التاريخ: 5 مايو 1973
المكان: إحدى دشم حصن الدفرسوار، أحد حصون خط بارليف، واللي الإسرائيليين كانوا مسمينه حصن "مستميد".
الساعة: 9:30 مساءً
...
في عز ليل شهر مايو، والجو حر وخانق، كان فيه راجلين قاعدين جوه دشمة تحت الأرض في واحد من حصون خط بارليف.
بينهم صندوق خشب قديم، فوقه كوباية شاي بيشربوا منها الاتنين، ومن وراهم لمبة جاز منورة جزء صغير من المكان، وسايبة باقي الدشمة غارق في الضلمة.
أحد الراجلين حاطط سلاحه على فخده، والتاني قاعد من غير أي سلاح.
الغريب إن لبس الاتنين مختلف تمامًا...
واحد لابس الأفرول الزيتوني بتاع الجيش الإسرائيلي، وهو اللي ماسك السلاح.
أما التاني، فلابس الزي الكاكي بتاع الجيش المصري.
ولتسهيل الحكاية، هنسمي المصري الدمنهوري... وده مش اسمه الحقيقي، ولا بلدُه، ولا حتى اسمه الكودي في المخابرات الحربية المصرية.
أما الضابط الإسرائيلي، فهنسميه إيلي... وده برضه اسم رمزي، ملوش أي علاقة باسمه الحقيقي.
ارتشف الدمنهوري شوية من الشاي، وبص لإيلي وهو مبتسم.
ساكت ليه؟
إيلي هز راسه وقال:
أنا لحد دلوقتي مش مستوعب اللي بيحصل... إزاي عندك الجرأة إنك تعدي القناة بنفسك، وتيجي تقابلني جوه الحصن، وجنودي على بعد أقل من عشرين متر منك؟
ابتسم الدمنهوري وقال:
سمعت قبل كده عن المخاطرة المحسوبة؟
أكيد.
مقابلتي ليك دي مخاطرة... بس محسوبة. محسوبة بنسبة مية في المية، واحتمال الغلط فيها صفر. ده أنا حتى مجبتش معايا سلاح.
بص له إيلي باستغراب وقال:
وده في حد ذاته جنون.
ضحك الدمنهوري ضحكة مليت الدشمة، وزادت ارتباك إيلي، اللي العرق بدأ ينزل من وشه أكتر.
لا مجنون ولا حاجة... إنت اللي متوتر زيادة يا إيلي.
وأتوترش ليه؟! أنا تقريبًا اترعبت أول ما وصلتني رسالتك المشفرة من يومين، وإننا هنتقابل هنا النهارده. فكيت الشفرة تلات مرات علشان أتأكد إني قاريها صح. قلت لنفسي: هو المصريين اتجننوا؟ ولا عدوى الغرور انتقلت لهم من جنرالاتنا؟
ابتسم الدمنهوري وقال:
لا جنان ولا غرور... ده علم، ودراسة، وتحليل، وفي الآخر تخطيط متقن.
وسكت لحظة، وبعدين كمل:
هقولك على حاجة... مش إنتوا في الحصن تلات ضباط، ومعاكم اتناشر عسكري؟
أيوه... صحيح.
ومش كل قعدتكم وتحركاتكم في الدشمة الرئيسية اللي في نص الحصن؟ وسايبين الدشمتين التانيين فاضيين، بعد أوامر تقليل الأفراد وقت السلم؟
ظهر الذهول على وش إيلي.
صحيح... لكن...
قاطعه الدمنهوري وهو بيبتسم:
أيوه... وعارف كمان إن الحصن ده بتستخدموه يوم السبت، لما النسوان تيجي تزوركم.
ضحك إيلي ضحكة خفيفة، ورفع حاجبيه من الدهشة.
إنت عرفت الكلام ده إزاي؟
ابتسم الدمنهوري وقال:
مش قلتلك... عندنا مفيش حاجة اسمها جنون ولا غرور... عندنا علم ودراسة.
سكت إيلي لحظة، وبعدين قال وهو بيبص حواليه:
طب... ولو دخل حد علينا دلوقتي؟
الكتابة
مقاطعًا..
مش هيحصل.
إنت واثق أوي كده ليه؟! إنت مجنون بجد.
رفع الدمنهوري صباعه في وش إيلي وهو بيحذره وقال:
وإوعى في يوم تفتكر إني ممكن أعرّضك للخطر، حتى لو باحتمال واحد في المليون. إنت تنفذ التعليمات الأمنية اللي بقولك عليها بالحرف، وساعتها هتفضل في أمان.
هكون في أمان إزاي؟! وإنت بنفسك طلبت مني أعمل خناقة مع الميجور رابين في قيادة مجموعة العمليات، والخناقة دي كانت سبب نقلي للواء القدس على خط القناة. الحرب ممكن تقوم في أي لحظة!
مش قلتلك قبل كده إن كل حاجة عندنا علم ودراسة؟ مفيش حاجة بتتعمل بالصدفة.
أنا بس عايز أفهم... أنا كنت على بعد ساعة من بيتي وأسرتي وأنا في قيادة المجموعة، ودلوقتي عايش حياة صعبة على خط القناة، ومبشوفش أهلي غير مرة كل شهر.
عشان إحنا عارفين إن أول ما الميجور رابين يتخانق معاك ويحب ينكد عليك، هيبعتك خط القناة. ولما نيجي نرجعك بير السبع، هنرجعك. لكن وجودك هنا دلوقتي أهم بكتير بالنسبة لنا.
إزاي يكون دوري هنا أهم؟ وأنا كنت في قيادة المجموعة وبنقلكم تعليمات القيادة أول بأول.
دورك هنا أهم بكتير.
إزاي؟
غيّر الدمنهوري مجرى الكلام فجأة وقال:
عملت إيه مع بنيامين؟ سمعت إنكم اتخانقتوا عشان جهاز اللاسلكي رقم 4، اللي بقاله فترة بايظ.
حط إيلي كباية الشاي من إيده، وإيده كانت بتترعش، والرعب بان على وشه.
يا إلهي... إنت عرفت منين اللي حصل؟! دي كانت امبارح بس!
ابتسم الدمنهوري ابتسامة هادية كلها ثقة.
مش قلتلك إننا مش سايبينك لوحدك؟ وإننا مش هنغامر بيك أبدًا.
بلع إيلي ريقه وقال بصوت واطي:
لكن... لازم أعرف.
وقف الدمنهوري وفرد جسمه وقال بحزم:
التردد 109 يفضل بيني وبينك بس، ويكون مفتوح 24 ساعة... مفهوم؟
تمام... هو فعلًا مفتوح طول الوقت على جهاز مخصوص.
طيب... أنا حبيت أعدي أطمن عليك وأشرب معاك كوباية شاي... محتاج مني حاجة؟
ظهر الغضب على وش إيلي، وقال وهو بيحاول يوطي صوته:
إنت بتتكلم كأنك جاي تزور حد من قرايبك في الشارع اللي جنبكم! يا راجل إنت مجنون؟! إحنا في حرب... وإنت عديت القناة بنفسك، وكان ممكن تتقتل في أي لحظة!
حط الدمنهوري إيديه على كتفي إيلي، وبص له نظرة ثابتة وصلت لجواه.
آخر مرة هقولها... ثق إن حياتك مهمة جدًا بالنسبة لنا في مصر. ولازم نيجي نطمن عليك من وقت للتاني ونقعد ندردش شوية.
هز إيلي دماغه وقال وهو بيبتسم ابتسامة كلها ذهول:
إنتوا اللي في القاهرة مجانين... والله تعديتوا مرحلة الجنون.
انحنى الدمنهوري، مسك كوباية الشاي، وفرغ اللي فيها على الرمل، وبعدها بص في ساعته وقال:
اغسل الكوباية دي... ولما ترجع الحصن وبنيامين يسألك كنت بتعمل إيه هنا، هتقوله إيه؟
هقوله اللي علمتهولي... زي كل مرة. هقوله إني بعزل نفسي هنا عشان أقرا التلمود، وبحاول أخلص حفظه.
ابتسم الدمنهوري وقال:
ما هو بنيامين ملحد... الدين بالنسبة له آخر حاجة يفكر فيها. وعشان كده الحجة دي بتنطلي عليه، وبيسيبك كل شوية تقعد لوحدك.
رد إيلي باستغراب:
بجد؟! أنا ماكنتش أعرف إنه ملحد. فعلًا عمري ما شوفته بيصلي، ولا حتى بيصلي "شمونة عِسريه". كنت فاكر ده عادي عشان هو من الضباط الكبار، لكن وسط الضباط الصغيرين اللي زيي فيه متدينين كتير. أول مرة أعرف المعلومة دي.
وأثناء ما الدمنهوري خارج من الدشمة، ربت على كتف إيلي وقال وهو ماشي:
شالوم يا خواجة إيلي... أشوفك على خير.
بصّ الدمنهوري حواليه ناحية الدُشَم التانية القريبة منه، وبصّ كمان على هيكل دبابة مهجورة غرقانة في الضلمة جنبه. بعدها رفع إيده وبصّ في ساعته... كانت فاضل دقيقة واحدة على الساعة عشرة بالليل.
طلع بجزء أكبر من جسمه من باب الدشمة، وركز نظره ناحية الضفة التانية من قناة السويس، اللي كانت هي كمان غارقة في ضلام حالك.
وفجأة... مع دقات الساعة عشرة بالظبط، لمح نور أخضر ظهر للحظة في الناحية التانية.
ابتسم في هدوء.
دي كانت الإشارة المتفق عليها... رجال التأمين بيقولوا إن الإسرائيليين نايمين ومفيش أي خطر عليه يتحرك دلوقتي.
في ثواني، انطلق الدمنهوري يجري بخفة ورشاقة، منحنِي لتحت وهو بيتحرك بخطوات متعرجة ومحسوبة وسط حقل الألغام. عدّى الفتحة اللي في الأسلاك الشائكة، وبعدها ركع على ركبة واحدة لحظة قصيرة، وبص وراه بتركيز يتأكد إن كل حاجة آمنة قبل الوثبة اللي بعدها.
كمل طريقه عبر حقل الألغام الخارجي، وطلع الساتر الترابي بسرعة، ثم نزل الناحية التانية لحد ما وصل لحافة القناة، المكان اللي كان سايب فيه القارب المطاطي.
لبس معطف أسود زي لون القارب تمامًا، وبدأ يجدّف في هدوء، لحد ما ابتلعته عتمة الليل فوق مياه قناة السويس السودة.
وبعد دقايق من التجديف الشاق ضد التيار، امتدت إيدين الجنود المصريين تمسك بالقارب وتسحبه ناحية الشط.
ومع أول خطوة ليه على الأرض المصرية، استقبله الجنود بابتسامات وترحيب حار:
حمد الله على السلامة يا بطل.
الجنود دول ماكانوش يعرفوا اسمه، ولا رتبته، ولا حتى طبيعة مهمته... لكنهم كانوا عارفين حاجة واحدة بس: الراجل ده راجع من جوه خطوط العدو، ومن غير سلاح... يبقى أكيد بطل.
جابوله كوب شاي سخن، وانهمرت عليه الدعوات وكلمات التشجيع.
وعلى بعد خطوات، كان واقف رائد ثابت مكانه زي التمثال، ماسك النظارة المعظمة ومثبتها على عينيه، ومتابع الضفة التانية للقناة.
ومن غير ما ينزل النظارة، قال وهو بيكلم الدمنهوري:
حمد الله على السلامة يا فندم... ولاد الكلب نايمين في العسل.
ابتسم الدمنهوري وسأله بسرعة:
يعني كله تمام؟
رد الرائد وهو لسه باصص في الناحية التانية:
كله تمام... كله تمام
رجع إيلي للدشمة الرئيسية جوّه الحصن، وفي إيده كتاب التلمود ورشاش العوزي القصير، وفي الإيد التانية كوب الشاي الفاضي. حطّهم عند مدخل الدشمة، وبعدين مشي وسط مجموعة من الجنود الإسرائيليين اللي كانوا قاعدين يلعبوا كوتشينة.
المكان كان مليان دوشة... صوت الراديو عالي، وضحكاتهم مالية المكان، وزجاجات البيرة مرمية حواليهم في كل حتة. كانوا عايشين حالة من الاسترخاء التام، كأن الحرب بعيدة عنهم آلاف الكيلومترات.
عدّى من بينهم وهو ماشي بهدوء، لكن بعد كام خطوة وقف فجأة لحظة قصيرة... وبص عليهم بنظرة سريعة.
واحد كان بيضحك بصوت عالي بعد ما كسب الجولة، والتاني بيجادله ويتهمه بالغش، بينما الباقيين مشغولين بالكروت والبيرة اللي في إيديهم.
هزّ راسه في سخرية خفيفة، وكمل طريقه لجوّه الدشمة وهو مقتنع أكتر من أي وقت فات إن الليلة هتعدي عليهم وهم غرقانين في اللهو، من غير ما يتخيلوا إن الخطر الحقيقي كان بيتحرك حواليهم على بعد أمتار قليلة بس
بص لهم إيلي وهو مبتسم ابتسامة فيها سخرية وقال:
والله لو المصريين هجموا دلوقتي، مش هلاقي واحد فيكم يقف يقاتل جنبي.
رد عليه واحد من الجنود وهو ضاحك:
يا سيادة النقيب، هو المصريين يعرفوا يهجموا بالليل أصلًا؟ دول مش قادرين يواجهونا بالنهار!
فانفجر الباقيين في الضحك، وأضاف جندي تاني:
أيوه يا نقيب إيلي، دول اللي قدامنا كل همهم ياكلوا فول ويسمعوا ماتشات الكورة في الراديو!
وعلت الضحكات أكتر جوه الدشمة، واتحولت الجملة لمادة للسخرية والتريقة بين الجنود.
ابتسم إيلي ابتسامة خفيفة، لكنه ما شاركش في الضحك. لفّ وكمّل طريقه ناحية ممر ضيق في آخر الدشمة.
كان الممر بينزل لتحت الأرض على سلم خرساني طويل. نزل درجة ورا درجة، وكل ما ينزل أكتر كانت أصوات الضحك والراديو بتختفي تدريجيًا لحد ما اختفت تمامًا.
وفي آخر السلم وصل لباب معدني تقيل، مكتوب عليه بالعبرية: "غرفة الاتصالات".
فتح الباب ودخل.
الغرفة كانت تعتبر مركز الأعصاب الحقيقي للحصن.
إيلي هو المسؤول عنها، وقائد منظومة الاتصالات بين مجموعة الحصون المنتشرة في القطاع وبين القيادة الخلفية. كمان كان مكلف بمتابعة واعتراض الاتصالات المصرية في منطقة عمله وتحليل أي معلومة ممكن تكون لها قيمة عسكرية.
جوه الغرفة كان فيه فريقه الصغير.
ضابط شاب اسمه ديفيد، لسه في بداية خدمته لكنه ذكي وسريع الملاحظة، ومعاه تلاتة جنود من اليهود الشرقيين، اختيروا بعناية لأنهم بيتكلموا عربي بطلاقة تكاد تكون من غير أي لكنة.
قدامهم كانت أجهزة اللاسلكي والاستقبال شغالة باستمرار، وسماعات التنصت معلقة على الآذان، بينما أضواء الأجهزة الخافتة بتكسر صمت المكان.
على النقيض تمامًا من أجواء الضحك واللهو اللي فوق، كانت غرفة الاتصالات عايشة في عالم تاني... عالم من الإشارات المشفرة، والرسائل الملتقطة، والترقب الدائم لأي كلمة أو إشارة جاية من الضفة التانية للقناة.
على عكس الدشمة اللي فوق واللي كانت مليانة دوشة وضحك وصوت الراديو، كان الهدوء التقيل هو اللي مالي غرفة الاتصالات.
اتنين من العساكر قاعدين حاطين السماعات على ودانهم ومركزين مع الأجهزة، أما التالت فكان ممدد على سرير ميداني في الركن، ماسك مجلة أمريكاني وبيقرا فيها وهو زهقان.
وفي الناحية التانية كان ديفيد، الضابط الصغير، قاعد على مكتب حديد صغير. قدامه إزازة بيرة ساقعة، وماسك كشكول بيكتب فيه كام سطر، وماخدش باله أصلًا إن إيلي دخل.
قطع إيلي الصمت وقال:
فيه أي جديد في اتصالات المصريين الليلة؟
رد واحد من العساكر بسرعة:
ولا أي حاجة يا فندم... هدوء زي كل ليلة. شوية مكالمات عائلية وخلاص. ابن النقيب سامح بتاع سرية المشاة 287 عنده حصبة، والراجل بيتصل كل ليلة يطمن عليه. ومراته طلبت الدكتور مرتين النهارده.
في اللحظة دي شال العسكري التاني السماعات من على ودانه وقال:
بس فيه حاجة غريبة على التردد 109... فيه إشارة قصيرة بتتكرر كل شوية. شكلها رسالة مشفرة، بس مش فاهمين منها حاجة. بدأت من دقيقة تقريبًا ولسه شغالة كأنها شريط متسجل وبيتعاد.
أول ما سمع إيلي رقم التردد حس إن قلبه دق أسرع شوية.
لكن ملامحه ما اتغيرتش وسأل بهدوء:
وبتقول إيه الرسالة؟
بص العسكري في الورقة اللي قدامه وقال:
"الرجاء التأكد من غسل الكوب."
جواه كان إيلي هيموت من الضحك.
عرف على طول إن دي هزار الدمنهوري المعتاد.
لكن كتم ضحكته وقال بجدية:
ابعتوا الرسالة للقيادة في تل أبيب... وخلوهم يشوفوا معناها إيه.
رد العسكري:
حاضر يا فندم.
اتخيل إيلي ضباط المخابرات قاعدين يفككوا الجملة كلمة كلمة، ويعملوا تقارير وتحليلات عشان يعرفوا المقصود من "غسل الكوب"، فاضطر يبص الناحية التانية عشان ما يضحكش.
وبعدين سأل:
وباقي الترددات؟
رد العسكري وهو بيتثاوب:
مفيش جديد... الليلة مملة خالص.
هز إيلي راسه وقال:
تمام.
وخرج من غرفة الاتصالات، ومشى كام خطوة في الممر الضيق لحد ما دخل أوضته.
قفل الباب وراه، ورمى نفسه على السرير الميداني من كتر التعب.
مد إيده للصورة اللي على الرف، صورة مراته.
فضل باصلها شوية، وبعدين رجعها مكانها.
لكن دماغه كانت مشغولة بحاجة تانية.
كان صوت الدمنهوري بيرن في ودانه:
"ثق إن حياتك مهمة جدًا لينا في مصر."
فضل يبص للسقف وهو بيفكر.
هو الدمنهوري مجنون للدرجة دي؟
يعبر القناة وسط كل المخاطر دي لمجرد زيارة؟
ولا فيه حاجة أكبر بكتير بتحصل وهو مش شايفها؟
فضل يقلب الأسئلة دي في دماغه، لكن التعب كان أقوى.
وبعد دقايق قليلة، غلبه النوم وغرق في سبات عميق، بينما القناة برّه كانت ساكتة، مخبية أسرار محدش يعرفها.
تاني يوم...
زي كل يوم، صحي إيلي الساعة 8 الصبح. غسل وشه وبدأ شوية تمارين رياضية خفيفة هو وفريق الاتصالات بتاعه.
كانت تدريبات روتينية مملة الكل بيعملها من غير نفس ولا حماس، وده كان السبب اللي خلاه أول ما اتنقل للحصن يجيب جهاز كاسيت ويشغل موسيقى بصوت عالي وقت التمرين، يمكن تدي الرجالة شوية نشاط بدل الخمول اللي عايشين فيه.
الساعة 9 بالظبط خرج الرائد بنيامين من الدشمة الرئيسية كعادته اليومية.
سيجاره الرفيع بين صوابعه، ونضارة الشمس على عينيه، وقميصه مفتوح لحد نص صدره كأنه في مصيف مش في موقع عسكري على الجبهة.
بدأ جولته المعتادة على الجنود.
وقف شوية عند مجموعة بتتمرن، وراح يعلق بسخريته المعروفة على أداء كام واحد منهم.
أسرع يا بطل... لو المصريين هجموا هتجري منهم ولا هتحاربهم؟
ضحك بعض الجنود بينما كمل بنيامين طريقه.
وقف بعدها عند الدبابة الوحيدة الموجودة في الحصن، واللي كان كام جندي شغالين في صيانتها. تابع شغلهم ثواني معدودة، وبعدها بدأ يطلع الساتر الترابي ناحية نقطة المراقبة الأمامية.
فوق كان فيه جنديين ماسكين أجهزة المراقبة وبيبصوا ناحية الضفة المصرية.
بعد دقايق قليلة، نزل واحد منهم جري ناحية مكان التدريب.
وقف قدام إيلي وهو بيحاول يلقط نفسه وقال:
الرائد بنيامين عايزك فوق حالًا.
ساب إيلي التمرين وطلع بسرعة.
وبعد لحظات كان واقف جنب بنيامين فوق أعلى نقطة مراقبة في الحصن.
من فوق، كان المنظر كله ظاهر.
قناة السويس تحتهم مباشرة.
قدامهم الضفة المصرية.
ووراها الأرض المصرية ممتدة لحد آخر مدى تقدر العين تشوفه.
ضباب الصبح الخفيف كان لسه معلق فوق الأرض، مدي المشهد كله شكل هادي وغريب.
كان بنيامين باصص في جهاز المراقبة البصري ومركز جدًا.
أما إيلي فكان واقف جنبه بيتابع المشهد في صمت.
فجأة تمتم بنيامين بضيق:
راحت فين الكتيبة اللعينة دي؟
لف إيلي ناحيته وقال:
كتيبة إيه يا فندم؟
من غير ما يبعد عينه عن الجهاز رد بنيامين:
كتيبة المدفعية اللي وصلت امبارح.
سكت لحظة وبعدين كمل:
تمركزت على بعد حوالي عشرة كيلو من القناة... النهارده اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها.
فضل إيلي ساكت.
هو أصلًا كان عارف بوصول الكتيبة دي، وكان هو بنفسه اللي بعت تفاصيلها للقيادة.
كمل بنيامين كلامه وهو بيقلب بالجهاز على المناطق المقابلة:
لحد امبارح كنت مقتنع إن المصريين بيحشدوا قواتهم بالتدريج.
رد إيلي:
وده فعلًا اللي تقارير المخابرات كانت بتقوله... المصريين بيزودوا قواتهم بشكل مستمر.
فجأة نزل بنيامين الجهاز من على عينه والتفت له بعصبية:
إزاي التقارير تبقى صح والكتيبة تختفي بالشكل ده؟
وأشار بإيده ناحية الضفة التانية.
كانت هناك... بعيني شفتها امبارح.
بص إيلي للناحية اللي بيشاور عليها وسأله بهدوء:
يمكن اتحركت لمكان تاني؟
ضحك بنيامين ضحكة قصيرة كلها سخرية وقال:
كتيبة مدفعية كاملة مش شنطة سفر عشان تختفي كده.
وسكت شوية قبل ما يرجع يبص في الجهاز تاني.
أما إيلي فكان واقف جنبه، ملامحه هادية، لكن جواه كان بيفكر في حاجة واحدة...
لو بنيامين لاحظ اختفاء كتيبة واحدة بس، يبقى يا ترى هيقول إيه لو عرف إن فيه حاجات أكبر بكتير بتتحرك على الضفة التانية من غير ما حد يقدر يشوفها؟
المصريين عقيدتهم القتالية روسي. والروس مايعرفوش يهجموا من غير مدفعية. المشاة عندهم بيتحركوا تحت حماية نيران المدفعية المباشرة وغير المباشرة... من غير مدفعية مفيش هجوم.
رد إيلي بهدوء:
يمكن رجعت لورا... أبعد من مدى الرؤية بتاع الجهاز.
هز بنيامين راسه وقال بثقة:
وده دليل زيادة إنهم رجعوا لأوضاعهم الدفاعية. وقت الهجوم المدفعية بتتحرك لقدام عشان تغطي مدى أبعد. ما اتعلمتش الكلام ده في الأكاديمية العسكرية؟
ابتسم إيلي ابتسامة خفيفة وقال:
احنا ما درسناش التكتيكات الروسية بالتفصيل في مدرسة المخابرات. وانت عارف إني تخصصي اتصالات وتنصت إلكتروني، مش ضابط عمليات.
بص له بنيامين لحظة ثم قال:
آه صحيح... نسيت.
وسكت شوية قبل ما يكمل:
المهم ابعت التقرير الصباحي للقيادة. قولهم إن كتيبة المدفعية اللي وصلت امبارح اختفت من قدامنا، وإن المصريين هاديين جدًا، ومفيش أي مؤشرات على استعدادات قتالية.
حاضر يا فندم.
في حاجة تانية؟
لأ.
تمام... أشوفك على الفطار.
حاضر.
نزل إيلي من نقطة المراقبة ورجع لشغله.
وعدى اليوم ببطء شديد.
ساعات طويلة بين أجهزة التنصت، ومتابعة الاتصالات المصرية المعتادة، وتقارير روتينية مكررة حافظها عن ظهر قلب.
مكالمات عائلية...
طلبات تموين...
بلاغات إدارية...
ولا أي حاجة توحي إن فيه حدث كبير بيتحضر على الضفة التانية.
وكل شوية كان يسيب غرفة الاتصالات ويتمشى جوه الحصن يكسر الملل اللي مخيم على المكان.
وقبل المغرب بشوية، طلع وقعد فوق الساتر الترابي.
فضل باصص للشمس وهي بتنزل ببطء ناحية الأفق، وتختفي ورا الأرض المصرية.
الهواء كان هادي، والمشهد كله باعث على السكينة.
ولأول مرة من الصبح، ساب دماغه تسرح بعيد عن الشغل.
افتكر نفسه من سنين.
افتكر الظروف الصعبة اللي عاشها هو وأسرته بعد حرب يونيو 67.
الحرب اللي الإسرائيليين بيسموها "حرب الأيام الستة".
وقتها الإعلام في إسرائيل كان عامل من الجيش أسطورة.
الجنرالات أبطال.
والضباط أبطال.
والجنود أبطال.
كل يوم قصص انتصارات وصور ومقابلات وأفلام تسجيلية.
لدرجة إن ناس كتير جريوا يقدموا في الجيش، مش بس بدافع الوطنية، لكن كمان بسبب المكانة الاجتماعية والمميزات المادية اللي بقت مرتبطة بالخدمة العسكرية.
وكان إيلي واحد من الناس دي.
لكن اللي فتح له الطريق أكتر من أي حاجة تانية كانت أصوله القديمة وإتقانه الكامل للغة العربية.
أول ما التحق بالخدمة، اتنقل مباشرة تقريبًا للمخابرات العسكرية.
في البداية اشتغل مترجم.
مجرد مترجم بيترجم مكالمات ووثائق وتقارير.
لكن مع الوقت، بدأ يلفت الأنظار.
كان ذكي.
صبور.
وبيفهم تفاصيل المجتمع العربي أكتر من أغلب زملائه.
وده خلاه يتنقل من مهمة للتانية، ومن موقع للتاني.
ومع كل سنة كانت مسؤوليته بتكبر.
لحد ما بقى موجود النهارده في واحد من أهم المواقع على الجبهة كلها.
ورغم كل اللي حققه...
ورغم الرتبة والمكانة...
فضل وهو باصص للشمس الغاربة حاسس إن فيه حاجة غلط.
حاجة مش راكبة.
المصريين هاديين زيادة عن اللزوم.
والهدوء ده... كان مقلق أكتر من اى حاجة تانية
فضل إيلي قاعد فوق الساتر الترابي، بيتابع حركة الجنود المصريين على الضفة التانية من القناة.
في نفس اللحظة كان أذان المغرب بيرفع من بعيد، صوته واصل خافت مع نسمات الهوا اللي جاية من ناحية الغرب.
شاف كام جندي بينزلوا ناحية المية يتوضوا، وغيرهم بيتسلموا نوبات الحراسة من زمايلهم.
كل حاجة كانت ماشية بنفس الرتم المعتاد.
حركة هادية.
بطيئة.
مكررة.
كأن اليوم نسخة طبق الأصل من اللي قبله.
اتنهد إيلي وهو متابع المشهد قدامه وقال لنفسه:
أكيد الملل قاتل عندهم زي ما هو قاتل عندنا بالظبط... يمكن أكتر كمان.
وسكت لحظة وهو مكمل مراقبة الشاطئ المقابل.
يوم ورا يوم... نفس المنظر... نفس المواقع... نفس الوجوه تقريبًا.
وبعدين سرح بخياله شوية.
بس يا ترى... لو واحد من الجنود المصريين زهق فجأة؟ لو واحد فقد أعصابه أو حب يعمل أي بطولة فردية؟
بص حواليه لنفسه وهو واقف فوق الساتر.
أنا دلوقتي هدف سهل جدًا... واقف فوق، وواضح لأي حد معاه منظار أو بندقية.
هز كتفه وهو بيكمل كلامه مع نفسه:
ومع ذلك عمرنا تقريبًا ما بنشوف تصرفات فردية أو اندفاعات غبية من النوع ده.
ورجع يبص ناحية الضفة المصرية من جديد.
الحاجة اللي فعلًا مش قادر أفهمها هي الانضباط ده جاي منين؟
في الوقت اللي الجنود عنده كانوا بيحاولوا يقتلوا الملل بأي طريقة... لعب، هزار، موسيقى، زيارات ترفيهية، وأي حاجة تكسر رتابة الأيام...
كان الجنود اللي قدامه مكملين يومهم بنفس الهدوء.
لا حركات عصبية.
ولا استعراض.
ولا ردود أفعال متهورة.
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو بيهز راسه:
غريبة فعلًا...
وسكت للحظة قبل ما يكمل في سره:
يمكن عشان عارفين إن أي طلقة تتضرب من غير سبب ممكن تشعل الجبهة كلها.
أو يمكن عشان متعودين على الصبر أكتر مننا.
أو يمكن... فيه حاجة تانية أنا لسه مش فاهمها.
فضل باصص للضفة التانية وهو غارق في أفكاره، بينما كان صوت الأذان بيختفي تدريجيًا مع آخر خيوط الشمس، والقناة بين الضفتين ساكنة كأنها بتحاول تخفي ما يدور في عقول الرجال على الجانبين.
فضل إيلي متابع الضفة المصرية لحد ما الدنيا أظلمت خالص.
بقى صعب تفرق بين سواد السما وسواد مياه القناة، وكل التفاصيل اللي كانت واضحة من شوية اختفت جوه العتمة.
قام من مكانه ونفض التراب عن هدومه، ورجع ناحية الحصن الهادي عشان يقضي ساعته المعتادة مع قراءة التلمود.
5 يونيو 1973
من بدري كان الحصن كله عايش في أجواء احتفال.
النهارده الذكرى السادسة لحرب الأيام الستة.
ست سنين على الحرب اللي غيرت شكل المنطقة كلها.
ومن كام يوم كانت قيادة المنطقة الجنوبية باعتة شحنة كاملة للاحتفال.
صناديق خمر بكل الأنواع.
أكل ولحمة وفراخ.
مياه غازية.
مجلات.
أسطوانات موسيقى جديدة.
وأفلام أمريكاني للسهرة.
أما بنيامين فكان في قمة سعادته.
اعتبر المناسبة فرصة مثالية يكسر بيها ملل الشهور الطويلة اللي الرجالة عايشاها في الحصن.
ومع أول الليل بدأت الموسيقى تعلى.
وبدأت الزجاجات تتفتح واحدة ورا التانية.
والحفلة استمرت لساعات.
ولحد نص الليل تقريبًا كان أغلب الجنود والضباط فقدوا القدرة على التمييز بين أول الكاس وآخره.
ما شربش غير اتنين بس.
إيلي...
وجندي متدين من طاقم الاتصالات.
الباقيين تقريبًا خلصوا كل اللي اتبعت من القيادة.
ولما الحفلة انتهت، بقى الحصن عامل زي ساحة معركة غريبة.
أجساد مرمية هنا وهناك.
ناس نايمة فوق الكراسي.
وناس نايمة على الأرض.
وزجاجات فاضية في كل مكان.
مشى إيلي وسط المشهد وهو هازز راسه بعدم رضا.
وهو رايح ناحية غرفة الاتصالات لمح الجندي المتدين قاعد لوحده قدام الأجهزة، حاطط السماعات على ودانه ومركز في شغله، وجنبه أطباق فاضية من العشا.
دخل إيلي أوضته وهو بيتمتم لنفسه:
وكأننا بنطلب من المصريين ييجوا يهجموا علينا.
تاني يوم الصبح...
كان المنظر أسوأ.
الجنود خارجين من النوم بصعوبة.
عيون حمرا.
صداع.
ووجوه مرهقة.
حتى بنيامين نفسه خرج من الدشمة وهو مش متزن بالكامل، ولسه ماسك بقايا زجاجة ويسكي في إيده.
بص لهم إيلي باشمئزاز.
وفيما بعد كان دايمًا يوصف اليوم ده بجملة واحدة:
"كان منظر يدعو للتقزز."
رجالة المفروض إنها خط الدفاع الأول على القناة...
وحالتهم ما تسمحش حتى بنوبة حراسة محترمة.
قضى اليوم كله تقريبًا وهو بيحاول يفوق فريق الاتصالات.
قهوة.
شاي.
أوامر.
شتايم أحيانًا.
وأي حاجة ممكن ترجع تركيزهم.
لكن من غير فايدة كبيرة.
ومع دخول الليل، رجع الهدوء المعتاد للحصن.
واحد ورا التاني دخل ينام.
أما إيلي فكان عليه نوبة المراقبة الليلية طبقًا للجدول المعتاد.
الساعة اتنين الفجر بالظبط...
حصل شيء غير متوقع.
فجأة الأجهزة كلها دبت فيها الحياة.
إشارات.
مكالمات.
بلاغات.
نداءات.
شبكة الاتصالات المصرية اشتعلت مرة واحدة.
رفع إيلي راسه من فوق الجهاز.
في ثواني كانت عينيه مركزة بالكامل.
التقط سماعة تانية وبدأ يتابع.
الموضوع مش مكالمة أو اتنين.
ولا حتى نشاط عادي.
كان سيل كامل من الاتصالات.
تليفونات سلكية.
لاسلكي.
بلاغات رايحة جاية.
وحركة غير طبيعية على نطاق واسع.
لدرجة إنه اضطر يصحي فريقه كله فورًا.
بعد دقائق قليلة كانت غرفة الاتصالات مليانة حركة.
كل واحد قدام جهاز.
كل واحد بيسجل ملاحظات.
وكل دقيقة بيظهر تردد جديد أو رسالة جديدة.
شيء بالشكل ده عمره ما حصل من ساعة ما وصل للجبهة.
وفجأة فتح باب الغرفة بعنف.
دخل بنيامين.
لابس هدوم النوم فقط، ولسه آثار السهر باينة على وشه.
وقف ورا إيلي مباشرة وسأله:
إيه اللي بيحصل؟
من غير ما يرفع عينه عن الأجهزة رد إيلي:
معرفش...
ثم سكت ثانية وهو بيسمع رسالة جديدة جاية من أحد الترددات.
وبص لبنيامين لأول مرة وقال:
لكن أكيد فيه حاجة كبيرة بتحصل الليلة.
في اللحظة دي اختفى أي أثر للنعاس أو الخمر من عيون الموجودين في الغرفة.
وكل الحواس بقت متوجهة ناحية الضفة التانية من القناة...في انتظار معرفة السر وراء ذلك الانفجار المفاجئ في الاتصالات.
أوامر بالاستعداد...
أوامر بالتحرك...
تأكيدات باستلام الأوامر...
بلاغات رايحة جاية على كل الترددات.
في دقائق قليلة اتحولت شبكة اتصالات الجيش التاني المصري لخلية نحل شغالة بأقصى طاقة.
ما استناش بنيامين كتير.
خرج جري من غرفة الاتصالات ودخل غرفة القيادة.
رفع السماعة واتصل بقيادة المنطقة الجنوبية في أم مرجم بوسط سينا.
كان بيتكلم بانفعال واضح:
المصريين بيتحركوا... شبكة الاتصالات شغالة بكامل طاقتها... الهجوم ممكن يبدأ في أي لحظة.
لكن الرد اللي وصله كان قصير:
انتظروا.
حط السماعة وهو مش مقتنع.
وبدون ما يستنى أكتر، ضغط على جرس الإنذار.
في لحظات دوى صوت الجرس في كل أنحاء الحصن.
الجنود صحوا مفزوعين.
الضباط خرجوا جري من الدشم.
كل واحد اتجه لموقعه القتالي.
أطقم الدبابة الوحيدة في الحصن جروا ناحيتها، وشغلوا المحرك واستعدوا لأي اشتباك محتمل.
أما بنيامين فكان واقف في غرفة القيادة بيدي أوامره بسرعة:
بلغوا كل الحصون المجاورة بحالة الاستعداد القصوى.
وصلت الأوامر فورًا.
وبدأت الردود ترجع واحدة ورا التانية:
حصن كذا جاهز.
حصن كذا في حالة استعداد كامل.
تم استلام التعليمات.
النص ساعة اللي بعد كده مرت كأنها سنة كاملة.
كل دقيقة كانت أطول من اللي قبلها.
رجالة المراقبة فوق الساتر بيبعتوا تقارير متواصلة:
لا يوجد تحركات ظاهرة.
الضفة المصرية هادئة.
لا توجد معدات متقدمة للأمام.
لا توجد أي علامات على بدء هجوم.
ورغم كده كانت الاتصالات المصرية لسه شغالة بكثافة غير معتادة.
فضل بنيامين ماشي رايح جاي جوه غرفة القيادة وهو مستني رد القيادة.
لحد ما قربت الساعة من تلاتة الفجر.
أخيرًا وصلت الرسالة.
التقطها عامل اللاسلكي وسلمها لبنيامين.
قرأها بسرعة.
ثم أعاد قراءتها مرة تانية.
وبعدين رفع راسه وقال بصوت مسموع:
القيادة بتقول إن المصريين غالبًا بينفذوا تدريب مفاجئ لمراكز القيادة وشبكات الاتصالات.
سكت لحظة ثم أكمل:
الجبهة كلها هادية... ومفيش أي حاجة تدعو للقلق.
لأول مرة من ساعة الإنذار، الناس بدأت تتنفس بشكل طبيعي.
واحد ضحك.
واحد شتم حظه لأنه اتسحب من النوم.
وآخر رجع يقفل أزرار سترته العسكرية وهو بيتمتم بكلمات غير مفهومة.
حتى إيلي نفسه حس إن التوتر اللي كان ماسك أعصابه بدأ يفك شوية.
ورغم إن سيل الرسائل والإشارات المصرية ما وقفش، لكنه بقى بيتعامل مع الموضوع بهدوء أكبر.
بعد ساعة تقريبًا رجعت
الأمور لطبيعتها.
بعض الجنود رجعوا لدشمهم.
آخرون فضلوا في مواقعهم الاحتياطية.
أما بنيامين فوقف عند باب غرفة الاتصالات، وبص ناحية إيلي وقال مبتسمًا:
شكلي صحيت الحصن كله عالفاضي.
رد إيلي وهو لسه مركز في السماعات:
لو كانت حرب فعلًا، كنا هنشكر نفسك إنك صحيتهم بدري.
ابتسم بنيامين وهز راسه.
لكن رغم الهدوء اللي رجع للمكان...
ورغم اقتناع الجميع تقريبًا إن اللي حصل مجرد تدريب مصري مفاجئ...
فضل جواه إحساس صغير مزعج.
إحساس بيقوله إن اللي شافه الليلة مش طبيعي.
وإن القصة يمكن تكون أكبر من مجرد تدريب عادي...
قرب الساعة 8 الصبح، بدأت حركة الاتصالات المصرية تهدى بالتدريج.
رجعت الأجهزة لصوتها المعتاد، ورجع الهدوء النسبي لغرفة الاتصالات.
ومع اختفاء التوتر، رجع الهزار كمان.
كان أول واحد يبدأ هو الضابط المساعد، اللي خلع السماعة من على ودانه وقال وهو بيتمطى:
واضح إن المصريين كانوا بيعاقبونا على سهرة امبارح... لقوا إننا اتأخرنا في النوم فقالوا نسهرهم لحد الصبح.
انفجر الموجودون في الضحك.
رد عليه واحد من الجنود:
والله لو كانوا ناويين يهجموا بجد كان هيبقى أسهل عليهم من كمية الرسائل اللي بعتوها طول الليل.
زادت الضحكات أكتر.
وقال جندي تالت:
أكيد عندهم ظابط اتصالات جديد وبيجرب كل الأزرار اللي قدامه.
وبدأ سيل النكات والتعليقات يشتغل على المصريين وعلى اللي حصل طول الليل.
وفي عز الضحك دخل بنيامين غرفة الاتصالات.
أول ما سمع آخر نكتة ضحك هو كمان، وقعد يشاركهم الهزار والتريقة.
لكن فجأة رفع واحد من الجنود راسه وقال بجدية:
يا فندم... سؤال بس.
سكت الجميع.
بص له بنيامين وقال:
اتفضل.
قال الجندي:
لو المصريين هجموا بجد... إحنا هنا كام واحد؟ دستة رجالة ودبابة واحدة. نعمل إيه قدام الكتيبة 16 اللي قصادنا؟
اختفت الابتسامات فجأة.
وساد الصمت في الغرفة.
حتى اللي كانوا بيضحكوا من ثواني بقوا مستنيين الإجابة.
مشى بنيامين كام خطوة ناحية الجندي.
وحط إيده على كتفه.
وبعدين بص للجميع وقال:
عايزين نتكلم بجد؟ ماشي.
سحب نفس طويل من السيجار اللي كان ماسكه وكمل:
لما المصريين بدأوا الحشد الشهر اللي فات، اتحركت كتيبة دبابات كاملة كتعزيز لينا طبقًا للخطة.
وأشار بإيده ناحية الخارج.
يعني عند أول إشارة خطر هيبقى عندنا تلاتين دبابة زيادة غير اللي موجودة هنا.
ثم أكمل بثقة:
وكل واحد فيكم متدرب كويس وعنده ذخيرة تكفي إنه يوقف أي قوة تحاول تقتحم الموقع.
الحصن ده معمول عشان يتحمل القصف المدفعي.
ومصمم يتحمل الضرب الجوي.
وعندنا مخزون ذخيرة وأكل ومياه يكفي أسبوع كامل من القتال المتواصل.
بدأت الوجوه تستعيد بعض الاطمئنان.
أما بنيامين فواصل كلامه:
ده غير إن أي إعلان طوارئ حقيقي هيسبق الحرب بيومين على الأقل.
وقتها عددكم هنا هيتضاعف ويبقى أكتر من تلاتين جندي.
والحصن هيتدعم بأربع دبابات إضافية.
رفع خمس صوابع قدامهم وقال:
يعني بدل دبابة واحدة هيبقى عندكم خمس دبابات.
ثم أشار بإبهامه للخلف.
وعلى بعد تلاتة كيلو بس من هنا فيه خمس وعشرين دبابة تانية جاهزة للتحرك وقت اللزوم.
طلع سيجار رفيع من جيبه.
ولعه بهدوء.
وأخذ نفسًا طويلًا قبل ما يكمل كلامه بنبرة الواثق من نفسه:
والأهم من كل ده...
إحنا مش لوحدنا.
ورانا جيش كامل.
وطيران كامل.
ودولة كاملة مستعدة تتحرك في دقائق.
لذلك بلاش حد يفكر إن الحصن ده متساب لوحده في الصحراء.
سكت لحظة وهو ينفث دخان السيجار.
ثم ابتسم ابتسامة واثقة وقال:
ولو المصريين فكروا يهاجموا فعلًا... فأنا متأكد إنهم هما اللي هيندموا على القرار ده.
أظن إن ده كفاية يوقف لواء مشاة مصري كامل، مش مجرد كتيبة صغيرة... مش كده؟
بص بنيامين للوجوه اللي حواليه وكمل بثقة:
بلاش قلق يا رجالة... بالعكس، أنا أتمنى المصريين يقرروا يبدأوا الحرب بكرة قبل بعده. الملل هنا بقى أخطر علينا من المصريين نفسهم.
انفجرت الغرفة كلها ضحك.
وكمل بنيامين وهو بيضحك:
وبعدين ما تنسوش خزانات النابالم الممتدة لحد القناة... المصريين شافوا التجربة السنة اللي فاتت بعينيهم لما المية نفسها ولعت وبقت بحر نار.
وفجأة قال إيلي من غير ما يفكر:
بس الخزانات دي فاضية... وما اتعملهاش صيانة من زمان.
لف بنيامين ناحيته وهو مبتسم ابتسامة كلها غرور وقال:
أيوه... ده حقيقي.
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
لكن المصريين ما يعرفوش كده.
رجعت الضحكة لوشه وهو بيكمل:
وصدقني... الرعب اللي دخل قلوبهم يوم التجربة مكفي لحد النهارده.
ثم أضاف ضاحكًا:
لكن لازم نعترف بحاجة... المصريين نجحوا الليلة دي إنهم يطيروا النوم من عينينا ويخوفونا شوية.
ضحك الموجودون مرة تانية.
وحتى إيلي نفسه ابتسم وهو بيتابع الهزار الدائر في الغرفة.
لكن فجأة...
التقطت ودانه صوت مألوف خارج من أحد أجهزة الاستقبال.
في لحظة اختفت الابتسامة من على وشه.
ولف ناحية الجهاز بسرعة.
جاله الصوت واضح:
فنجان شاي وسيجارتين ما بين العصر والمغرب...
وبعد ثواني:
فنجان شاي وسيجارتين ما بين العصر والمغرب...
رفع الجندي اللي جنبه راسه في نفس اللحظة.
كان هو كمان سمع الإشارة.
بص لإيلي باستغراب.
أما إيلي فكانت الدهشة واضحة على ملامحه.
التفت ناحية بنيامين وقال وهو بيحاول يخفي اهتمامه:
هو تردد 109 ده تبع مطعم الجيش التاني مثلًا؟
ضحك بنيامين وقال:
ليه؟ إيه اللي حصل؟
رد إيلي:
دي تاني إشارة خلال شهرين تيجي على نفس التردد... والغريب إن كلمة "شاي" موجودة في الاتنين.
عقد بنيامين حاجبيه وقال:
طب المخابرات ردت عليكم بحاجة بخصوص الرسالة اللي فاتت؟
لأ... مفيش أي تفسير وصل.
هز بنيامين كتفه بلا مبالاة.
خلاص... اعمل اللي عليك.
ثم أشار ناحية الأجهزة.
ابعتها للقيادة زي كل مرة.
مهمتك تسمع وتسجل وتبعت التقارير.
أما فك الشفرات والتحليل... سيب الناس اللي قاعدين تحت التكييف في بئر السبع يشتغلوا هما شوية.
ابتسم إيلي وقال:
مفهوم.
رد بنيامين:
ابعت الرسالة وبعدين روح نام.
وبصله نظرة فاحصة وأضاف:
أنت صاحي بقالك يومين تقريبًا.
تنهد إيلي وقال:
فعلًا... محتاج أنام كام ساعة.
يبقى روح ارتاح.
أشوفك بعدين.
بعد دقائق قليلة...
كان إيلي ممدد على سريره الميداني.
الغرفة هادية.
وأصوات الأجهزة جاية خافتة من بعيد.
لكن عقله ماكانش قادر يفصل.
كانت الجملة بتتكرر جواه مرة ورا مرة:
"فنجان شاي وسيجارتين ما بين العصر والمغرب..."
فضل يقلب الكلمات في دماغه.
ثم ظهرت ابتسامة خفيفة على وشه.
وتمتم لنفسه قبل ما يغلبه النوم:
تمام يا دمنهوري...
رسالتك وصلت.
وأغمض عينيه.
يبقى الموعد بكرة... بعد أذان العشا مباشرة.
وبعد لحظات قليلة كان غرق في النوم.
غير مدرك أن الرسالة اللي شغلت تفكيره ما كانتش مجرد كلمات عشوائية.
ولا كان يعرف إن الجملة أصلًا جزء من مطلع أغنية مصرية قديمة للملحن محمد الموجي، في تجربته الغنائية الوحيدة...
وإن المعنى الحقيقي للكلمات كان أبعد بكتير من أي تفسير ممكن يخطر على بال رجال التنصت في تلك الليلة.
قبلت الدشمة الرئيسية، كان إيلي خارج وهو شايل رشاش العوزي على كتفه، وفي إيده كتاب التلمود، وفي الإيد التانية ترمس شاي سخن وكوباية.
ومع صوت أذان العشا اللي كان جاي من الناحية المصرية لقناة السويس، بدأ يمشي وسط الضلمة، يعدّي في خنادق المواصلات، ومتجه للدشمة المهجورة.
رغم إن الضلمة كانت حالكة، إلا إنه كان حافظ المكان عن ظهر قلب. كان عارف كل خطوة هيمشيها، يوصل إزاي من غير ما يزوغ عن الطريق، أو يدخل بالغلط في حقل ألغام، أو يتعلق في أي سلك شائك حوالين الموقع.
نزل سلالم الدشمة بهدوء، ومشى كام خطوة وهو بيتحسس طريقه لحد الصندوق اللي في نص المكان. حط عليه رشاشه، وكتاب التلمود، والترمس والكوباية، وبعدها فضل يدور على لمبة الجاز، لحد ما لقاها. ولما ولعها...
اتفاجئ بصوت الدمنهوري خارج من وراه، هادي وثابت:
شالوم يا إيلي.
إيلي اتلفت بسرعة، وإيده راحت تلقائيًا على رشاشه، لكنه أول ما عرف الصوت، اتنهد وهو بيبص للدمنهوري الممدد على السرير الميداني المقابل للطاولة.
قال بانفعال وهو بيحاول يلم نفسه:
إيه اللي بتعمله ده يا راجل؟! إنت كنت هتموتني من الرعب!
.
انفجر الدمنهوري في الضحك وهو شايف الفزع مرسوم على وش إيلي، اللي بقى واضح قدامه في نور لمبة الجاز الخافت. ومد إيده يصافحه وهو لسه بيضحك.
قال إيلي وهو بيحاول يهدي نفسه:
والله يا راجل، إنت زرعت الرعب في قلبي!
ابتسم الدمنهوري وقال:
حقك عليا يا خواجة إيلي.
وبعدين بص للترمس وقال وهو بيهزر:
مبروك ترمس الشاي... كده بقى هنشرب كباية عدلة.
بص إيلي للترمس بابتسامة وقال:
ده واحد من الهدايا اللي اتوزعت علينا بعد حرب الأيام الستة.
رد الدمنهوري بسرعة:
أمال يلا... صب لنا كباية قبل ما الشاي يبرد.
فتح إيلي الترمس، وصب للدمنهوري كباية، واستخدم غطا الترمس كوباية ليه، وبعدها قعد قصاده.
أول ما ارتشف الدمنهوري أول رشفة، قال:
قعدتوا سهرانين لحد الفجر أول امبارح... صوتكم كان واصل لينا الناحية التانية.
ابتسم إيلي وقال:
سيبك من الهزار... وقولي عملتوا إيه امبارح بالليل؟
رفع الدمنهوري حاجبه باستغراب وقال:
إيه اللي حصل امبارح؟ تقصد إيه؟
قال إيلي وهو بيبص له بجدية:
سيل الإشارات السلكية واللاسلكية اللي اشتغلتوا بيه.
مط الدمنهوري شفايفه بعدم اهتمام وقال:
عادي يا إيلي... تدريب زي أي تدريب.
هز إيلي راسه وقال:
لأ... التدريب ده عمل عندنا حالة رعب.
ارتشف الدمنهوري شوية شاي وقال بنبرة هادية:
ليه؟ احكيلي... إيه اللي حصل؟
أخذ إيلي نفسًا وقال:
اللي حصل كان كأن الحرب هتقوم في أي لحظة. كل الإشارات اللي وصلتنا كانت حقيقية ومؤكدة، لدرجة إن بنيامين أمر برفع درجة الاستعداد فورًا واتصل بالقيادة.
ابتسم الدمنهوري وقال وهو بيطلع ورقة صغيرة من جيبه:
لأ... احكيلي بالتفصيل... وبالمواعيد. زي ما اتعودنا... وزي ما اتدربت.
هز إيلي رأسه وقال:
تمام... أول رسالة وصلت بالظبط الساعة اتنين الفجر. خدت مني حوالي تلات دقايق عشان أتأكد إنها إشارات حقيقية، وإنها مش مجرد تشويش منكم. بعدها اتصلت ببنيامين، وكان نايم. جه عندي بعد دقيقة تقريبًا، وبعد ما فهم اللي بيحصل بدقيقتين ضغط جرس إنذار الحصن.
الدمنهوري قاطعه بسرعة:
يعني من أول رسالة لحد صفارة الإنذار... حوالي خمس دقايق؟
أيوه... تقريبًا خمس دقايق.
وبعدها؟
بعدها بنيامين اتصل بالقيادة في أم مرجم يستفسر إيه اللي بيحصل. بس مجرد إنه يجيب الخط خد دقيقة كاملة، لأن شبكة الاتصالات كانت زحمة جدًا بسبب الإشارات اللي كنتوا شغالين بيها. وبعدها أخيرًا القيادة ردت عليه.
مال الدمنهوري بجسمه للأمام وقال باهتمام واضح:
وقالوله إيه؟
لا... استنى، أنا لخبطت. اللي حصل إن بنيامين اتصل الأول، والقيادة قالتله: "استنى"... وبعدها هو اللي أمر بضرب جرس الإنذار.
الدمنهوري بصله باستغراب وقال:
مالك يا إيلي؟ إيه اللي حصل؟ دي مش حاجة تغلط فيها. ده إحنا متدربين على كل كلمة. قولي... رد القيادة كان إيه بالظبط؟
إيلي أخد نفس طويل وقال:
أحمد ربنا إني لسه فاكر التوقيتات. لو كنت مكاني، وسط الرعب اللي كنا فيه، كنت هتنسى الزمن نفسه. إحنا وقتها كنا متأكدين مية في المية إن الحرب هتقوم في أي لحظة.
وسكت ثانية، وبعدين كمل:
بعد حوالي ساعة كاملة... أخيرًا القيادة ردت. قالولنا إن الوضع على القناة هادي، ومفيش أي تحركات غير طبيعية، وإن اللي المصريين بيعملوه غالبًا تدريب... يمكن تدريب مراكز قيادة، أو تدريب على شبكات الاتصالات.
الدمنهوري عقد حواجبه وقال:
ساعة كاملة؟! مش شايفها مدة طويلة شوية؟
بصراحة... آه. كانت طويلة جدًا. بس اللي إنتوا عملتوه وقتها كان أربك الدنيا كلها. طبيعي القيادة كانت تحاول تتأكد من كل النقاط الحصينة على امتداد خط القناة قبل ما تطلع أي تقدير.
الدمنهوري هز راسه وقال:
بس إحنا متعودناش عليكم في التأخير ده... ما علينا. إيه اللي حصل بعد كده؟
ضحك الدمنهوري وهو بيصب الشاي في الكوب المعدني الصغير وقال:
مالك يا إيلي؟ إيه اللي حصل؟ دي غلطة يقع فيها ضابط اتصالات زيك؟ ده أنت متدرب على الحاجات دي أكتر من أي حد.
هز إيلي راسه وهو مبتسم:
الحمد لله إني فاكر التوقيتات أصلًا.
ثم أخد رشفة من الشاي وأكمل:
لو كنت مكاني الليلة دي كنت نسيت اسمك مش بس الوقت.
رفع الدمنهوري حاجبه وسأله:
للدرجة دي؟
أكتر.
تنهد إيلي وقال:
إحنا كنا متأكدين مية في المية إن الحرب هتبدأ.
الشبكة كلها اشتغلت مرة واحدة.
أوامر واستعدادات وتحركات في كل مكان.
والرسائل كانت جاية من كل اتجاه.
مفيش ضابط اتصالات في العالم كان هيشوف اللي إحنا شفناه وما يفتكرش إن الهجوم خلاص هيبدأ.
ابتسم الدمنهوري في هدوء وسأله:
وبعدين؟
بنيامين جري على غرفة القيادة واتصل بقيادة المنطقة الجنوبية.
كان متوتر بشكل عمري ما شوفته عليه قبل كده.
أول حاجة سألهم: هل عندكم معلومات عن هجوم مصري؟
ردوا عليه بكلمة واحدة...
انتظروا.
ضحك الدمنهوري وقال:
وبعدها ضغط جرس الإنذار.
أشار إيلي بكوب الشاي نحوه وقال:
بالظبط.
جرس الإنذار اشتغل في الحصن كله.
الناس خرجت من النوم تجري.
الدبابة اشتغلت.
مواقع القتال اتملت.
والكل كان مستني أول طلقة.
ابتسم الدمنهوري ابتسامة صغيرة وقال:
واضح إن ليلتنا كانت سخنة.
رد إيلي:
سخنة؟!
ثم ضحك وهو يهز رأسه.
نص ساعة كاملة وإحنا واقفين مستنيين نهاية العالم.
وكل دقيقة كانت أطول من ساعة.
لحد ما القيادة بلغت بنيامين إن اللي حاصل مجرد تدريب.
سكت لحظة ثم نظر للدمنهوري مباشرة.
بصراحة؟
أنا لأول مرة أشوف الحصن كله في حالة رعب حقيقية.
مش توتر...
رعب.
لأننا كنا شايفين الصورة ناقصة.
بنسمع كل حاجة ومش فاهمين حاجة.
أخذ الدمنهوري رشفة من الشاي دون أن يعلق.
أما إيلي فاستكمل:
الغريب إن الرسائل نفسها ما كانتش بتقول حاجة خطيرة.
لكن حجمها وعددها وطريقة تبادلها...
هي اللي خلت الكل يفترض أسوأ احتمال.
هنا ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه الدمنهوري.
ابتسامة فهمها إيلي فورًا.
فضحك وقال:
أيوه... واضح إن ده كان المطلوب بالظبط.
رفع الدمنهوري عينه إليه وقال بهدوء:
ساعات يا إيلي... أهم رسالة مش هي اللي بتتبعت.
أهم رسالة هي اللي بتخلي خصمك يتخيل الباقي بنفسه.
سكت إيلي للحظات.
ثم هز رأسه بإعجاب وقال:
كل مرة أكلمك فيها باكتشف إنكم بتلعبوا لعبة أكبر بكتير من اللي كنت متخيله.
ابتسم الدمنهوري وهو ينظر ناحية القناة المظلمة وقال:
ولسه يا إيلي...
لسه.
ثم سأله:
وبعدين؟
بعدين دار بينا كلام أعتقد يهمك تعرفه.
بنيامين قال إنكم كنتم بتحشدوا قوات خلال مايو اللي فات.
وإن بسبب الحشد ده اتقدمت قوات الاحتياطي القريب عشان تدعم المواقع الأمامية.
وقال كمان إن قبل أي حرب هيتم دعم الحصن بتلاتين جندي زيادة وأربع دبابات إضافية.
يعني بدل دبابة واحدة هيبقوا خمس دبابات.
ابتسم الدمنهوري ابتسامة خفيفة وقال:
كلام عادي.
دي معلومات أغلبنا عارفها.
ومش أول مرة الاحتياطي الإسرائيلي يقرب من القناة.
هز إيلي كتفه:
يمكن.
ثم سكت لحظة قبل ما يكمل:
بس فيه حاجة تانية.
إيه هي؟
بنيامين تقريبًا بقى مهووس من الشهر اللي فات بسبب كتيبة مدفعية.
تجمدت ابتسامة الدمنهوري قليلًا.
كتيبة مدفعية إيه؟
بيقول إنه شافها بنفسه.
اتقدمت ناحية القناة.
وبعدها اختفت.
ضحك الدمنهوري بخفة:
اختفت؟
أيوه.
ومش لاقيين لها أثر لحد دلوقتي.
رد الدمنهوري بهدوء:
ما فيش كتيبة مدفعية اتحركت أصلًا.
رمش إيلي باستغراب.
إزاي؟
ما فيش.
لا في مايو ولا في يونيو.
ولا قدام موقعكم ولا قدام أي موقع تاني.
بص له إيلي باستغراب واضح.
استنى بس...
بنيامين شافها بنفسه.
وأنا كمان شفت آثار وجودها في التقارير.
وحدد عددها.
واتناشر مدفع 122 ملي مجرور.
وأنا شخصيًا اللي بعت التقرير للقيادة.
في اللحظة دي لمعت عينا الدمنهوري وهو مثبت نظره على إيلي.
وقال ببطء:
وأنا بقولك...
ما فيش كتيبة مدفعية اتحركت.
حس إيلي بقشعريرة خفيفة من النظرة الغريبة في عينيه.
وقال مستغرب:
مالك؟
بتبصلي كده ليه؟
أنا بقولك الراجل شافها بعينه.
حدد العدد.
وحدد العيار.
وحدد مكان التمركز.
والقيادة صدقت البلاغ.
فضل الدمنهوري ساكت لحظة.
ثم ارتسمت على وشه ابتسامة صغيرة غامضة.
وقال:
صدق اللي تحب تصدقه يا إيلي...
ثم مال للأمام قليلًا.
لكن أنا بقولك...
ما فيش كتيبة مدفعية اتحركت قدامكم.
سكت إيلي.
وبص له في حيرة.
لأول مرة من بداية معرفتهم ببعض، حس إن الدمنهوري عارف حاجة هو مش عارفها.
حاجة كبيرة.
وحاجة مرتبطة بشكل مباشر باختفاء الكتيبة الغامضة.
لكن مهما حاول يقرأ ملامح وشه...
ما قدرش يعرف المقصود.
واكتفى بالنظر إليه في صمت، بينما كانت ابتسامة الدمنهوري الغامضة لسه مرسومة على وجهه
مالك يا راجل؟ إيه النظرة المرعبة دي؟!
أنا قلتلك قبل كده إن بنيامين شافهم بنفسه، وعدّهم كمان... كانوا 12 مدفع 122 مجرور، وأنا اللي بعت الرسالة بإيدي.
،صدق اللي إنت عايز تصدقه... إنما أنا بقولك مفيش ولا كتيبة مدفعية اتحركت.
يعني إيه؟ هو بنيامين كان سكران لما شاف المدافع دي؟
وإنت شفتها بعينك؟
لا... بس...
خلاص يبقى صدقني لما أقولك مفيش كتائب اتحركت. يمكن بنيامين حب يعمل فيها صاحي قدام القيادة، ويقولهم إنه رصد تحركات عشان ينقلوه مكان تاني.
وهو هيلقي مكان فيه راحة وهدوء وملل زي الحصن الكئيب ده؟
سيبك من بنيامين... عندك أخبار تانية؟
ساعتها إيلي لف ناحية المكتب، مسك كتاب التلمود، وطلع منه ورقة كبيرة متطبقة كذا مرة، وناولها للدمنهوري.
دي الشفرة الجديدة... هنبتدي نشتغل بيها من أول شهر يوليو الجاي.
الدمنهوري فتح الورقة وبص فيها بسرعة، وهز راسه.
تمام... طيب إنت هتنزل إجازة إمتى؟
وفجأة وش إيلي نور من الفرحة.
الأسبوع الجاي. اللي عملته امبارح وقت التدريب المفاجئ خلا بنيامين يشكر فيا قدام الكل، وكافأني ومدلي الإجازة أسبوعين بدل أسبوع.
تستاهل والله... انزل بقى انبسط مع مراتك والعيال، وفسحهم شوية. الجو عندكم الأيام دي حلو... خدهم انزلوا البحر في حيفا ولا تل أبيب.
ابتسم إيلي وقال:
فعلاً... أنا محتاج أشوف أي لون غير الأصفر. الصحراء خنقتني، بقيت كل ما أبص حواليا ألاقي رمل وبس.
الدمنهوري بصله وهو بيبتسم ابتسامة فيها شوية سخرية وقال:
طيب يا خواجة... ركز معايا كويس.
اتفضل.
أول ما تنزل الإجازة، خد المدام والعيال وروحوا حيفا. وهناك تنزلوا في فندق "كيديم"... عارفه؟ اللي جنب شارع ناهال جاليم. الفندق ده الناس كلها بتشكر فيه، والمطعم بتاعه بيقولوا أكله ممتاز.
بصلي الدمنهوري وهو بيبتسم بهدوء، وحط كباية الشاي من إيده على الترابيزة وقال:
إيه يا خواجة؟ مالك قلبتها جد كده؟
رد الراجل وهو متضايق:
بتهزر معايا؟! هو أنا هروح أصيف في حيفا وأصرف كل اللي حوشته من مرتبي طول الشهور اللي فاتت؟! إنت عارف الأسعار هناك عاملة إزاي؟
ابتسم الدمنهوري أكتر، وقال بثقة:
على مهلك بس... إحنا عارفين كل حاجة عنك. حتى عارفين إنت محوش كام.
بصله باستغراب وقال:
طالما عارفين، يبقى أكيد عارفين إني هخلص كل اللي معايا في الإجازة دي.
هز الدمنهوري راسه وقال:
أيوه... غالبًا هتصرف تقريبًا كل المبلغ.
اتنرفز الراجل وقال:
طيب وليه أعمل كده؟ أنا عندي التزامات أهم، وفي حاجات محتاج الفلوس دي عشانها.
ابتسم الدمنهوري ابتسامة غامضة، وميل لقدام وهو بيقول:
ولو قلتلك... متشيلش هم الفلوس؟
قطب الراجل حاجبيه وقال:
يعني إيه؟
رد الدمنهوري بهدوء:
يعني الرحلة دي مش هتكلفك مليم.
سكت الراجل لحظة وهو مستغرب.
كمل الدمنهوري:
الفسحة دي كلها... على حساب مصر.
فضل الراجل يبصله كأنه مش مستوعب اللي سمعه، وقال بسرعة:
على حساب... مصر؟!
رد الدمنهوري وهو بيبتسم:
أيوه يا خواجة... مصر هي اللي عازماك.
.
اتسعت عينا إيلي فجأة، وفضل باصص للدمنهوري كأنه سمع حاجة مستحيلة.
إيه؟!
ثم ضحك ضحكة قصيرة كلها اندهاش قبل ما يكمل بانفعال:
وإنت هتديني الفلوس إزاي بالظبط؟
فاكر إن الموضوع سهل؟
إنت عارف كام نقطة تفتيش بين الجبهة وبئر السبع؟
ورفع إيده وعدّ على صوابعه:
خمسة.
خمس نقاط تفتيش كاملة.
والتهريب جوه الجيش شغال طول الوقت.
والبوليس الحربي بيجري ورا المهربين ليل نهار.
عايزني أمشي بمئات الشيكلات في جيبي من غير مبرر؟
لو اتفتشت هتكون مصيبة.
وفجأة وقف الدمنهوري من مكانه.
كانت دي من المرات النادرة اللي يظهر فيها غضبه.
اتكلم بصوت منخفض جدًا، لكنه حاد بشكل خلّى إيلي يسكت فورًا.
مش قلتلك مليون مرة إن سلامتك أهم حاجة عندنا؟
وسكت لحظة وهو مثبت عينه في عينيه.
تفتكر إني ممكن أعرضك للخطر يا خواجة؟
عمّ الصمت بين الاتنين.
صمت تقيل.
إيلي حس فورًا إنه اندفع في كلامه أكتر من اللازم.
فنزل عينه للأرض في إحراج وما ردش.
بعد ثواني، هدأ الدمنهوري شوية.
أخذ آخر رشفة من الشاي، ثم قلب الكوب ورمى اللي باقي فيه على الرمل.
ورجع قعد مكانه.
لكن المرة دي كان صوته أهدى...
وإن كانت نبرته أقرب لأمر مباشر ما فيهوش مجال للنقاش.
اسمعني كويس يا إيلي.
أول حاجة...
عمرك ما هتتحط في موقف يخليك تبرر منين جبت فلوس أو ليه معاك فلوس.
وتاني حاجة...
أنا مش بطلب منك رأيك.
أنا ببلغك.
رفع إيلي رأسه باستغراب.
أما الدمنهوري فاستكمل:
الأسبوع الجاي هتنزل أجازتك.
وهتاخد مراتك وولادك.
وهتروح حيفا.
وهتنزل الفندق اللي قولتلك عليه.
وهتقضي أسبوعين كاملين مبسوط.
ثم ظهرت ابتسامة خفيفة على وشه.
وصدقني...
أول ما ترجع هتكتشف إنك كنت محتاج الأجازة دي أكتر مما كنت متخيل.
ظل إيلي ساكتًا للحظات.
ثم قال بحذر:
وإنت متأكد إن مفيش أي مخاطرة؟
رد الدمنهوري فورًا:
لو فيها واحد في المية مخاطرة... كنت أول واحد أمنعك منها.
وسكت قليلًا قبل أن يضيف:
فاكر أول يوم اتقابلنا فيه؟
هز إيلي رأسه.
ساعتها قولتلك إن حياتك مهمة لينا.
والكلام ده لسه زي ما هو.
نظر إليه إيلي طويلًا.
ثم ابتسم أخيرًا.
ابتسامة امتزج فيها الامتنان بالحيرة.
وقال:
كل مرة أكلمك فيها بحس إني عارفك أقل مما كنت فاكر.
ضحك الدمنهوري وهو يلتقط كيس التبغ من جواره.
ودي حاجة كويسة يا خواجة...
لأن لو فهمت كل حاجة بدري... اللعبة هتبقى مملة جدًا.
هز الدمنهوري راسه وقال بهدوء:
هتنزل فندق كيديم... هتلاقي الحجز معمول باسمك عن طريق شركة سياحة من تل أبيب لمدة عشرة أيام.
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
أول ما تدخل أوضة 503، ادخل الحمام وخد دش عادي.
بعد كده فك ماسورة ستارة الحمام.
هتلاقي جواها كيس بلاستيك فيه 3000 شيكل.
خدهم واتفسح.
وانبسط.
وبسط المدام والعيال.
فضل إيلي باصص له ثواني وهو مستوعب الكلام.
ثم تنهد وقال:
أنا آسف يا دمنهوري.
ماكانش قصدي أقلل من حرصكم عليا.
بس إنت عارف طبيعة شغلي.
السنين اللي قضيتها في المخابرات خلتني أشك في أي حاجة وأفكر في كل احتمال.
وحتى لو كل حاجة عدت... ماذا لو مراتي سألتني الفلوس دي جات منين؟
ضحك الدمنهوري وقال:
هو أنا كمان هعلمك إزاي تكذب على مراتك يا إيلي؟
ضحك إيلي رغمًا عنه.
عندك حق.
وأعتذر منك للمرة التانية.
وقف الدمنهوري من مكانه.
وحط إيده على كتف إيلي.
ثم بص له بنظرة مباشرة كانت كفاية تخلي أي حد يسكت ويسمع للآخر.
وقال بنبرة حاسمة:
علشان كده بقولك للمرة المليون...
أمنك وأمن أسرتك أهم حاجة عندنا.
وإحنا عاملين حساب كل تفصيلة.
الفندق سعره معقول ومش هيشد انتباه حد.
وإنت أصلًا ضابط في جيش الدفاع وفي المخابرات.
يعني مرتبك كويس.
محدش هيستغرب إنك نازل فندق محترم في أجازتك.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأكمل:
ده غير إن ناس كتير في نفس رتبتك.
خصوصًا في سلاح الجو.
بينزلوا فنادق أغلى بكتير من كده.
ومحدش بيسألهم جبتوا الفلوس منين.
كان إيلي طول الوقت بيتجنب النظر مباشرة في عيني الدمنهوري.
وفي النهاية هز راسه وقال:
حاضر.
وشكرًا يا دمنهوري.
وياريت توصل امتناني للناس اللي ورا اللفتة الكريمة دي.
ظهرت على وشه ابتسامة متوترة وهو بيقولها.
ابتسامة فيها امتنان...
وفيها كمان حيرة من حجم الاهتمام اللي بيحصل معاه.
ابتسم الدمنهوري وربت على كتفه.
حاضر يا سيدي.
الرسالة هتوصل إن شاء الله.
ثم لف ناحية القناة وهو بيجمع حاجته.
وقال قبل ما يتحرك:
المهم دلوقتي...
انبسط في أجازتك.
اقعد مع مراتك.
والعب مع العيال.
وانسى الشغل شوية.
ثم بص له بطرف عينه وابتسم:
لأن أول ما ترجع...
هيبقى عندنا شغل كتير أوي
بعد سنين طويلة... كتب إيلي في مذكراته عن الفترة دي، ووصفها بجملة غريبة شوية.
قال: "كانت عشرة أيام من الجنة."
يمكن أول مرة في شهور... بل يمكن أول مرة من ساعة ما اتنقل لحصن مستميد... يحس إنه إنسان طبيعي.
عشرة أيام نسي فيهم كل حاجة.
نسي الحصن. نسي القناة. نسي أجهزة التنصت. نسي التقارير العسكرية اللي كانت بتصحّيه قبل ما الشمس تطلع. ونسي حتى إنه عايش على خط مواجهة ممكن يولع في أي لحظة.
كان بيصحى الصبح على صوت ولاده وهم بيجروا في الفندق... مش على صوت اللاسلكي.
يفطر مع مراته في هدوء... وبعدها ينزلوا يتمشوا على البحر.
كان يقعد بالساعات يبص للموج، وهو مش مستوعب إن مفيش حد هيطلبه فجأة، ولا فيه إنذار هيقطّع عليه اليوم.
أما بالليل...
كانت الأسرة كلها تنزل تتمشى في شوارع حيفا.
يلفوا بين المحلات... يشتروا هدوم جديدة للأطفال... يلعبوا... يضحكوا... ويتعشوا برة.
حياة عادية جدًا...
لكن بالنسبة لإيلي... كانت رفاهية نسي شكلها من زمان.
زي ما كان متوقع...
في أول يوم تقريبًا، بصتله مراته وهي شايفة أكياس المشتريات الكتير وقالت باستغراب:
"إيلي... منين جبت كل الفلوس دي؟"
السؤال كان لازم ييجي.
ولحسن حظه... كان مجهز إجابته.
ابتسم وقال لها إن الأيام اللي فاتت كانت صعبة جدًا على الجبهة.
قال إن المصريين عملوا تحركات مفاجئة رفعت حالة الاستنفار بالكامل، وإنه قدر يتصرف بسرعة ويحافظ على الموقف، فقيادته قررت تكافئه بإجازة أطول شوية، ومعاها مكافأة مالية خاصة.
القصة كانت منطقية.
ومراته صدقتها من غير أي شك.
بل بالعكس...
كانت كل ما تبصله تحس بالفخر.
تشوف قدامها ضابط ناجح، قيادته مقدّراه.
أما هو...
فكل ما يفتكر الحقيقة...
ويفتكر الحوار اللي دار بينه وبين الدمنهوري...
كان يبتسم لوحده.
ابتسامة صغيرة... محدش غيره يفهم معناها.
لكن زي أي إجازة...
خلصت الأيام بسرعة.
ورجع إيلي مرة تانية إلى حصن مستميد.
ورجعت الحياة كأن العشرة أيام دول ما حصلوش أصلًا.
مر شهر يوليو...
وبعده أغسطس...
ببطء شديد.
بطء يخلي اليوم الواحد كأنه أسبوع.
الغريب...
إن مفيش أي حاجة كانت بتحصل.
لا إنذارات.
لا اشتباكات.
لا تحركات مريبة.
لا أوامر جديدة.
كل يوم نسخة من اللي قبله.
نفس الشمس.
نفس الحر.
نفس الوجوه.
نفس الروتين.
الاختلاف الوحيد...
كان الرسائل القصيرة اللي كانت بتتبادل بينه وبين الدمنهوري على التردد 109.
رسائل صغيرة جدًا.
مجرد كلمات مشفرة.
تحية...
رد...
جملة تبدو لأي حد بيسمعها إنها بلا معنى.
لكن الاتنين كانوا فاهمين كل كلمة.
وكانت كفاية علشان كل واحد يطمن إن التاني لسه بخير.
بعدها بسنين...
اعترف إيلي في مذكراته بحاجة غريبة.
قال إن أصعب فترة عدّت عليه هناك...
ما كانتش بسبب الخوف.
ولا بسبب احتمال الموت.
لكن بسبب الملل.
والوحدة.
والحر.
كان الحر خانق.
درجة الحرارة كانت تسيح الحديد.
والأيام كلها شبه بعض لدرجة إنه ساعات كان يصحى الصبح وميبقاش عارف...
النهارده إيه؟
اتنين؟
خميس؟
سبت؟
كل الأيام بقت واحدة.
لدرجة إنه بدأ يستنى رسالة الدمنهوري.
كل يوم.
يستناها زي ما أي إنسان بيستنى رسالة من صديق قديم.
مجرد كلمة...
تكسر الصمت.
وتفك الرتابة اللي ابتدت تخنقه.
وساعات...
كان يسرح بخياله.
ويتمنى إنه يروح الدشمة المهجورة...
ويفتح الباب...
ويلقي الدمنهوري قاعد مستنيه.
يشربوا شاي.
يتكلموا.
يختلفوا.
يتناقشوا.
أي حاجة...
أي حاجة تكسر الفراغ القاتل ده.
لكن التعليمات كانت صارمة.
الدمنهوري هو الوحيد اللي يحدد ميعاد ومكان أي لقاء.
إيلي ممنوع يطلب مقابلة.
وممنوع حتى يحاول.
والأغرب...
إن الدمنهوري نفسه، طول الشهور دي، ما طلبش منه أي مهمة جديدة.
ولا معلومة.
ولا تقرير.
ولا تكليف.
ولا حتى سؤال.
كأن كل شيء متوقف.
وده كان بيزود إحساس إيلي بالفراغ أكتر.
ورغم إنه كان عارف إن الدشمة هتكون فاضية...
إلا إنه تقريبًا كل يوم كان يروح هناك.
يفتح الباب.
يبص جوه.
يسكت شوية.
ويقعد دقائق وهو باصص للمكان.
وأحيانًا كان يضحك على نفسه.
لأنه عارف إنه مش هيلاقي حد.
ومع ذلك...
كان بيرجع تاني في اليوم اللي بعده.
كأن جزءًا جواه كان لسه مستني معجزة.
أما الحياة داخل الحصن...
فحتى وسائل الترفيه فقدت طعمها.
زيارات يوم السبت بقت مملة.
نفس المغنين.
نفس الأغاني.
نفس الضيوف.
نفس الضحك.
حتى الأكل...
اللي زمان كان يحلم بيه...
بقى عادي.
المخازن مليانة.
معلبات.
لحوم.
أسماك.
حلويات.
كل حاجة موجودة.
لكن الإنسان...
لما كل شيء يبقى متاح قدامه طول الوقت...
بيفقد إحساسه بقيمته.
وهكذا...
تحولت حياة إيلي إلى دائرة مغلقة.
شمس حارقة.
وصحراء ممتدة بلا نهاية.
وروح أنهكها الانتظار.
كان حاسس إن فيه حاجة كبيرة جاية.
ما يعرفش إمتى...
ولا إيه هي...
لكن كان متأكد، في أعماقه، إن الهدوء ده مش هيفضل كتير.
وإن الأيام اللي جاية...
هتغيّر كل شيء.