين كمل: المصريين جربوا الحرب قبل كده. وخسروا سينا كلها. وخسروا سلاحهم الجوي. وخسروا آلاف الجنود.
وهم عارفين كويس إن أي حرب جديدة هتبقى مخاطرة أكبر بكتير.
نفث الدخان براحة. وقال: وعشان كده أنا مقتنع إن كل اللي بنشوفه ده... مجرد مناورات. ورسائل سياسية. ومحاولة ضغط نفسي علينا.
لكن حرب بجد؟
هز راسه بالنفي. لا أعتقد.
بص زاعيرا ناحية الضفة التانية للقناة آخر مرة. وقال بهدوء: أتمنى تكون على حق يا بنيامين.
لكن إيلي، وهو بيتابع الأفق البعيد عبر القناة، ما كانش حاسس بنفس اليقين اللي كان قائد الحصن بيتكلم بيه.
ابتسم بنيامين ابتسامة واثقة وقال:
هم جاهزين شكلاً... آه.
إنما من ناحية الواقع؟ لأ.
بص له زاعيرا باهتمام.
فكمل بنيامين:
لو بصيت على انتشارهم هتلاقي مواقع دفاعية منظمة.
وخنادق.
ونقط حصينة.
ووحدات موجودة في أماكنها.
يعني من الناحية النظرية مستعدين يصدوا أي هجوم من جانبنا.
لكن الهجوم حاجة تانية خالص.
وأشار بإيده ناحية الضفة الغربية.
أنا بشوف الناس دي كل يوم من ست سنين تقريبًا.
وبصراحة اللي شايفه إن الملل أكلهم.
نفس الوجوه.
نفس المواقع.
نفس الروتين.
لدرجة إن تدريبات اللياقة الصباحية بقت حمل تقيل على ناس كتير منهم.
وفيه جنود بيتحايلوا علشان يخلعوا منها.
ثم ضحك ضحكة قصيرة وقال:
ده غير إن قائد الكتيبة اللي قدامنا... طنطاوي.
سمح لجنوده ينزلوا يعوموا في القناة.
حاجة ماكنتش بتحصل زمان.
وده بالنسبة لي دليل واضح إن الدنيا عندهم هادية جدًا.
ومفيش أي استعداد نفسي لمعركة قريبة.
ثم هز راسه بحسم:
لذلك أنا شايف إنهم جاهزين دفاعيًا.
لكن مش جاهزين يهاجموا.
ولو فكروا يعملوا كده...
خسايرهم هتبقى ضخمة جدًا.
ساد الصمت شوية.
ثم قال زاعيرا:
كلام منطقي.
ومترتب.
وأقرب تقدير للصواب.
لف ناحية الضابط اللي معاه وقال:
اكتب.
طلع الضابط قلمه بسرعة.
وقال زاعيرا بالراحة:
القوات المصرية قدام حصن مستميد في أوضاع دفاعية.
مفيش أي مؤشرات مباشرة إن عندهم نية للهجوم.
وفيه مظاهر تراخي وقلة انضباط في بعض مواقع الخط الأول.
التقدير الحالي: مش جاهزين للهجوم.
سجل الضابط الملاحظات.
وقفل الدفتر.
بص زاعيرا في ساعته.
ثم قال:
تمام يا رجالة.
قدامي برنامج طويل النهارده.
ولسه عندي مواقع تانية لازم أزورها.
واتحرك فعلًا كام خطوة ناحية المروحية.
لكنه فجأة وقف.
ولف ناحية إيلي.
بص له كام ثانية.
ثم قال:
إنت ضابط شاطر يا إيلي.
وطريقتك في المتابعة دقيقة.
أظن إني هحتاجك قريب في مكان تاني.
وقف إيلي باستعداد ورد فورًا:
تحت أمرك يا جنرال.
هز زاعيرا راسه.
وكمل طريقه ناحية المروحية.
وبعد كام دقيقة ارتفعت الطيارة في السما واختفت بعيد فوق الصحرا.
فضلوا الرجالة يبصولها لحد ما اختفت تمامًا.
بعدها لف بنيامين ناحية إيلي وهو بيبتسم.
وربت على كتفه.
مبروك يا صاحبي.
بص له إيلي باستغراب.
على إيه؟
ضحك بنيامين.
واضح إنك هتخلع من حفرة الفيران دي أسرع مما كنا متخيلين.
ابتسم إيلي لأول مرة من كام يوم.
وبص حواليه للرمال الممتدة والدشم الخرسانية والأسلاك الشائكة.
ثم قال بسخرية:
بعد كل الشهور دي...
يمكن فعلًا جه وقت الهروب من المكان ده.
ضحكوا الاتنين.
وفي الوقت اللي كانت فيه الضفة التانية من القناة باينة هادية تمامًا...
هادية لدرجة إن محدش كان يتخيل إن التاريخ كان بيستعد يكتب فصل جديد بعد أيام قليلة بس.
أرسل إيلي تقرير زيارة مدير المخابرات لقيادة المخابرات الإسرائيلية زي ما كان بيعمل كل مرة.
وبرضه زي كل مرة...
بعته على التردد 109.
كان عارف كويس إن المخابرات المصرية "راكبة التردد"، يعني أي رسالة بتتبعته عليه بتكون مرصودة عندهم لحظة بلحظة.
وكان عارف كمان إن كتيب الشفرة الجديد وصل لهم.
فكان ساعات يحس إن التقرير وهو بيبعته رايح لتل أبيب... وفي نفس الوقت بيتقري في القاهرة.
وكان الرد دايمًا يوصله بكلمتين أو تلاتة مالهمش أي معنى لحد غيره.
لكن هو كان بيفهمهم كويس.
وأول ما يقراهم، كان بيبتسم من جواه... ويحس إن فيه حد بيطمنه.
وجريت الأيام بسرعة...
لحد ما جه صباح 5 أكتوبر 1973...
الموافق 9 رمضان.
وفجأة وصلت إشارة مستعجلة لغرفة الاتصالات.
فتحها إيلي بسرعة، وقراها وهو مستغرب:
"رقم 11 في الطريق إليكم."
فضل باصص في الورقة ثواني.
وبعدين قال لنفسه:
رقم 11... يعني موشي ديان!
رفع عينه باستغراب.
إيه اللي جايبه الحصن في التوقيت ده؟
كان بنيامين واقف جنبه، فخد الورقة منه وقراها.
وأول ما خلص، خرج من المكتب وهو بينادي بصوت عالي:
كله يستعد... عندنا زيارة مهمة.
وبدأ يلف بنفسه على الجنود، يتأكد إن هدومهم مظبوطة، والمواقع مترتبة، وكل حاجة شكلها يليق بالزيارة.
وقبل المغرب بشوية...
اتسمع صوت مروحيات في السما.
وبعدها ظهرت طيارتين.
الأولى فيها موشي ديان ومعاه مساعده.
والتانية مليانة مصورين وصحفيين.
ابتسم إيلي وهو بيبص عليهم وقال بهزار:
أهو جه... ومعاه الكاميرات كالعادة.
كان ديان معروف إنه بيعشق الإعلام.
مايتحركش في زيارة إلا ومعاه مصورين ياخدوا له صور وهو بيتفقد الجبهة، ويبان قدام الناس إنه البطل اللي دايمًا في الصفوف الأولى.
نزل من الطيارة، وسلم على بنيامين والضباط، وضحك معاهم شوية.
والكاميرات ماشية وراه في كل خطوة.
وبعدين طلع لنقطة المراقبة.
وأول ما مسك المنظار وبص ناحية الضفة المصرية...
لف لضباطه وهو بيضحك وقال ساخرًا...
ها...
أين الجيش المصري الذي يخيفكم منذ شهر كامل؟
ضحك بعض المرافقين.
وأكمل ديان وهو يشير بيده نحو الضفة الأخرى:
أنا لا أرى سوى جنود صائمين...
ينتظرون أذان المغرب.
ثم أعاد النظر عبر المنظار وقال مازحًا:
وإذا استمر الوضع بهذا الهدوء...
فربما أرسل لهم بعض الطعام من عندنا بعد الإفطار.
تعالت الضحكات حوله.
بينما بقي إيلي صامتًا.
يراقب الضفة الأخرى بصمت.
ولأول مرة منذ شهور...
لم يجد نفسه قادرًا على الضحك مع الباقين.
بص موشي ديان ناحية بنيامين وقال:
بيقولوا في الموساد إن الحرب قربت... الكلام ده بجد؟
رد بنيامين بثقة وهو بيعدل وقفته:
المصريين لسه على أوضاع دفاعية، ومفيش أي علامة إن المدفعية بتاعتهم اتقدمت عشان تغطي أي هجوم. الكتيبة اللي قدامنا لسه عايشة في راحة واسترخاء... طول النهار نايمين، وبعد المغرب شوية حركة وخلاص. الصيام مأثر عليهم جدًا، وده كلنا عارفينه.
قال ديان:
بس تقرير المخابرات بيقول إن فيه أوامر وفتوى من الأزهر إن الجنود يفطروا عشان المناورة اللي مسمينها "تحرير 44".
ابتسم بنيامين بسخرية وقال:
يسموه تحرير 44... تحرير مليون... مش هيفرق. هما مش هيحاربوا. ولو حتى نزلوا المية، مش هنسيب واحد فيهم يطلع الضفة الشرقية... هيبقوا أكل للسمك في القناة.
ضحك ديان وقال:
عاجباني ثقتك يا بني.
ابتسم بنيامين وقال:
يا جنرال موشي... إنت تعرفني من أيام حملة 56. عمرك شفتني بتهاون؟
ربت ديان على كتفه وقال:
سمعتك سبقاك يا بني... وبعد شهرين هطلبك في هيئة أركان الجنرال إليعازر.
كادت الفرحة تطير ببنيامين.
أخيرًا يا موشي... أخيرًا هسيب الجحر ده؟
ضحك ديان وقال:
كفاية عليك المدة دي... من حقك ترتاح شوية.
ما طولش ديان في الحصن.
ركب الهليكوبتر، وخلفه المصورين والصحفيين، ورجع الهدوء للمكان من تاني.
طلع إيلي لنقطة المراقبة، وفضل يبص على الضفة المصرية.
المشهد كان عادي جدًا...
جنود بيغسلوا هدومهم في مية القناة.
وغيرهم بيصطادوا سمك.
وجندي ناشر هدومه على شجرة عشان تنشف.
كل ده كان بيتكرر كل يوم.
لكن فيه حاجة شدت انتباه إيلي.
ولا واحد فيهم كان شايل سلاحه.
لا في إيده...
ولا حتى جنبه.
اتعجب وقال لنفسه:
إيه اللي مديهم الإحساس بالأمان ده كله؟
فضل يراقبهم شوية.
ولما أذن العصر من الضفة المصرية، طلع بنيامين لنقطة المراقبة.
اتكلموا دقايق، وبعدها نزل إيلي وهو نفسه ينام شوية.
وفي طريقه عدّى على غرفة الاتصالات.
سأل لو فيه جديد.
وقعد يقلب في الإشارات اللي وصلت آخر كام ساعة.
وفجأة وقعت عينه على رسالة على التردد 109.
"فنجان شاي مع سيجارتين ما بين العصر والمغرب."
أول ما قراها...
ابتسم من قلبه.
عرف إن الرسالة جاية من الشخص الوحيد اللي مستنيه.
دخل أوضته، ورمى نفسه على السرير بنفس هدومه.
وخلال لحظات...
كان نايم، وعلى وشه ابتسامة هادية.
وبعد العشا...
اتقابل الراجلين كالعادة...
في الحصن المهجور.
المرة دي الدمنهوري وصل متأخر كام دقيقة.
وبعد ما اتأكدوا إن المكان آمن، وسلموا على بعض، والدمنهوري اطمن على أحوال إيلي، سأله وهو بيقعد:
قولي بقى... ديان كان بيعمل إيه عندكم؟
الكتابة
جه زيارة تفقدية.
بيقول إن تقارير الموساد بتقول إن الحرب قربت.
بص له الدمنهوري وقال:
وإنتوا قلتوله إيه؟
قلناله إن الدنيا هادية.
وإن المصريين مسترخيين.
على فكرة... رجال الكتيبة 16 اللي قدامنا بقى عندهم تسيب أكتر من الأول.
لوح الدمنهوري بإيده وقال:
سيبك دلوقتي من الكتيبة 16.
احكيلي بالتفصيل... زاعيرا وديان قالوا إيه وعملوا إيه.
وقعد إيلي يحكي.
من أول لحظة وصلوا فيها.
لحد ما ركبوا الهليكوبتر ومشيوا.
ماسابش تفصيلة.
ولا كلمة.
ولا تعليق.
والدمنهوري كان كل شوية يوقفه.
كان معاهم كام واحد؟
مين كان واقف على يمينه؟
مين اللي كان بيدون الملاحظات؟
مين اللي اتكلم ومين اللي سكت؟
فضلوا أكتر من نص ساعة.
لحد ما الدمنهوري وقف عند نقطة معينة.
وبص في عين إيلي وقال:
زاعيرا كان يقصد إيه لما قالك إنك مش هتقعد هنا كتير... وإنه عايزك في مكان تاني؟
هز إيلي كتفه وقال:
معرفش.
بس غالبًا غلطة بنيامين في موضوع كتيبة المدفعية رفعت أسهمي عند قيادات المخابرات.
ثبت الدمنهوري نظره فيه وقال بهدوء:
وإيه اللي عرفك إن بنيامين كان غلط؟
استغرب إيلي.
يعني إيه؟
هو كان صح؟
رد الدمنهوري بهدوء:
أيوه.
كان صح.
اتسعت عينا إيلي.
إزاي؟
إنت بنفسك قلتلي قبل كده إن مفيش كتيبة مدفعية اتحركت.
ابتسم الدمنهوري ابتسامة خفيفة.
مش مهم دلوقتي.
هتعرف كل حاجة في وقتها.
المهم... ركز معايا.
معاك.
قالها إيلي وهو مال بجسمه لقدام.
قال الدمنهوري:
بكرة الصبح...
بنيامين هيطلب منك تروح حصن لكيكان في البحيرات المرة.
عارفه؟
سمعت عنه.
بس عمري ما رحت هناك.
وبعدين مستحيل أتحرك بكرة.
لا أركب عربية.
ولا أشيل سلاح.
ولا أعمل أي حاجة.
رفع الدمنهوري حاجبه.
علشان عيد الغفران؟
طبعًا.
ده يوم مقدس عندنا.
هز الدمنهوري رأسه وقال:
وأنا عارف ده كويس.
بس بكرة...
هترفض الأول.
وبعدها توافق.
المهم...
قبل الساعة 12 الضهر تكون في لكيكان.
تنهد إيلي وقال:
يا دمنهوري... ده مستحيل.
كل الناس عارفة إني متدين.
ومتشدد جدًا في موضوع عيد الغفران.
لو خرجت أو اتحركت...
هيشكوا فيا.
اقترب منه الدمنهوري وقال بصوت هادي لكنه حاسم:
يا إيلي...
أنا عارف طقوس عيد الغفران عندكم.
وعارف إنت هتقول إيه.
لكن بكرة...
هتعمل اللي بقولك عليه.
وجودك الساعة 12 في لكيكان مهم جدًا لمستقبلك.
نظر له إيلي باستغراب.
مش فاهم.
رد الدمنهوري:
أول ما توصل...
افتح جهاز اللاسلكي الوحيد اللي هناك.
على التردد 109.
واستنى.
مفيش أي حاجة تقلق.
أنا كل اللي عايزه...
تكون هناك الساعة 12 بالظبط.
صعبة؟
سكت إيلي ثواني.
ثم قال:
لا...
حاضر.
هكون هناك.
ابتسم الدمنهوري.
ثم قال قبل ما يقوم:
وخد التلمود معاك.
هز إيلي رأسه.
حاضر... هاخده.
في اليوم التاني...
دخل بنيامين مستعجل على أوضة إيلي.
كان إيلي لابس اللبس الديني، وماسك التلمود، ومنشغل في صلاته.
ناداله:
إيلي... يا إيلي.
لكن إيلي ما ردش.
ناداله مرة تانية... وبرضه ما سمعش أي رد.
في الآخر قرب منه، وحط إيده على كتفه.
إيلي... سيب الصلاة دلوقتي. عايزك تتحرك حالًا على حصن لكيكان عند البحيرات المرة.
رفع إيلي راسه وهو متفاجئ من إن كلام الدمنهوري طلع صح بالحرف.
وقال بهدوء:
يا بنيامين... النهارده عيد الغفران. مستحيل أشتغل، أو أشيل سلاح، أو أتحرك.
رد بنيامين بسرعة:
جندي الاتصالات هناك التقط إشارات مشفرة طالعة من واحدة من السفن الواقفة في البحيرات المرة. القيادة طلبت نتحقق من الموضوع فورًا، ونعرف مصدر الإشارة ومضمونها.
قال إيلي:
خلاص... ابعت أي حد غيري.
هز بنيامين راسه بعصبية.
مينفعش. ديفيد ماسك الاتصالات هنا النهارده، ومفيش حد عنده خبرتك. لازم إنت اللي تروح.
رد إيلي:
يا بنيامين... مقدرش...
وفجأة وش بنيامين احمر من كتر الغضب، وزعق فيه:
إحنا في جيش الدفاع! وده أمر... ولازم تنفذه حالًا. ولو رفضت، هحولك محاكمة عسكرية بتهمة عصيان الأوامر وقت الحرب.
سكت إيلي لحظة... وكأنه استسلم.
وقال بنبرة هادئة:
ليه العصبية دي يا بنيامين؟ أنا حاولت لآخر لحظة أطيع أوامر الرب... وإنت اللي أجبرتني أخالفها. يبقى إنت اللي تشيل مسؤولية مخالفة أوامر الرب.
نفخ بنيامين بضيق وقال:
رب إيه بس؟! ده مش وقت الحاجات دي. اتحرك حالًا لوحدك. خد المدرعة نص جنزير، وامشي من الطريق الجنوبي لحد تقاطع أكافيش، ومنه كمل بمحاذاة البحيرات المرة. الحصن هيبقى على بعد حوالي 12 كيلو جنوبًا. أول ما تقرب هيضربولك طلقة إشارة برتقاني عشان يعرفوك.
قال إيلي وهو ما زال معترض:
وكمان عايزني أسوق؟! وده أصلًا مخالف لتعاليمي في عيد الغفران.
رد بنيامين بنفاد صبر:
مش وقته الكلام ده. الموضوع عاجل، والقيادة في أم مرجم مستنية رد بسرعة.
تنهد إيلي وقال:
حاضر... حاضر.
اديني كام دقيقة... وهتحرك.
عدة دقايق بس.
قائد الجيش سلّم على الجنود واحد واحد تقريبًا. ووزع عليهم علب. وبعدها ركب عربيته ومشي.
.
هز زاعيرا راسه وهو بيفكر. ثم قال: تعرف إن بكرة أول يوم رمضان؟
أيوه... عارف.
يبقى ممكن تقول إن الزيارات دي كانت معنوية أكتر منها عسكرية؟
أيوه. من اللي شوفته، الزيارة كانت معنوية بالكامل. الراجل سلّم على الجنود. ووزع الهدايا. ومشي. ده حتى ما رفعش نظارة الميدان ناحية مواقعنا. ولا وقف يتابع أي حاجة عسكرية. مجرد زيارة لرفع المعنويات.
كويس...
سكت زاعيرا لحظة. وبعدين بص له تاني وقال: فيه أي ملاحظات تانية؟
قلب إيلي في الكراسة اللي في إيده.
أيوه. ليلة امبارح رصدنا حوالي خمستاشر عربية نقل رايحة ناحية القناة. والصبح شوفناها راجعة تاني. قبل ما توصل بحوالي ساعتين.
وإيه تحليلك؟
فكر إيلي شوية. وبعدين قال: غالبًا مؤن زيادة للجنود. رمضان داخل. وممكن يكونوا بيزودوا المواقع الأمامية باحتياجات الشهر.
فضل زاعيرا ساكت شوية. وفجأة لف ناحيته. وبص له في عينه وقال: عايز منك إجابة واضحة يا إيلي. من غير مجاملات. ومن غير تحفظ.
المصريين جاهزين للقتال؟
أخذ إيلي نفس عميق. وبعدين قال: من اللي بشوفه بعيني كل يوم... أيوه. جاهزين.
بصراحة أقدر أقول إنهم جاهزين من مايو اللي فات. قوات الخط الأول كفاية جدًا إنها تبدأ أي عملية أول ما يوصلها الأمر.
ساد الصمت كام لحظة.
وبعدين كمل إيلي: لكن...
لكن إيه؟
هيحاربوا فعلًا؟
وإحنا داخلين على رمضان. ومدفعيتهم الرئيسية لسه في الخلف. وما لقيناش مؤشرات الحشد النهائي اللي بنشوفها عادة قبل أي هجوم كبير.
سكت زاعيرا. وما ردش.
إنما لف ناحية بنيامين اللي كان واقف على بعد كام خطوة. وقال: ميجور بنيامين... تحب تجاوب على سؤال إيلي؟
بص بنيامين ناحية الضفة الغربية للقناة. وابتسم ابتسامة خفيفة. وقال بثقة: لا. أنا مش معتقد إن المصريين هيحاربوا في رمضان. ولا حتى بعد رمضان.
بص له زاعيرا وقال: ليه؟
إيلي شايف إنهم جاهزين للحرب من شهور.
رد بنيامين على طول: الجاهزية حاجة. وقرار الحرب حاجة تانية خالص.
وبعدين أشار ناحية المواقع المصرية. اللي قدامنا دول جنود كويسين. منظمين. ومتدربين. ومفيش شك في كده.
لكن الحرب مش قرار كتيبة ولا فرقة. الحرب قرار دولة كاملة.
طلع سيجارة وولعها. وبعدين كمل: المصريين جربوا الحرب قبل كده. وخسروا سينا كلها. وخسروا سلاحهم الجوي. وخسروا آلاف الجنود.
وهم عارفين كويس إن أي حرب جديدة هتبقى مخاطرة أكبر بكتير.
نفث الدخان براحة. وقال: وعشان كده أنا مقتنع إن كل اللي بنشوفه ده... مجرد مناورات. ورسائل سياسية. ومحاولة ضغط نفسي علينا.
لكن حرب بجد؟
هز راسه بالنفي. لا أعتقد.
بص زاعيرا ناحية الضفة التانية للقناة آخر مرة. وقال بهدوء: أتمنى تكون على حق يا بنيامين.
لكن إيلي، وهو بيتابع الأفق البعيد عبر القناة، ما كانش حاسس بنفس اليقين اللي كان قائد الحصن بيتكلم بيه.
ابتسم بنيامين ابتسامة واثقة وقال:
هم جاهزين شكلاً... آه.
إنما من ناحية الواقع؟ لأ.
بص له زاعيرا باهتمام.
فكمل بنيامين:
لو بصيت على انتشارهم هتلاقي مواقع دفاعية منظمة.
وخنادق.
ونقط حصينة.
ووحدات موجودة في أماكنها.
يعني من الناحية النظرية مستعدين يصدوا أي هجوم من جانبنا.
لكن الهجوم حاجة تانية خالص.
وأشار بإيده ناحية الضفة الغربية.
أنا بشوف الناس دي كل يوم من ست سنين تقريبًا.
وبصراحة اللي شايفه إن الملل أكلهم.
نفس الوجوه.
نفس المواقع.
نفس الروتين.
لدرجة إن تدريبات اللياقة الصباحية بقت حمل تقيل على ناس كتير منهم.
وفيه جنود بيتحايلوا علشان يخلعوا منها.
ثم ضحك ضحكة قصيرة وقال:
ده غير إن قائد الكتيبة اللي قدامنا... طنطاوي.
سمح لجنوده ينزلوا يعوموا في القناة.
حاجة ماكنتش بتحصل زمان.
وده بالنسبة لي دليل واضح إن الدنيا عندهم هادية جدًا.
ومفيش أي استعداد نفسي لمعركة قريبة.
ثم هز راسه بحسم:
لذلك أنا شايف إنهم جاهزين دفاعيًا.
لكن مش جاهزين يهاجموا.
ولو فكروا يعملوا كده...
خسايرهم هتبقى ضخمة جدًا.
ساد الصمت شوية.
ثم قال زاعيرا:
كلام منطقي.
ومترتب.
وأقرب تقدير للصواب.
لف ناحية الضابط اللي معاه وقال:
اكتب.
طلع الضابط قلمه بسرعة.
وقال زاعيرا بالراحة:
القوات المصرية قدام حصن مستميد في أوضاع دفاعية.
مفيش أي مؤشرات مباشرة إن عندهم نية للهجوم.
وفيه مظاهر تراخي وقلة انضباط في بعض مواقع الخط الأول.
التقدير الحالي: مش جاهزين للهجوم.
سجل الضابط الملاحظات.
وقفل الدفتر.
بص زاعيرا في ساعته.
ثم قال:
تمام يا رجالة.
قدامي برنامج طويل النهارده.
ولسه عندي مواقع تانية لازم أزورها.
واتحرك فعلًا كام خطوة ناحية المروحية.
لكنه فجأة وقف.
ولف ناحية إيلي.
بص له كام ثانية.
ثم قال:
إنت ضابط شاطر يا إيلي.
وطريقتك في المتابعة دقيقة.
أظن إني هحتاجك قريب في مكان تاني.
وقف إيلي باستعداد ورد فورًا:
تحت أمرك يا جنرال.
هز زاعيرا راسه.
وكمل طريقه ناحية المروحية.
وبعد كام دقيقة ارتفعت الطيارة في السما واختفت بعيد فوق الصحرا.
فضلوا الرجالة يبصولها لحد ما اختفت تمامًا.
بعدها لف بنيامين ناحية إيلي وهو بيبتسم.
وربت على كتفه.
مبروك يا صاحبي.
بص له إيلي باستغراب.
على إيه؟
ضحك بنيامين.
واضح إنك هتخلع من حفرة الفيران دي أسرع مما كنا متخيلين.
ابتسم إيلي لأول مرة من كام يوم.
وبص حواليه للرمال الممتدة والدشم الخرسانية والأسلاك الشائكة.
ثم قال بسخرية:
بعد كل الشهور دي...
يمكن فعلًا جه وقت الهروب من المكان ده.
ضحكوا الاتنين.
وفي الوقت اللي كانت فيه الضفة التانية من القناة باينة هادية تمامًا...
هادية لدرجة إن محدش كان يتخيل إن التاريخ كان بيستعد يكتب فصل جديد بعد أيام قليلة بس.
أرسل إيلي تقرير زيارة مدير المخابرات لقيادة المخابرات الإسرائيلية زي ما كان بيعمل كل مرة.
وبرضه زي كل مرة...
بعته على التردد 109.
كان عارف كويس إن المخابرات المصرية "راكبة التردد"، يعني أي رسالة بتتبعته عليه بتكون مرصودة عندهم لحظة بلحظة.
وكان عارف كمان إن كتيب الشفرة الجديد وصل لهم.
فكان ساعات يحس إن التقرير وهو بيبعته رايح لتل أبيب... وفي نفس الوقت بيتقري في القاهرة.
وكان الرد دايمًا يوصله بكلمتين أو تلاتة مالهمش أي معنى لحد غيره.
لكن هو كان بيفهمهم كويس.
وأول ما يقراهم، كان بيبتسم من جواه... ويحس إن فيه حد بيطمنه.
وجريت الأيام بسرعة...
لحد ما جه صباح 5 أكتوبر 1973...
الموافق 9 رمضان.
وفجأة وصلت إشارة مستعجلة لغرفة الاتصالات.
فتحها إيلي بسرعة، وقراها وهو مستغرب:
"رقم 11 في الطريق إليكم."
فضل باصص في الورقة ثواني.
وبعدين قال لنفسه:
رقم 11... يعني موشي ديان!
رفع عينه باستغراب.
إيه اللي جايبه الحصن في التوقيت ده؟
كان بنيامين واقف جنبه، فخد الورقة منه وقراها.
وأول ما خلص، خرج من المكتب وهو بينادي بصوت عالي:
كله يستعد... عندنا زيارة مهمة.
وبدأ يلف بنفسه على الجنود، يتأكد إن هدومهم مظبوطة، والمواقع مترتبة، وكل حاجة شكلها يليق بالزيارة.
وقبل المغرب بشوية...
اتسمع صوت مروحيات في السما.
وبعدها ظهرت طيارتين.
الأولى فيها موشي ديان ومعاه مساعده.
والتانية مليانة مصورين وصحفيين.
ابتسم إيلي وهو بيبص عليهم وقال بهزار:
أهو جه... ومعاه الكاميرات كالعادة.
كان ديان معروف إنه بيعشق الإعلام.
مايتحركش في زيارة إلا ومعاه مصورين ياخدوا له صور وهو بيتفقد الجبهة، ويبان قدام الناس إنه البطل اللي دايمًا في الصفوف الأولى.
نزل من الطيارة، وسلم على بنيامين والضباط، وضحك معاهم شوية.
والكاميرات ماشية وراه في كل خطوة.
وبعدين طلع لنقطة المراقبة.
وأول ما مسك المنظار وبص ناحية الضفة المصرية...
لف لضباطه وهو بيضحك وقال ساخرًا...
ها...
أين الجيش المصري الذي يخيفكم منذ شهر كامل؟
ضحك بعض المرافقين.
وأكمل ديان وهو يشير بيده نحو الضفة الأخرى:
أنا لا أرى سوى جنود صائمين...
ينتظرون أذان المغرب.
ثم أعاد النظر عبر المنظار وقال مازحًا:
وإذا استمر الوضع بهذا الهدوء...
فربما أرسل لهم بعض الطعام من عندنا بعد الإفطار.
تعالت الضحكات حوله.
بينما بقي إيلي صامتًا.
يراقب الضفة الأخرى بصمت.
ولأول مرة منذ شهور...
لم يجد نفسه قادرًا على الضحك مع الباقين.
بص موشي ديان ناحية بنيامين وقال:
بيقولوا في الموساد إن الحرب قربت... الكلام ده بجد؟
رد بنيامين بثقة وهو بيعدل وقفته:
المصريين لسه على أوضاع دفاعية، ومفيش أي علامة إن المدفعية بتاعتهم اتقدمت عشان تغطي أي هجوم. الكتيبة اللي قدامنا لسه عايشة في راحة واسترخاء... طول النهار نايمين، وبعد المغرب شوية حركة وخلاص. الصيام مأثر عليهم جدًا، وده كلنا عارفينه.
قال ديان:
بس تقرير المخابرات بيقول إن فيه أوامر وفتوى من الأزهر إن الجنود يفطروا عشان المناورة اللي مسمينها "تحرير 44".
ابتسم بنيامين بسخرية وقال:
يسموه تحرير 44... تحرير مليون... مش هيفرق. هما مش هيحاربوا. ولو حتى نزلوا المية، مش هنسيب واحد فيهم يطلع الضفة الشرقية... هيبقوا أكل للسمك في القناة.
ضحك ديان وقال:
عاجباني ثقتك يا بني.
ابتسم بنيامين وقال:
يا جنرال موشي... إنت تعرفني من أيام حملة 56. عمرك شفتني بتهاون؟
ربت ديان على كتفه وقال:
سمعتك سبقاك يا بني... وبعد شهرين هطلبك في هيئة أركان الجنرال إليعازر.
كادت الفرحة تطير ببنيامين.
أخيرًا يا موشي... أخيرًا هسيب الجحر ده؟
ضحك ديان وقال:
كفاية عليك المدة دي... من حقك ترتاح شوية.
ما طولش ديان في الحصن.
ركب الهليكوبتر، وخلفه المصورين والصحفيين، ورجع الهدوء للمكان من تاني.
طلع إيلي لنقطة المراقبة، وفضل يبص على الضفة المصرية.
المشهد كان عادي جدًا...
جنود بيغسلوا هدومهم في مية القناة.
وغيرهم بيصطادوا سمك.
وجندي ناشر هدومه على شجرة عشان تنشف.
كل ده كان بيتكرر كل يوم.
لكن فيه حاجة شدت انتباه إيلي.
ولا واحد فيهم كان شايل سلاحه.
لا في إيده...
ولا حتى جنبه.
اتعجب وقال لنفسه:
إيه اللي مديهم الإحساس بالأمان ده كله؟
فضل يراقبهم شوية.
ولما أذن العصر من الضفة المصرية، طلع بنيامين لنقطة المراقبة.
اتكلموا دقايق، وبعدها نزل إيلي وهو نفسه ينام شوية.
وفي طريقه عدّى على غرفة الاتصالات.
سأل لو فيه جديد.
وقعد يقلب في الإشارات اللي وصلت آخر كام ساعة.
وفجأة وقعت عينه على رسالة على التردد 109.
"فنجان شاي مع سيجارتين ما بين العصر والمغرب."
أول ما قراها...
ابتسم من قلبه.
عرف إن الرسالة جاية من الشخص الوحيد اللي مستنيه.
دخل أوضته، ورمى نفسه على السرير بنفس هدومه.
وخلال لحظات...
كان نايم، وعلى وشه ابتسامة هادية.
وبعد العشا...
اتقابل الراجلين كالعادة...
في الحصن المهجور.
المرة دي الدمنهوري وصل متأخر كام دقيقة.
وبعد ما اتأكدوا إن المكان آمن، وسلموا على بعض، والدمنهوري اطمن على أحوال إيلي، سأله وهو بيقعد:
قولي بقى... ديان كان بيعمل إيه عندكم؟
جه زيارة تفقدية.
بيقول إن تقارير الموساد بتقول إن الحرب قربت.
بص له الدمنهوري وقال:
وإنتوا قلتوله إيه؟
قلناله إن الدنيا هادية.
وإن المصريين مسترخيين.
على فكرة... رجال الكتيبة 16 اللي قدامنا بقى عندهم تسيب أكتر من الأول.
لوح الدمنهوري بإيده وقال:
سيبك دلوقتي من الكتيبة 16.
احكيلي بالتفصيل... زاعيرا وديان قالوا إيه وعملوا إيه.
وقعد إيلي يحكي.
من أول لحظة وصلوا فيها.
لحد ما ركبوا الهليكوبتر ومشيوا.
ماسابش تفصيلة.
ولا كلمة.
ولا تعليق.
والدمنهوري كان كل شوية يوقفه.
كان معاهم كام واحد؟
مين كان واقف على يمينه؟
مين اللي كان بيدون الملاحظات؟
مين اللي اتكلم ومين اللي سكت؟
فضلوا أكتر من نص ساعة.
لحد ما الدمنهوري وقف عند نقطة معينة.
وبص في عين إيلي وقال:
زاعيرا كان يقصد إيه لما قالك إنك مش هتقعد هنا كتير... وإنه عايزك في مكان تاني؟
هز إيلي كتفه وقال:
معرفش.
بس غالبًا غلطة بنيامين في موضوع كتيبة المدفعية رفعت أسهمي عند قيادات المخابرات.
ثبت الدمنهوري نظره فيه وقال بهدوء:
وإيه اللي عرفك إن بنيامين كان غلط؟
استغرب إيلي.
يعني إيه؟
هو كان صح؟
رد الدمنهوري بهدوء:
أيوه.
كان صح.
اتسعت عينا إيلي.
إزاي؟
إنت بنفسك قلتلي قبل كده إن مفيش كتيبة مدفعية اتحركت.
ابتسم الدمنهوري ابتسامة خفيفة.
مش مهم دلوقتي.
هتعرف كل حاجة في وقتها.
المهم... ركز معايا.
معاك.
قالها إيلي وهو مال بجسمه لقدام.
قال الدمنهوري:
بكرة الصبح...
بنيامين هيطلب منك تروح حصن لكيكان في البحيرات المرة.
عارفه؟
سمعت عنه.
بس عمري ما رحت هناك.
وبعدين مستحيل أتحرك بكرة.
لا أركب عربية.
ولا أشيل سلاح.
ولا أعمل أي حاجة.
رفع الدمنهوري حاجبه.
علشان عيد الغفران؟
طبعًا.
ده يوم مقدس عندنا.
هز الدمنهوري رأسه وقال:
وأنا عارف ده كويس.
بس بكرة...
هترفض الأول.
وبعدها توافق.
المهم...
قبل الساعة 12 الضهر تكون في لكيكان.
تنهد إيلي وقال:
يا دمنهوري... ده مستحيل.
كل الناس عارفة إني متدين.
ومتشدد جدًا في موضوع عيد الغفران.
لو خرجت أو اتحركت...
هيشكوا فيا.
اقترب منه الدمنهوري وقال بصوت هادي لكنه حاسم:
يا إيلي...
أنا عارف طقوس عيد الغفران عندكم.
وعارف إنت هتقول إيه.
لكن بكرة...
هتعمل اللي بقولك عليه.
وجودك الساعة 12 في لكيكان مهم جدًا لمستقبلك.
نظر له إيلي باستغراب.
مش فاهم.
رد الدمنهوري:
أول ما توصل...
افتح جهاز اللاسلكي الوحيد اللي هناك.
على التردد 109.
واستنى.
مفيش أي حاجة تقلق.
أنا كل اللي عايزه...
تكون هناك الساعة 12 بالظبط.
صعبة؟
سكت إيلي ثواني.
ثم قال:
لا...
حاضر.
هكون هناك.
ابتسم الدمنهوري.
ثم قال قبل ما يقوم:
وخد التلمود معاك.
هز إيلي رأسه.
حاضر... هاخده.
في اليوم التاني...
دخل بنيامين مستعجل على أوضة إيلي.
كان إيلي لابس اللبس الديني، وماسك التلمود، ومنشغل في صلاته.
ناداله:
إيلي... يا إيلي.
لكن إيلي ما ردش.
ناداله مرة تانية... وبرضه ما سمعش أي رد.
في الآخر قرب منه، وحط إيده على كتفه.
إيلي... سيب الصلاة دلوقتي. عايزك تتحرك حالًا على حصن لكيكان عند البحيرات المرة.
رفع إيلي راسه وهو متفاجئ من إن كلام الدمنهوري طلع صح بالحرف.
وقال بهدوء:
يا بنيامين... النهارده عيد الغفران. مستحيل أشتغل، أو أشيل سلاح، أو أتحرك.
رد بنيامين بسرعة:
جندي الاتصالات هناك التقط إشارات مشفرة طالعة من واحدة من السفن الواقفة في البحيرات المرة. القيادة طلبت نتحقق من الموضوع فورًا، ونعرف مصدر الإشارة ومضمونها.
قال إيلي:
خلاص... ابعت أي حد غيري.
هز بنيامين راسه بعصبية.
مينفعش. ديفيد ماسك الاتصالات هنا النهارده، ومفيش حد عنده خبرتك. لازم إنت اللي تروح.
رد إيلي:
يا بنيامين... مقدرش...
وفجأة وش بنيامين احمر من كتر الغضب، وزعق فيه:
إحنا في جيش الدفاع! وده أمر... ولازم تنفذه حالًا. ولو رفضت، هحولك محاكمة عسكرية بتهمة عصيان الأوامر وقت الحرب.
سكت إيلي لحظة... وكأنه استسلم.
وقال بنبرة هادئة:
ليه العصبية دي يا بنيامين؟ أنا حاولت لآخر لحظة أطيع أوامر الرب... وإنت اللي أجبرتني أخالفها. يبقى إنت اللي تشيل مسؤولية مخالفة أوامر الرب.
نفخ بنيامين بضيق وقال:
رب إيه بس؟! ده مش وقت الحاجات دي. اتحرك حالًا لوحدك. خد المدرعة نص جنزير، وامشي من الطريق الجنوبي لحد تقاطع أكافيش، ومنه كمل بمحاذاة البحيرات المرة. الحصن هيبقى على بعد حوالي 12 كيلو جنوبًا. أول ما تقرب هيضربولك طلقة إشارة برتقاني عشان يعرفوك.
قال إيلي وهو ما زال معترض:
وكمان عايزني أسوق؟! وده أصلًا مخالف لتعاليمي في عيد الغفران.
رد بنيامين بنفاد صبر:
مش وقته الكلام ده. الموضوع عاجل، والقيادة في أم مرجم مستنية رد بسرعة.
تنهد إيلي وقال:
حاضر... حاضر.
اديني كام دقيقة... وهتحرك.
خرج إيلي بالعربية المدرعة من بوابة الحصن، واتجه ناحية حصن لكيكان على البحيرات المرة... الحصن اللي المصريين كانوا بيسموه "تل سلام".
وطول الطريق، دماغه ما بطلتش تفكير.
أسئلة كتير كانت بتلف جواه...
إيه العلاقة بين الدمنهوري وبنيامين؟
إزاي الدمنهوري عرف إن بنيامين هيطلب مني أروح لكيكان بالشكل ده؟
هو بنيامين عميل لمصر؟
لا... مستحيل.
بنيامين مش بالشخصية دي.
ذكاؤه محدود، وكل همه يرضي الجنرالات عشان يترقى.
أمال الدمنهوري عرف منين؟
وإيه اللي مستنيني في حصن لكيكان الساعة 12 بالذات؟
وليه كان مصرّ يبعدني عن مستميد؟
يا ترى المصريين ناويين يهاجموا الحصن بالليل بعد ما اكتشفوا إن الدخول والخروج منه أسهل من دخول السينما؟
ولا ناويين يقصفوه؟
بس لو هيقصفوه... فهم عارفين كويس إن القصف لوحده عمره ما هيهدم الحصن، بالعكس... هيزود تماسكه.
فضل إيلي سايق في قلب الصحرا، وعينه كل شوية تنزل على خريطة الطريق اللي حاططها على الكرسي اللي جنبه.
وفجأة...
شاف طلقة إشارة برتقاني طالعة لفوق.
ثواني...
ونزلت تاني.
ابتسم وقال:
تمام... يبقى ده حصن لكيكان.
كان الحصن أصغر بكتير من مستميد، لكنه متبني فوق تبة عالية، كاشفة البحيرات المرة كلها.
أول ما وصل...
استقبله الملازم داني بارتياح واضح.
وقال وهو بيجري عليه:
الحمد لله إنك وصلت.
إنت بالنسبالنا طوق النجاة.
استغرب إيلي وقال:
خير... في إيه؟
رد داني:
جندي الاتصالات مش عارف يفك الشفرة... ولا حتى يحدد مصدر الإشارة.
والقيادة بترن علينا كل نص ساعة تسأل: إيلي وصل ولا لسه؟
قال إيلي وهو بيمد إيده:
طيب... وريني الرسالة.
دخل جوه الحصن.
وقبل ما يدخل غرفة الاتصالات، وقف لحظة يبص من فوق التبة على منظر البحيرات المرة والسفن الواقفة فيها.
وبعدين دخل.
أول ما وقعت عينه على ورقة الإشارة...
اتسمرت ملامحه.
التردد...
زاد اهتمامه فورًا.
مسك الورقة، وبدأ يقراها بهدوء.
كانت الرسالة عبارة عن كلمات واضحة، لكن وسطها جمل ورموز مالهاش أي معنى للي يقرأها لأول مرة...
أما إيلي...
فكان عارف إن كل كلمة فيها وراها سر.
بعد حوالي ساعة من الشغل والتركيز...
قدر إيلي أخيرًا يفك الرسالة.
كانت بسيطة جدًا، لكنها بالنسبة له كان ليها معنى تاني خالص.
"خلي الشاي على النار... هنشربه كلنا مع بعض."
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ومسك جهاز اللاسلكي، وضبطه على نفس التردد، وبعت رسالته:
من "جوكر" في لكيكان إلى القيادة...
قدرت أفك الرسالة.
الرسالة مشفرة، ونصها:
"خلي الشاي على النار... هنشربه كلنا مع بعض."
برجاء عرضها على خبراء الشفرات لمحاولة تفسيرها.
لا يمكن تحديد مصدر الإرسال بجهاز استقبال واحد، لأن السفن الموجودة في البحيرات المرة قريبة جدًا من بعض، وممكن الرسالة تكون طالعة من أي سفينة.
هافضل في حصن لكيكان لحد ما توصلني تعليمات جديدة.
انتهى.
كانت رسالة ليها وشين.
قدام القيادة...
كان بينفذ أوامره وبيبعت تقرير عادي.
لكن في الحقيقة...
كان بيبلغ الدمنهوري إنه وصل للمكان المطلوب، زي ما اتفقوا.
أما كلمة "جوكر"...
فكانت اسمه الكودي اللي بيتعرف بيه.
والرسالة نفسها كانت عاملة حيرة للقيادة من الصبح.
الجندي اللي كان ماسك الجهاز قبله مقدرش يفهم منها حاجة.
لأن الكلمات المهمة كانت مستخبية وسط عشرات الكلمات والعبارات اللي مالهاش أي معنى.
وده كان مقصود.
اللي بعتها كان عايز يتعب أي حد يحاول يفكها، ويضيع وقته قبل ما يوصل للمعنى الحقيقي.
أول ما الملازم داني عرف إن إيلي حل المشكلة، ارتاح جدًا.
وأخيرًا خلص من اتصالات القيادة اللي كانت بترن عليهم كل نص ساعة.
ابتسم وقال لإيلي:
يلا بقى... كفاية شغل.
تعالى نشرب حاجة ساقعة فوق في نقطة المراقبة.
المنظر من هناك يرد الروح... ويمكن تفك شوية من ضغط اليوم.
طلعوا الاتنين لنقطة المراقبة أعلى الحصن.
كان المكان معمول للاستراحة.
شمسية كبيرة من بتوع الشواطئ.
وتحتها كرسيين جلد مريحين.
وبجنبهم صندوق تبريد مليان زجاجات مياه غازية ساقعة.
قعدوا يتكلموا شوية.
سأل داني:
هو ليه مقدرتش تحدد مصدر الرسالة؟
رد إيلي:
علشان ده محتاج تلات أجهزة استقبال في تلات أماكن مختلفة.
أول ما الإشارة تتبعت، كل جهاز يحدد اتجاهها، ومن تقاطع الاتجاهات نقدر نحدد مكان الإرسال بالظبط.
لكن هنا مينفعش.
السفن اللي واقفة في البحيرات من سنة 67، واللي بيسموها "الأسطول الأصفر"، كلها لازقة في بعض.
وأي غلطة في تحديد المصدر، ممكن تخلي حد يهاجم سفينة مالهاش ذنب.
وساعتها هتبقى أزمة دولية.
ضحك داني وقال:
القيادة قلبت الدنيا علشان الرسالة دي... كأن الحرب هتقوم.
ابتسم إيلي وقال:
القيادة متوترة بقالها أسبوع تقريبًا.
يكفي إن مدير المخابرات بنفسه جه.
وبعده وزير الدفاع.
قعدوا يتكلموا ويضحكوا.
وأدامهم منظر البحيرات المرة كان هادي بشكل يخدع أي حد.
واتفقوا إنهم قبل المغرب ينزلوا رحلة صيد صغيرة، لأن التيار في الوقت ده بيكون مناسب.
وفجأة...
وسط الهدوء...
وصلهم صوت طيارات جاي من بعيد.
رفع داني راسه باستغراب وقال:
هو في إيه... الطيارات دي جاية منين؟
ملحقش يكمل سؤاله.
في اللحظة اللي بعدها...
طائرات مصرية عدت فوق راسهم مباشرة، في اتجاه عمق سيناء.
قفز داني من مكانه وهو بيجري ناحية الحصن وهو بيصرخ:
إيه اللي بيحصل؟!
المصريين اتجننوا ولا إيه؟!
أما إيلي...
فاتجمد مكانه.
عينه متعلقة بالطائرات وهي بتعدي فوقه.
وعقله بيدور بسرعة يحاول يفهم.
حرب؟!
الساعة اتنين الضهر؟!
في عز النهار؟!
هو... ده السبب الحقيقي اللي خلاني أجي هنا
لاحظ داني وهو واقف على باب الحصن إن إيلي لسه واقف مكانه، مبحلق في السما.
ناداله:
إيلي!
ما ردش.
ناداله مرة تانية بصوت أعلى:
إيلي... تعالى بسرعة!
برضه ما اتحركش.
سابه داني مكانه، وجري على غرفة القيادة عشان يتصل بالقيادة ويعرف إيه اللي بيحصل.
بعد ثواني...
عدت الطيارات المصرية، وبدأ إيلي يبص ناحية اليمين.
وفجأة...
شاف السماء فوق حصن مستميد كلها بقت سودة.
دخان كثيف...
وانفجارات ورا بعض من غير توقف.
مستميد...
الحصن اللي كان فيه من كام ساعة بس...
بقى بيتعرض لقصف مدفعي عنيف.
كان شايف الانفجارات بعينه.
لكن صوتها ما كانش بيوصله إلا بعد ثواني، بسبب بُعد المسافة.
وقف مذهول.
لسانه اتربط.
وعقله وقف عن التفكير.
وفي وسط الصدمة...
افتكر الدمنهوري.
ومن غير ما ينطق...
قال جواه:
الحمد لله...
الحمد لله إني مش هناك.
لو كنت لسه في مستميد...
كنت دلوقتي وسط القصف مع زمايلي.
طلع داني يجري تاني فوق نقطة المراقبة.
في إيده المنظار.
وفي الإيد التانية جهاز لاسلكي صغير.
ورا منه كان فيه حركة سريعة جوه الحصن.
لكن بعد ثواني...
رجع الهدوء.
كل الرجالة دخلوا المواقع الخرسانية.
الحصن كان بعيد عن خط القناة، وخارج مدى المدفعية المصرية.
وكان واضح إن تركيز الضرب كله على حصون خط بارليف القريبة.
وقف داني جنب إيلي وقال وهو بيحاول يفتح جهاز الاتصال:
كل نقاط خط بارليف بتتضرب دلوقتي.
فتح الجهاز.
وفجأة...
بدأت تطلع أصوات متداخلة.
صريخ.
واستغاثات.
وقادة حصون بينادوا على القيادة.
لكن...
مافيش أي رد.
بص له إيلي وسأله:
القيادة قالت إيه؟
هز داني راسه وهو بيحاول يعيد النداء:
الاتصال مقطوع.
ومفيش حد بيرد.
الجندي تحت بيحاول يتصل من شوية... ومفيش فايدة.
سكت إيلي لحظة.
وبعدين قال:
تفتكر دي حرب شاملة...
ولا مجرد اشتباك وكسر لوقف إطلاق النار؟
بص داني في الجهاز، ووشه اتغير وهو بيسمع البلاغات.
وقال بصوت منخفض:
صرخات الحصون عند القنطرة بتقول...
إن قوارب المصريين نزلت المية فعلًا.
يا له من يوم... أكيد هنحصد الجنود دول.
رد داني بثقة:
أكيد يا إيلي.
سأله إيلي وهو لسه متابع اللي بيحصل قدامه:
بس إزاي المصريين داخلين حرب، وجنودهم بالشكل ده؟ إنت شفتهم على خط القناة؟
أيوه... من كام أسبوع.
هز إيلي راسه وقال باستهانة:
يا عيني عليهم... شكلهم غلابة أوي.
ما كدش يخلص كلامه...
إلا وطائرتين ميج 17 مصريتين عدّوا فوق راسهم وهما راجعين قواعدهم.
واحدة منهم كانت طالعة وراها سحابة سودة من الدخان.
ابتسم داني وهو بيشاور عليها وقال:
أهي... واحدة منهم اتصابت.
فضل الاتنين واقفين فوق نقطة المراقبة أكتر من ساعة.
يسمعوا بلاغات الحصون على اللاسلكي...
ويبصوا بالمناظير ناحية القناة.
الانفجارات كانت مالية الأفق.
والبلاغات كل شوية تبقى أسوأ من اللي قبلها.
وفجأة...
قطع الصمت صوت ضابط إسرائيلي وهو بيصرخ هستيري على اللاسلكي:
المصريين رفعوا علمهم على الحصن الرئيسي!... فين الدعم؟!... فين سلاح الجو؟!
بص إيلي وداني لبعض في صدمة.
ولا واحد فيهم نطق.
المصريين...
كانوا نجحوا في العبور.
ورفعوا علمهم على أحد الحصون...
بسرعة ماكانوش يتخيلوها أبدًا.
فضلت الانفجارات طالعة من بعيد فوق حصن مستميد، وإيلي عقله كان مشغول بزمايله والجنود اللي سابهم هناك.
لكن فجأة داني شد انتباهه وهو بيشاور ناحية تانية... جنوب البحيرات المُرة.
يا إيلي... بص هناك!
رفع إيلي المنظار بسرعة.
دبابات!... وعربيات برمائية في المية... المصريين بيعدّوا للشرق!
نزل إيلي يجري على سُلَّم الحصن، ودخل أوضة الاتصالات، وزق الجندي اللي قاعد على الجهاز برفق وقعد مكانه، وبدأ يبعت بسرعة:
من جوكر للقيادة... مدرعات مصرية بتعبر البحيرات المُرة ناحية الشرق.
بص له الجندي باستغراب وقال:
يا فندم... الاتصال بالقيادة مقطوع.
رفع إيلي عينه وسأله بسرعة:
جربت كل الترددات؟
أيوه... بس التعليمات إننا نفضل على التردد 109.
قال إيلي وهو بيرجع يحاول تاني:
خلاص... سيبني أجرب، يمكن الرسالة توصل.
وضغط على مفتاح الإرسال:
من جوكر للقيادة... أنا في لكيكان... اتفاجئنا ببدء الحرب... بطلب التعليمات فورًا... انتهى.
قام من على الجهاز وقال للجندي:
خليك سامع كل الإشارات، وأنا هكون في أوضة القائد. أول ما ييجي أي جديد ناديني.
ما لحقش يخرج من الباب.
فجأة الجهاز طلع إشارة جديدة.
لف بسرعة، ورجع زق الجندي من على الكرسي للمرة التانية، وحط السماعات على ودنه.
سيل من الكلمات المشفرة كان جاي من ناحية مصر.
إيلي سمعها... وفكها في دماغه لحظة بلحظة.
ومع آخر كلمة...
وصلته الرسالة بوضوح:
"استنى مكانك... وما تتحركش لأي سبب."
قلع السماعات بهدوء.
وبص للورقة المليانة كلمات ورموز ملخبطة، وناولها للجندي وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة.
فاهم منها حاجة؟
هز الجندي راسه وهو بيبص للورقة في حيرة.
ولا كلمة يا فندم.
بص الجندي في الورقة شوية، وكل اللي بان على وشه كان الحيرة.
ناولها لإيلي وهو بيهز كتافه.
خطفها منه إيلي وقال بانفعال:
لو كنت في مستميد كنت هفك الشفرة في ثواني... كل أجهزتي هناك، إنما اللي هنا ده جهاز ما ينفعش في حاجة.
رد عليه داني من أوضة القيادة وهو صوته عالي:
ولو كنت في مستميد، كنت دلوقتي محاصر يا صاحبي!
خرج إيلي بسرعة ناحيته.
كمل داني وهو ماسك سماعة اللاسلكي:
بنيامين بيصرخ على الشبكة... بيقول المصريين عبروا، وبدأوا يتوغلوا جوه سينا... الحصن محاصر، وفيه كذا مصاب... والدبابة الوحيدة عندهم اتدمرت.
مر الوقت تقيل جدًا.
إيلي قعد فوق نقطة المراقبة، بيتابع القتال.
يبص شمال ناحية قطاع الجيش التاني...
وبعدين يحول المنظار جنوب ناحية قطاع الجيش التالت.
ومع دخول الليل، طلع داني وقعد جنبه.
سأله:
شايف حاجة جديدة يا إيلي؟
من غير ما ينزل المنظار من على عينه، رد:
واضح إن المصريين بيتقدموا جوه سينا... الانفجارات بقت أبعد بكتير من مدى مدفعيتهم اللي كانت على الضفة الغربية... وده معناه إن المدفعية عدّت القناة هي كمان.
سكت داني لحظة، وبعدين قال:
ولو جم علينا... هنعمل إيه؟
رد إيلي بهدوء:
إحنا جوه حصن، ونقدر ندافع عن نفسنا شوية... بس واضح إن الحصن ده مش هدف للمصريين دلوقتي.
تنهد داني وقال:
يعني هنفضل قاعدين هنا؟... الرجالة مرعوبة، وكل شوية يسألوني مصيرنا إيه.
قبل ما إيلي يرد...
طلع جندي الاتصالات يجري على السلم، وهو بينهج وماسك ورقة في إيده.
يا فندم... رسالة عاجلة من القيادة!
خطف داني الورقة بسرعة وقرأها.
ثم بص لإيلي وقال:
القيادة بتأمر بإخلاء الحصن فورًا... وجوكر يسلم نفسه لقيادة فرقة الجنرال آدان في بئر جفجافة حالًا.
اتجمد داني مكانه وهو بيعيد قراءة الرسالة.
وبعدين قال بانفعال:
إخلاء الموقع؟!
نروح فين؟
بص له الجندي وقال:
الرسالة ما قالتش.
قطب داني حاجبيه، وبص لإيلي وهو ماسك الورقة.
وإنت ضامن منين إن دي رسالة حقيقية؟
ما يمكن المصريين هم اللي باعتينها؟
خد إيلي الورقة من إيد داني، وقعد يراجعها كلمة كلمة.
وبعد ثواني رفع عينه وقال بثقة:
لأ... الرسالة أصلية.
سأله داني بسرعة:
متأكد؟
أيوه... نداءات الاتصال بتاعتنا، ومتشفرة بكتيب الشفرة الجديد... مفيهاش أي شك.
قرب نص الليل، اتجمع رجالة الحصن.
ركبوا تلات عربيات نصف جنزير.
وكان قرارهم إنهم يخرجوا كلهم مع إيلي ناحية بئر جفجافة، عشان يستلموا أوامر جديدة.
أدار إيلي العربية الأولى...
واتحرك الرتل كله وراه.
العربيات كانت بتجري شرق بأقصى سرعة.
ومع كل دقيقة...
كانوا يقربوا أكتر من صوت المدفعية المصرية.
السما كانت ضلمة...
لكن كل شوية تنور بنور الانفجارات اللي مالية الأفق.
ولا واحد فيهم كان بيتكلم.
كل واحد غرقان في أفكاره.
وبعد مسافة...
بدأ صوت المدافع يبعد شوية.
تنفسوا كلهم الصعداء.
لكن الهدوء ما طولش.
في نص الطريق، قابلوا فصيلة دبابات إسرائيلية واقفة.
واضح عليها إنها راجعة من معركة.
وقف إيلي ونزل يقابل قائد الفصيلة.
وشه كان مليان تراب ودخان.
هدومه ممزقة.
وعينيه باين عليهم الإرهاق والانهيار.
عرفوا منه إنهم حاولوا يوصلوا لحصن مستميد ويفكوا الحصار عن الجنود اللي جواه...
لكن الهجوم فشل.
وخسروا كذا دبابة...
وكذا واحد من رجالهم.
بعد كام دقيقة...
رجع إيلي ركب عربيته.
وأمر الرتل يكمل الطريق ناحية الشرق.
وكل ما كانوا يقربوا من بئر جفجافة...
كان وهج النار في السما يزيد.
لحد ما وصلوا.
وأول ما دخلوا المنطقة...
شافوا مركز القيادة مولع.
وأجزاء من مخازن الذخيرة كانت لسه بتحترق.
المكان كله كان في حالة ارتباك.
جنود داخلة...
وجنود خارجة...
وعربيات إسعاف...
وصراخ وأوامر في كل ناحية.
وقف إيلي يبص حواليه في صمت.
كان بيسمع روايات الجنود اللي راجعين من خط القناة.
كل واحد بيحكي تفاصيل مختلفة...
لكن النهاية واحدة.
المصريين نجحوا في العبور...
ودباباتهم بدأت تعبر القناة من حوالي ساعة.
إيلي فضل مذهول وهو بيبص للنيران اللي مولعة في مركز القيادة ومخازن الذخيرة. كل اللي حواليه كان في حالة ارتباك، والجنود اللي راجعين من خط القناة بيحكوا نفس الحكاية... المصريين نجحوا يعدوا، والدبابات المصرية بدأت تدخل سينا من حوالي ساعة.
إيلي فضل يردد بينه وبين نفسه:
إزاي؟!.. إزاي ده حصل؟
كل تقارير المخابرات كانت بتقول إن المهندسين المصريين محتاجين على الأقل 48 ساعة علشان يعملوا الكباري ويعدوا القناة، وإن العملية دي مستحيل تتم بالسرعة دي... ودلوقتي لسه معداش غير حوالي 12 ساعة من بداية الحرب، والدبابات المصرية بقت بالفعل على الضفة الشرقية!
احتاج شوية وقت لحد ما قدر يوصل لمركز قيادة الجنرال أدان، قائد مجموعة العمليات. أدان كان لسه واصل الجبهة بطاقم قيادته، قبل ما توصل معظم قواته المدرعة اللي كانت لسه جاية من عمق إسرائيل.
مركز القيادة ماكانش مركز بالمعنى المعروف... كان عبارة عن أربع عربيات مدرعة واقفين على شكل مربع، وفوقهم شباك تمويه.
استقبله واحد من ضباط الأركان، وبعد ما راجع أوامره، كلفه يتولى مسؤولية اتصالات مجموعة العمليات من داخل عربة الاتصالات المدرعة، اللي كانت ملازمة لعربة قيادة الجنرال أدان.
دخل إيلي العربية، راجع أجهزة الاتصال واحدة واحدة، واتأكد إنها كلها شغالة بكفاءة. بعد كده عرف نفسه للضباط والجنود اللي معاه، واتعرف على مهام كل واحد فيهم.
وقبل الفجر بشوية، دوّى صوت قصف صاروخي مصري قريب جدًا من مكانهم.
في لحظة، الكل جري على الخنادق والحفر، أما الجنرال أدان ففضل واقف فوق عربة مدرعة، بيتابع اللي بيحصل حواليه بمنتهى الثبات.
دقايق، والقصف وقف... لكنه ساب وراه كام دبابة وعربية مدرعة بيتحرقوا.
ومع أول ضوء للنهار، تحرك أدان لاجتماع عاجل في قيادة المنطقة الجنوبية بأم مرجم.
أما إيلي، فرجع لعربة الاتصالات، وبدأ يجهز الأجهزة كلها... واهتمامه الأول كان موجه للتردد 109، مستني أي إشارة جديدة ممكن توصله في وسط الفوضى اللي ابتدت تسيطر على كل الجبهة.
أول ما استلم إيلي أجهزة الاتصال، بعت أول رسالة ليه:
"من جوكر للقيادة... وصلت لمجموعة العمليات 162، وبرافق الجنرال أدان... انتهى."
ما استناش كتير، الرد وصله بسرعة:
"تم الاستلام... استخدم التردد 219 كتردد احتياطي وقت الطوارئ، لأن الاتصالات مع قيادة أم مرجم اتقطعت، والتواصل هيبقى من خلال مركز العريش... انتهى."
عدّى اليوم على إيلي وهو بينقل الرسائل والبلاغات من غير ما يرفع عينه عن أجهزة الاتصال.
لكن الهدوء كان جوه العربية بس...
أما على الجبهة، فكان الجحيم شغال.
احتياطي الجيش الإسرائيلي كان بيتدفق على سينا بشكل متواصل. مئات الدبابات كانت بتوصل واحدة ورا التانية، بعضها محمول على ناقلات، والبعض التاني داخل بجنازيره مباشرة من عمق إسرائيل.
وفي نفس الوقت كانت البلاغات جاية من خط القناة بشكل متواصل... وإيلي بيسمعها وينقلها أول بأول لقيادة العمليات والمخابرات.
حصن (...) سقط... والجنود استسلموا.
حصن (...) محاصر وبيطلب نجدة.
حصن (...) انقطع الاتصال بيه.
كل شوية اسم حصن جديد يختفي من الخريطة.
وأغلب حصون خط بارليف كانت وقعت، رغم إنهم لسه في اليوم التاني بس من الحرب.
الغريب إن ضباط المدرعات اللي لسه واصلين من العمق كانوا مليانين ثقة وحماس. أغلبهم مقتنع إن اللي حصل مجرد مفاجأة مؤقتة، وإن الهجوم المصري هينهار أول ما الاحتياطي يدخل المعركة.
لكن إيلي ماكانش حاسس بنفس الشعور.
جواه كان فيه إحساس غريب... إحساس بالترقب.
كل حاجة شافها من أول الضربة الجوية، وسقوط الحصون، وسرعة العبور، كانت بتقوله إن الحرب دي مختلفة عن أي حاجة اتعلمها أو سمع عنها قبل كده.
ولأول مرة من سنين خدمته... بدأ يشك إن اللي جاي أخطر بكتير من اللي فات.
بالليل، الجنرال أدان جمع هيئة أركانه لاجتماع عاجل.
اتعمل الاجتماع في قلب سينا، وسط مربع من الدبابات، وتحت شباك التمويه. كل الضباط قعدوا على الرمل، وأدان فرد خريطة كبيرة قدامه، وبص لقادة الألوية المدرعة التلاتة وقال:
اسمعوا كويس... بكرة الصبح هنبدأ الهجوم الرئيسي على قلب الجيش التاني المصري. هنخترق المنطقة اللي بين الفرقة 18 في الشمال والفرقة 16 في الجنوب.
وأشار بإيده على الخريطة وهو بيكمل:
كتيبة دبابات من لواء "أرييه" هتثبت الفرقة 16 في الجنوب، وكتيبة تانية من لواء "نتكا" هتعمل نفس الدور قدام الفرقة 18 في الشمال... المطلوب منهم يشغلوا القوات المصرية ويمنعوها من المناورة.
بعدها حط صباعه في منتصف الخريطة وقال بثقة:
أما الضربة الأساسية، فهتبقى بقوة لواءي "نتكا" و"جابي". هنركز أكبر عدد ممكن من الدبابات في نقطة واحدة، ونكسر دفاعات المصريين ناحية الفردان.
ابتسم وهو بيكمل:
بمجرد ما نفتح الثغرة، هندمر الاحتياطي المدرع المصري شرق القناة. تقديرات المخابرات بتقول إن عندهم أقل من لواء مدرع، ومعظم دباباتهم من طراز T-34 القديمة... يعني المهمة مش هتكون صعبة.
وسكت لحظة، قبل ما يكمل:
أول ما نخلص منهم، هنستولى على أكبر عدد من الكباري فوق القناة، ونعبر للضفة الغربية، ونثبت رأس كوبري هناك.
وبعدين بص للضباط حواليه وقال:
مجموعة عمليات الجنرال شارون هتفضل جاهزة للتدخل لو قابلنا أي مقاومة غير متوقعة.
وأشار مرة تانية للخريطة:
ولو الأمور مشت زي ما إحنا مخططين... أول ما قادة الدبابات يبلغونا إنهم شافوا القناة، هنبلغ شارون يتحرك فورًا علشان يدعم هجوم الجنرال ماندلر قدام الجيش التالت ناحية السويس، ويبدأ العبور من منطقة الشط.
بعدها لف ناحية إيلي وقال:
والاتصالات هنا أهم من الدبابات نفسها يا نقيب إيلي. أنا لازم توصلني كل بلاغ أول بأول. هتكون معايا في عربة القيادة طول الهجوم، ومش عايز أي معلومة تتأخر ثانية واحدة.
إيلي هز راسه في هدوء، وبعد ما الاجتماع خلص استأذن.
محتاج أبعت تقرير للمخابرات الحربية بمحتوى الاجتماع... ده جزء من شغلي. أنا دلوقتي مع مجموعة العمليات بشكل مؤقت، لكن تبعيتي الأساسية للمخابرات.
أدان هز كتفه باستهانة وقال وهو بيبتسم بسخرية:
اعمل اللي أنت شايفه... يمكن المخابرات عندكم تلحق تعمل حاجة صح بعد الفشل اللي وقعت فيه. لا عرفوا إن الحرب جاية، ولا عرفوا هتبدأ إمتى ولا منين.
ابتسم إيلي ابتسامة خفيفة من غير ما يرد.
وفي سره... افتكر رسالة الدمنهوري، وحس لأول مرة إن الراجل كان شايف الصورة كلها قبل ما أي حد في إسرائيل يشوفها.
افتكر إيلي الرسالة اللي وصلته قبل كده...
"خلي الشاي على النار... هنشربه كلنا مع بعض."
ابتسم من غير ما يحس، ورجع بسرعة لعربة الاتصالات. اتأكد الأول إنه لوحده، وبعدها فتح جهاز اللاسلكي على التردد 109.
طلع الكراسة الصغيرة من جيبه، وبدأ يبعت تقريرًا مختصرًا بكل تفاصيل خطة الهجوم المضاد اللي شرحها الجنرال أدان في الاجتماع. كتب كل اللي يقدر يفتكره، وبعته مشفر، وهو عارف إن الرسالة دي تمنها عند المصريين ما يتقدرش.
وكما توقع...
الرد جه بسرعة من القاهرة، مستخبي وسط رسالة طويلة مليانة كلمات عادية ورسائل تشويش، زي مئات الرسائل اللي كانت بتعدي كل دقيقة.
لما فك الشفرة، لقى جملة قصيرة:
"تستحق أجازة في باريس... شد حيلك... واستنى الأوامر."
ابتسم إيلي لأول مرة من ساعات.
الكلمات كانت بسيطة، لكنها كانت كفاية ترفع معنوياته.
المرة دي، وعلى عكس اللي كان بيعمله وهو في حصن مستميد، ما بعتش الرسالة دي للمخابرات الإسرائيلية.
دي ما بقتش من اختصاصه دلوقتي، غير إن حالة الارتباك اللي عمت القيادة بعد الضربة الجوية والصاروخية المصرية خلت الاتصالات شبه مشلولة.
استغل الفوضى...
ولع في الورقة بنفسه، وفضل واقف يبص عليها وهي بتتحول لرماد فوق رمال سينا.
بعدها نادى على أحد الضباط، سلمه نوبة الاتصالات، وراح يتعشى بسرعة.
قرب الفجر رجع تاني لعربة الاتصالات.
لقى الضابط المناوب كاتب كومة كبيرة من الرسائل، وكان بالفعل أعاد إرسال أغلبها لقيادة العريش.
وسط الرسايل دي، لفت نظر إيلي إشارة جاية من القاهرة على التردد 109.
بص للضابط وسأله:
الرسالة دي ما اتبعتتش ليه؟
رد الضابط:
بصراحة ما اهتمتش بيها. كانت وسط سيل رسائل جاي من ناحية القاهرة، وسيبتها ليك... أنت الوحيد اللي بتعرف تفك النوع ده من الشفرات وتحدد إذا كانت مهمة ولا لأ.
أخد إيلي الورقة في هدوء، ونزل من العربية المدرعة.
وقف بعيد شوية عن الناس، وفرد الورقة على غطا صندوق ذخيرة، وبدأ يفك الشفرة كلمة كلمة.
استغرق منه شوية وقت...
لكن في النهاية، ظهرت قدامه كلمات واضحة...
كانت أوامر مباشرة جاية من القاهرة.
الليلة دي كانت تقيلة على “إيلي” بشكل مش طبيعي.
أمر غريب وصل له من الدمنهوري: منع مجموعة عمليات الجنرال شارون من إنها تشارك في أي تحرك مع قوات الجنرال أدان، بأي شكل من الأشكال.
إيلي قعد يبص للورقة كأنه بيقرا حاجة مستحيلة…
هو مجرد نقيب مخابرات، قدراته محدودة، وإمكانياته على الأرض شبه معدومة مقارنة بحجم المهمة.
“أزاي يعني أمنع مجموعة عمليات شارون؟ ده مش مجرد قرار… ده شبكة كاملة شغالة بتزامن دقيق مع معركة ضخمة!”
الفكرة نفسها كانت فوق طاقته، وحسّ لأول مرة إنه متورط في حاجة أكبر منه بكتير.
الليل عدى عليه طويل وثقيل.
قاعد في مركز عمله، بيقوم بواجباته الروتينية بشكل آلي، لكن دماغه مشغولة تمامًا.
كل شوية يرجع لنفس السؤال: أنا هعمل ده إزاي؟
ومفيش إجابة.
التوتر كان باين عليه بشكل واضح، لدرجة إن كل اللي حواليه لاحظوا إنه مش في حالته الطبيعية.
مع أول خيط ضوء للفجر، وصلته رسالة مشفرة من قيادة عمليات الجنرال شارون:
"عند وصول قوات الجنرال أدان لخط المياه – كلمة السر: بوكسر – نتحرك جنوبًا."
إيلي قرأ الرسالة مرة… واتنين… وتلاتة.
وبعدين بدأ يتأكد إن كل أفراد طاقم العمل فاهمين مضمونها كويس، لأن التنسيق بين مجموعات العمليات كان جزء أساسي من النظام القتالي المتبع، واللي بيقوم على تنظيم التعاون بين الوحدات المختلفة بدقة شديدة، زي الساعة بالظبط.
ساعات عدّت بعد كده في حالة ترقب صامتة.
الجو كله كان مشحون، كأن في حاجة كبيرة على وشك الانفجار في أي لحظة.
وأخيرًا… صدر الأمر.
الجنرال أدان أمر بالهجوم.
بدأت المدفعية الإسرائيلية بعيدة المدى تفتح نيرانها بشكل متواصل، قصف مركز ومكثف، الأرض نفسها كانت بتتهز تحت ضربات الانفجارات المتتالية.
وبعدها بدقايق، بدأت المدرعات تتحرك ببطء وثبات ناحية خطوط التقدم.
في الخط التاني من الهجوم، كانت العربة المدرعة بتاعة إيلي ماشية ضمن تشكيل القيادة، ملاصقة تقريبًا لعربة قيادة الجنرال أدان.
إيلي كان واقف جوه برج العربة المدرعة، ماسك بحافة الفتحة الحديد، وعينه على المشهد كله قدامه.
انفجارات ورا انفجارات بتضرب الأرض اللي فيها القوات المصرية، والدخان بيعلي وبيغطي أجزاء كبيرة من ساحة القتال.
الجنرال أدان وقف بعد شوية على تبة مرتفعة، نقطة تشرف على ساحة المعركة بالكامل، علشان يراقب سير العمليات لحظة بلحظة.
ومن هناك، بدأ يتابع تقدم القوات وتحركات المدرعات وسط صوت المدفعية اللي ماكنش بيهدى.
اللواءات الإسرائيلية كانت بتتقدم بسهولة شبه مطلقة، نيرانها شغّالة في كل اتجاه، والدبابات بتخترق خط الدفاع المصري كأنه فاضي… مفيش أي طلقة اتضربت، ولا أي جندي مصري باين في المشهد.
وفي أجهزة اللاسلكي، القنوات كانت مفتوحة صوتيًا من غير أي تشفير، فـ إيلي كان سامع كل حاجة بتحصل لحظة بلحظة، كأنه واقف جوه الغرفة نفسها.
قائد لواء جابي:
"فين المصريين؟"
قائد لواء أرييه:
"أنا استهلكت جزء كبير من الذخيرة في الصحراء… مفيش أي أثر لمصري واحد!"
الجنرال إدان:
"كمّلوا تقدم بسرعة… عايزكم على ضفة القناة مع حلول الظهر!"
الكولونيل عساف ياجوري، قائد الكتيبة 113 من لواء جابي، قال بسخرية:
"يمكن المصريين اكتشفوا إنهم غلطوا وانسحبوا بالليل…"
إيلي بدأ يحس بحاجة غريبة… قلق مش مفهوم.
إزاي ده يحصل؟
الدبابات متقدمة مسافة كبيرة جوه العمق، وخلف خط الدفاع المصري، ومفيش طلقة واحدة اتوجهت ليهم!
لكن اللي كان في اللاسلكي كان حالة من النشوة والفرحة… لحد ما فجأة حصل انقطاع لحظي في الإحساس ده، وطلعت رسالة من الكولونيل عساف ياجوري، وهو متقدم في مقدمة الكتيبة 113 المدرعة:
"بشوف القناة… أنا شايف القناة…"
سكتت اللاسلكيات ثواني.
إيلي هنا اتحرك بسرعة، نزل جوه عربته المدرعة، مسك جهاز اللاسلكي وقال بسرعة لفرقة شارون:
"بوكسر… بوكسر… بوكسر"
جاله الرد فورًا بتأكيد الاستلام.
طلع إيلي تاني بره عربته يكمل متابعة الموقف.
بعد حوالي خمس دقايق، بدأ يظهر غبار كثيف جدًا ناحية الشمال الغربي/الجنوب، زي سحابة ضخمة بتقرب بسرعة.
كانت دي قوات الجنرال شارون المدرعة…
حوالي 250 دبابة بيتحركوا في توقيت واحد، في اتجاه واحد، عاملين موجة غبار ضخمة مغطيّة الأرض كلها وراهم.
إيلي تنفس الصعداء… حس إن الظروف خدمتهم، وإن شارون خرج من المعركة تقريبًا بدون خسائر تُذكر، طبقًا لتعليمات “الدمنهوري”، من غير أي مجهود إضافي.
لكن في نفس اللحظة… جت رسالة صادمة من الجنوب.
الجنرال ماندلر على تردد مفتوح، بصوت متوتر ومفاجئ:
"فرقتي بتتذبح على إيد المصريين!"
الرسالة كانت صدمة للجميع.
إيلي بص ناحية الجنرال إدان، اللي كان سامع الرسالة بنفسه.
إدان نكس راسه شوية، لحظة صمت ثقيلة.
ثواني وعدّت… وجاء الرد من الجنرال شارون نفسه، بصوته الأجش على التردد المفتوح:
"اصمد شوية يا جنرال… ساعتين بالظبط وهاكون عندك، ونقلب الطاولة على المصريين."
إدان رجع تاني يكمّل دفع دباباته للأمام… كأن مفيش حاجة حصلت.
دقيقة تقريبًا عدّت…
وبعد حوالي دقيقة واحدة… وعلى حسب وصف إيلي بعد الحرب…
“اتفتح الجحيم.”
في لحظة واحدة كأن الأرض كلها صحيت من نومها بالعافية.
الدنيا اتشقلبت.
مدافع مصرية كانت مستخبية كويس جدًا في مواقعها، فجأة اشتغلت كلها في نفس التوقيت… صوت واحد ضخم هزّ الصحراء، وخلّى الأرض تحت الدبابات الإسرائيلية نفسها ترتجف.
وفي نفس اللحظة تقريبًا، بدأت صواريخ مضادة للدبابات تطلع من كل حتة… من ورا سواتر ترابية، من حفر مدفونة في الأرض، من دشم شكلها ميت ومهجور من سنين… لكن الحقيقة إنها كانت عيون مفتوحة ومستنية.
مفيش هدف واحد…
كان فيه مئات الأهداف في نفس اللحظة.
مقدمة القوات الإسرائيلية اللي كانت بتتزحف بثقة، اتحولت فجأة لجحيم نار ودخان.
جهاز اللاسلكي عندهم انفجر بصوت بشري متداخل، كله بيكلم في نفس الوقت، محدش سامع حد:
– هنا الكتيبة 113… الدبابات بتتحرق! بنطلب مدفعية فورًا! – إصابات من اليمين والشمال! الصواريخ جاية من كل اتجاه! – فقدنا الاتصال بالسرية الأولى! – القائد مصاب… نائب القائد استلم!
وفجأة صوت الكولونيل عساف ياجوري دخل على الشبكة… لكن المرة دي مفيهوش أي نبرة تهكم أو ثقة، صوته كان متكسر:
– إحنا وقعنا في كمين… المصريين مستنينا… بنخسر دبابات واحدة ورا التانية!
فوق التبة، الجنرال أدان كان واقف مش مصدق اللي شايفه.
عينه بتلف في كل اتجاه، يحاول يفهم النيران جاية منين… لكن كل اللي قدامه كان أعمدة دخان سودة طالعة من دباباته اللي بتولع واحدة ورا التانية.
كل دقيقة…
دبابة جديدة بتشتعل.
وكل دقيقة…
استغاثة جديدة بتطلع على اللاسلكي.
في الخلف، إيلي كان بيحاول يلحق يسجل ويمرر البلاغات، لكن لأول مرة من بداية الحرب حس إن الشبكة كلها خرجت عن السيطرة.
مش بس تشويش…
ده انهيار كامل.
الضباط بيتكلموا فوق بعض من غير نظام. قادة كتائب بيطلبوا دعم بشكل هستيري. أطقم دبابات بتبلغ عن إصابات وحرق وانقطاع تام. وبعض الإشارات كانت بتفصل فجأة… مش لأن اللاسلكي بايظ… لكن لأن اللي بيتكلموا اتسحبوا من المعادلة.
أدان لفّ ناحية ضابط العمليات، وصوته نازل ومكبوت بشكل غريب:
– فين الاحتياطي المصري؟
الضابط كان ماسك المنظار بإيده، وبيحاول يثبت نفسه وهو بيبص قدامه، وبصوت مكسور قال:
– يا فندم… مفيش احتياطي… إحنا بنحارب الخط الأول نفسه… ولسه ما اتحركش من مكانه.
ساعتها بس…
أدان استوعب الحقيقة كاملة.
كل الحسابات اللي اتبنت عليها الخطة كانت غلط.
المعركة اللي كانوا فاكرين إنها هتخلص قبل الغروب…
كانت لسه بتبدأ فعليًا.
فجأة… الصواريخ المصرية اتفجرت من كل ناحية.
من ورا السواتر الترابية، ومن جوه الحفر والدشم المموهة كويس، النيران ابتدت تنهال بشكل مركز على دبابات لواءي “جابي” و“نتكا” في نفس اللحظة تقريبًا.
في ثواني معدودة، الجو كله اتقلب. حالة النشوة اللي كانت مسيطرة على شبكة اللاسلكي اختفت كأنها ماكنتش موجودة أصلًا.
الضحك اتحول لاستغاثات، والثقة اتحولت لارتباك، والأوامر اللي كانت واضحة وبسيطة بقت أصوات متداخلة فوق بعض، صريخ ونداءات متكررة عشان أي حد يلحقهم.
المشهد على أجهزة اللاسلكي—زي ما وصفه إيلي بعد الحرب—كان شبه ناس اتفاجئت بكارثة كبيرة، ومش عارفين يتصرفوا معاها ولا حتى يستوعبوها.
في البداية، قادة الدبابات ماكنوش فاهمين إيه اللي بيحصل بالظبط. كل اللي شايفينه قدامهم إن الدبابات بتاعتهم بتضرب واحدة ورا التانية، من غير ما يبان أي هدف واضح بيرد بالنار.
وفي اللحظة دي، كان العميد حسن أبو سعدة، قائد الفرقة الثانية مشاة المصرية، بينفذ واحد من أخطر وأذكى أساليب الدفاع المتحرك.
الفكرة كانت بسيطة في شكلها… لكن قاتلة في تنفيذها: سيب القوة المدرعة الإسرائيلية تتوغل جوا عمق مواقع الفرقة من غير اشتباك مباشر في البداية. خليهم يفتكروا إن الطريق مفتوح وإن الموقف تحت السيطرة، لحد ما اندفعت الكتيبة 113 بقيادة الكولونيل عساف ياجوري لدرجة إنها بقت شايفة مية القناة بعنيها.
لما القوة المهاجمة دخلت العمق بالشكل ده، كانت الرسالة وصلت. اتديت الإشارة.
وفي لحظة واحدة… اتفتح الجحيم.
النيران اشتغلت من الأربع اتجاهات في نفس الوقت. الدبابات الإسرائيلية لقت نفسها محاصرة جوه ما يُعرف عسكريًا بـ"أرض قتل"—منطقة متجهزة بعناية، بيتم استدراج العدو ليها الأول، وبعدها تتفتح عليه نيران متقاطعة من كل ناحية، بحيث يفقد أي قدرة على المناورة أو حتى انسحاب منظم.
في خلال دقايق قليلة، الهجوم اللي كان ماشي بثقة كاملة اتحول لمعركة بقاء حقيقية. وكل قائد دبابة بقى كل همه إنه يطلع من الجحيم ده حي… بأي طريقة.
وخلال نص ساعة كاملة، تحوّلت فرقة الجنرال أدان نفسها لأهداف تدريب حيّة لرماة المشاة المصريين، اللي كانوا بيرموا بدقة على الدبابات واحدة ورا التانية. وفجأة، ارتفعت سحابة دخان أسود كثيف غطّت سماء الفرقة التانية مشاة، بس المرة دي الدخان مش من مجرد اشتباك عادي… ده كان بسبب احتراق عشرات الدبابات، ويمكن المئات كمان.
الهجوم كان بدأ بـ 217 دبابة، زي ما الجنرال أدان نفسه صرّح بيه في الليلة اللي قبلها. لكن دلوقتي، الصورة اتغيرت تمامًا… وتم فقدان الاتصال بأغلب قادة الكتائب، وحتى قادة السرايا الأصغر. تقريبًا الاتصال بين الجنرال أدان وكل قواته على أرض المعركة اتقطع بشكل شبه كامل.
كان منظر مرعب قدّام عيني إيلي في اللحظة الفارقة دي… لأن الهجوم المضاد الرئيسي كان هو حجر الأساس في خطة الدفاع الإسرائيلية كلها، واللي كان مفروض يقلب موازين الحرب ويرجّح كفة النصر بشكل شبه مؤكد.
لكن اللي حاصل دلوقتي إن مجموعة الجنرال ماندلر كانت بتتسحق حرفيًا على حد تعبير التقارير، والجنرال شارون اتحرك بسرعة علشان يحاول يلحق الموقف وينقذ اللي ممكن يتنقذ، بينما دبابات الجنرال أدان نفسها كانت في ورطة ضخمة، ومفيش أي وضوح لحجم الخسائر الحقيقي لحد اللحظة.
إيلي وفريقه حاولوا بكل الطرق إنهم يفتحوا أي خط اتصال بين الجنرال أدان وقادة اللواءات المدرعة في ميدان القتال، لكن مفيش أي نتيجة. حتى الكتائب اللي كانت بدأت هجوم خداعي ضد الفرقة 16 والفرقة 18، واللي كان هدفها إنها تثبّت فكرة إن فيه دعم جاي للفرقة التانية مشاة، بلغوا هم كمان إنهم بيتعرضوا لخسائر كبيرة ومؤلمة.
عدّت نص ساعة تانية… وخلالها جالهم 12 اتصال من الجنرال جونين، قائد المنطقة الجنوبية، كان فيهم كله بيسأل عن نتائج الهجوم. لكن رد الجنرال أدان كان واحد: “النتائج لسه غير مؤكدة، والاتصال مقطوع بالقوات المهاجمة.”
وفي النهاية، أشار أدان لإيلي إنه مايحّولش أي اتصالات تانية جاية من الجنرال جونين اللي كان مستعجل يعرف مصير المعركة.
ساعة كاملة عدّت… غبار المعركة ما زال في الجو، والانفجارات ما بتقفش لحظة، والاتصال انقطع تمامًا بكل قادة الألوية والكتائب على أرض المعركة… كأن ساحة القتال نفسها ابتلعتهم.
الجنرال أدان كان واقف وسط هيئة أركانه، والغضب باين على وشه بشكل مخيف. كل التقارير اللي قدامه كانت بتقول إن الهجوم اتعطل، وإن الاتصال بالقوات اللي في المقدمة شبه مقطوع. وبعد لحظات من التفكير، أخد قراره.
هنزق آخر كتيبة دبابات فاضلة معانا... الكتيبة الباقية من لواء أرييه. تدخل تشوف إيه اللي بيحصل قدام.
وفي نفس الوقت لف ناحية إيلي وقال بسرعة:
اتصل بمجموعة عمليات شارون... قوله يرجع فورًا. قواته لازم ترجع تساند الهجوم.
جري إيلي على عربة الاتصالات، وقعد قدام جهاز اللاسلكي. لكنه بدل ما يفتح تردد شارون الحقيقي، حوّل الجهاز على التردد 109... التردد اللي عارف كويس إن قوات شارون مش شغالة عليه.
ورفع صوته قدام كل اللي في عربة الاتصالات، وكأنه بيبذل أقصى مجهود:
شارون... هنا إيلي... شارون... الجنرال أدان بيأمرك ترجع فورًا... كرر... ارجع فورًا لدعم الهجوم.
فضل يكرر نفس الرسالة نص ساعة كاملة... مرة ورا مرة... وهو عارف من جواه إن محدش من قوات شارون هيسمعها أصلًا.
ولما اتأكد إن مفيش أي رد، قام بهدوء واتجه ناحية دبابة الجنرال أدان، اللي كان واقف قدامها مع ضباطه بيتابع أرض المعركة بمنتهى التوتر.
وقف قدامه وقال:
مفيش أي رد من مجموعة شارون يا فندم... واضح إنهم خرجوا بره مدى أجهزة الاتصال بتاعتنا.
بصله أدان بنظرة جامدة، مفيهاش أي تعبير، لا غضب ولا دهشة... وبعدين حوّل وشه وقال بهدوء:
تمام... اتصل بالقيادة. خليهم هما يكلموا شارون ويبلغوه يرجع فورًا.
رجع إيلي بسرعة لعربة الاتصالات، وبعت الرسالة للقيادة زي ما اتقاله. لكنه كان عارف إن الإجراءات العسكرية هتاخد وقت... لأن الرسالة لازم الأول توصل لقيادة الجبهة الجنوبية، وبعدها تتعرض على الجنرال جونين، واللي أكيد هيكلم أدان الأول علشان يعرف منه نتائج الهجوم قبل ما يصدر أي أوامر جديدة.
وبالنسبة لإيلي... كل دقيقة تأخير كانت في صالح الخطة اللي اتطلب منه ينفذها.
واللي حصل كان بالظبط زي ما إيلي كان متوقعه.
الدقايق بتضيع تاني في الاتصالات، والموقف بيزيد تعقيد كل لحظة أكتر من اللي قبلها. الجنرال أدان كان بيكلم الجنرال جونين، اللي كان باين عليه إنه مولّع غضب ومش على بعضه خالص. أدان كان بيحاول يهديه ويفهمه إن الوضع خرج عن السيطرة، وإنه اضطر يبعث آخر كتيبة دبابات عنده عشان يحاول يوصل للوحدات اللي الاتصال بيها اتقطع تمامًا، ويعرف في إيه بيحصل جوه أرض المعركة.
بعد شد وجذب وكلام رايح جاي، جونين في الآخر وافق على طلب أدان… بس على مضض واضح.
ما كملوش لحظات، لسه الجو مشدود، لقى اتصال لاسلكي جاي من الجنرال شارون.
إيلي كان واقف جنب أدان، وكل كلمة اتقالت في المكالمة وصلت له كأنه سامعها في ودنه.
شارون قالها بصراحة: قواته فعلاً هترجع، بس بعد ما كانت وصلت تقريبًا وقرّبت تمسك قوات الجنرال ماندلر في الجنوب. وقال إن وصولهم مش هيبقى قبل المغرب… لكن الدخول في القتال؟ مستحيل.
قالها بوضوح: الرجالة منهكة، والدبابات محتاجة تتزود وقود وتتعامل لها صيانة، ومش ممكن يدخلهم معركة بالحالة دي.
وبس كده… قفل الخط.
في اللحظة دي أدان فقد أعصابه تمامًا.
مسك سماعة اللاسلكي ورماها في الأرض بعنف، وبدأ يدوس عليها بجذمته مرة ورا مرة لحد ما اتكسر خالص، وهو بيشتم شارون بأقذر وأبشع الألفاظ اللي ممكن حد يتخيلها.
إيلي في اللحظة دي ما استناش ثانية واحدة. استغل إن الكل مشغول ومتوتر، وركض ناحية عربة الاتصالات.
فتح تردد 109 بسرعة، وبدأ يبعت تقريره للمخابرات:
(( جوكر... جوكر...
تقرير العمليات رقم 2... يوم 8 أكتوبر.
الجنرال شارون راجع بقواته للمنطقة، لكنه رفض يدخل القتال بعد ما تحرك للجنوب وبعدين رجع تاني للشمال.
قوات الجنرال أدان لسه جوه أرض المعركة، والاتصال بمعظم الوحدات مقطوع تمامًا.
تم الدفع بآخر كتيبة دبابات متاحة.
حجم الخسائر لسه غير معروف.
المعركة مستمرة...
في انتظار التعليمات...
انتهى. ))
ما عدّتش غير ثواني قليلة، وجاله الرد بسرعة من القيادة في العريش:
(( تم الاستلام... استمر في إرسال التقارير أولًا بأول. ))
إيلي قفل الجهاز، بس ما بعدش عنه.
الدقيقة اللي بعدها، بدأ يطلع من السماعة أصوات خافتة… نداءات متقطعة، وإشارات ضعيفة جاية من قلب أرض المعركة، كأنها بتتوه بين التشويش والدخان.
إيلي خرج من عربة الاتصالات، وطلع واقف في العراء فوق التبة، جنب الجنرال أدان… الاتنين واقفين ساكتين، عيونهم بتلف في كل اتجاه وسط الدخان واللهب اللي مغطي الأفق، مستنيين أي إشارة، أي خبر، أي حاجة تطمّنهم أو تفسّر الكارثة اللي بتتكتب قدامهم لحظة بلحظة.
قبلت. إليك إعادة الصياغة باللهجة المصرية العامية، مع الحفاظ على كل التفاصيل والمعنى دون حذف أي جزئية:
الكتابة
ومن قدامهم... بدأت تظهر دبابات منفردة طالعة من قلب سحابة الدخان الكثيف.
دبابة... وبعدها اتنين... وبعدين أربعة... وبعدها تسعة...
كلها راجعة من أرض المعركة، ومدافعها متوجهة للخلف، وحركتها عشوائية بشكل يخوف... واضحة عليها علامات الذعر والارتباك.
وفضل العدد يزيد واحدة ورا التانية... لحد ما وصل لعشرين دبابة راجعة.
لكن السؤال اللي كان بيطارد الجميع...
فين باقي القوة؟
الاتصالات كانت شبه مقطوعة تمامًا، ومحدش عارف إيه اللي بيحصل جوه أرض المعركة.
وفجأة...
إحدى الدبابات اللي رجعت بعتت رسالة لاسلكية قصيرة، لكنها كانت كفيلة إنها تصيب الجميع بالصدمة:
"الكولونيل عساف ياجوري... قائد الكتيبة... وقع في الأسر."
وجت بعدها رسالة تانية من أحد أفراد الطاقم:
"ضربوا دباباتنا واحدة ورا التانية... لحد ما أسرونا."
ساد الصمت...
وقف الجنرال أدان ثابت مكانه، زي الجبل، وعينيه معلقة بأرض المعركة، مستني الدخان ينقشع ويكشف له اللي حصل...
لكن الدخان فضل مغطي كل حاجة.
ولحد الساعة أربعة العصر...
لما فقد الأمل، استدار ورجع للخلف، عشان يحاول ينظم اللي فاضل من قواته ودباباته.
ساعتها قال أحد ضباط الأركان، وهو واقف جنب كولونيل تاني، بينما إيلي كان واقف ساكت بيسمعهم وهما بيجمعوا الخرائط وبيستعدوا يمشوا ورا الجنرال:
"يا له من يوم أسود... خسرنا أكتر من ميتين دبابة دفعة واحدة...
ونفس المصيبة حصلت عند الجنرال ماندلر... اللي خسر حوالي تلتين دباباته قدام الجيش الثالث."
رد الكولونيل بصوت كله يأس:
"ده مش الجيش المصري اللي حاربناه من ست سنين...
الطريق للقدس بقى مفتوح قدامهم...
وإحنا معندناش أي حاجة نوقفهم بيها...
إحنا هزمناهم في ست أيام...
لكن هما هزمونا في تلاتة."
رد عليه ضابط برتبة ميجور وهو بيحاول يرفع معنوياته:
"بلاش يأس يا كولونيل...
أمريكا مش هتسيبنا ننهزم...
ثق في ده تمامًا."
لكن الكولونيل هز راسه وقال:
"يا ميجور...
أمريكا مش معانا دلوقتي... في أرض المعركة."
رجع إيلي مع الجنرال أدان لنفس نقطة البداية اللي كانوا فيها الصبح.
ومن خلال الاتصالات اللاسلكية مع القيادة... بدأت الصورة الكاملة تظهر.
القوات الإسرائيلية خسرت حوالي أربعمائة دبابة في ساعات قليلة...
وفي نفس الوقت، كانت القوات المصرية بتستعد لتطوير هجومها، وتعميق رؤوس الكباري لمسافات أكبر شرق القناة.
وصلت إشارة من القيادة للجنرال أدان...
بتنصحه إنه يتراجع كام كيلومتر للخلف، لأن مكانه بقى داخل مدى الصواريخ والمدفعية المصرية.
لكن الجنرال المهزوم...
ما اهتمش بالإشارة.
وما أصدرش أي أمر بالتراجع.
كان كل تركيزه منصب على حاجة واحدة...
يجمع رجاله...
ينقذ اللي لسه عايش جوه الدبابات...
ويستعيد أي دبابة لسه ممكن تتحرك، سواء سليمة أو مصابة.
كان همه يرجع جنوده لبلدهم...
حتى لو كانوا راجعين داخل صناديق.
بعدها بلغته عناصر الاستطلاع إن فيه عدد كبير من الدبابات المصابة مستحيل يوصلوا لها...
لأنها موجودة في قلب مواقع الفرقة الثانية مشاة المصرية...
وكمان الفرقة الثانية بدأت تستعد للتقدم.
سكت أدان لحظة...
وبعدين قال بصوت كله حسرة واستسلام:
"سيبوهم يتقدموا...
ومتشتبكوش معاهم...
استخدموا المدفعية من الخلف بس...
أنا مش عايز أخسر رجالة أكتر من كده."
بالليل، الفرقة التانية مشاة في الجيش المصري كانت بتتقدم واحدة واحدة على الأرض، بهدوء تقيل كده بس وراه ضغط كبير ومتوتر.
إيلي كان في شغله، ماسك خطه كويس، شغال مع الجنرال أدان، وكمان متابع على التردد 109… كأن أي كلمة ممكن تتقال عليه هي اللي هتفرق في مصير الدنيا دي كلها.
ومش الفرقة التانية بس اللي كانت ماشية…
لا، كان فيه خمس فرق مشاة مصرية في نفس الوقت بتتحرك لقدّام، وبتلتحم في أكتر من رأس كوبري.
في الشمال، كان فيه رأس كوبري تابع للجيش التاني، داخل جوه الأرض حوالي 8 كيلو.
وفي الجنوب، رأس كوبري تاني تابع للجيش التالت الميداني، وده كمان كان مكمل تقدم تحت نار وضغط عنيف.
ولما جت نص الليل… الدنيا كلها اتقلبت.
القصف المدفعي المصري اشتغل مرة واحدة على طول الجبهة، ضربات تقيلة وساخنة بتدعم تقدم المشاة.
الصوت كان بيهز الأرض، والنار جاية من كل ناحية.
الضرب وصل لحد مركز قيادة الجنرال أدان نفسه، فكل اللي هناك جري على طول ناحية الخنادق والحفر عشان يستخبوا من القصف اللي واضح إنه ماشي على خط الجبهة كله.
وفجأة… إيلي حس بحاجة غريبة في دماغه.
سخونية جامدة كأنها نار مولعة جواه، وبعدها بثواني خط دم سخن بدأ ينزل من تحت الخوذة.
عدّى على عينه، على مناخيره، ووقع على رمل الصحراء قدامه.
مش نقطة ولا اتنين…
ده كان دم نازل بشكل مفاجئ وكثيف.
إيلي كان باصص للدم ومش مستوعب.
مش فاهم إيه اللي بيحصل أصلاً.
وفجأة… كل الأصوات حواليه اختفت كأن الدنيا سكتت خالص.
صمت غريب… مرعب… مش طبيعي.
وهو لسه مش فاهم، كان الحقيقة اللي مش قادر يستوعبها إن الدم ده… دمه هو.
وإنه اتصاب بشظية في دماغه، وإن سمعه وقف مؤقت وسط كل الضرب ده.
وبعدين الدنيا كلها سابت له سواد.
بعد كام يوم… فتح عينه ببطء.
لقى نفسه في مستشفى سوروكا في بئر سبع.
عنبر واسع كده، مليان مصابين من كل مكان، ناس بتئن، ووشوش مرهقة، وضوء المستشفى تقيل ومخنوق.
فضل شوية ساكت، بيحاول يفهم هو فين أصلاً، وإيه اللي حصل، وإزاي وصل هنا.
بعد وقت طويل من التفكير والتوهان، عينه وقعت على ترابيزة جنبه…
لقي باقة ورد، بس كانت ذابلة، شكلها باين إنها بقالها فترة متسابّة كده من غير اهتمام.
ماخدش باله في الأول، لكن الممرضة اللي كانت بتمر عليه لاحظت نظرته وقالت له بهدوء:
– البوكيه ده جالك أول يوم وصلت… ومعاه كارت كمان.
إيلي فتح درج الترابيزة بإيده، وطلع كارت بسيط، أنيق، مكتوب عليه جملة واحدة بس.
"109 شكرًا"