وده اللي حصل في قصة جاسوس النهارده،
اللي اختار يكون في طريق نهايته سودا تمامًا.
قصة النهارده عن واحد من أغرب وأشهر قضايا الجاسوسية اللي اتكشفت في مصر وقت السبعينات.
قصة شاب اسمه محمد عمر حمودة، واللي يعتبر من أخطر العملاء اللي اشتغلوا لصالح الموساد الإسرائيلي في الفترة دي.
* محمد عمر حمودة ......
محمد عمر حمودة كان شاب مصري، عايش مع أهله في الإسكندرية.
حصل على الثانوية العامة سنة 1971 بمجموع ضعيف. كان شخص منطوي ومضطرب نفسيًا من صغره، وعلاقته بأهله كانت سيئة جدًا بسبب تصرفاته ومشاكله المستمرة.
لأنه كان حاسس بميول ناحية الرجال... أكيد فهمت قصدي، خصوصًا إنه عاش مراهقة وطفولة بشعة...
عمر حمودة كان مختلف، زي ما قلنا، من صغره. كان عنده ميول وسلوكيات خلت الناس حواليه تلاحظ إنه مختلف عن باقي الشباب، ومع الوقت الموضوع كبر وبقى سبب مشاكل مستمرة بينه وبين أهله.
والده كان بيعاقبه، وكان بيضربه ويحبسه.... بعد ما بدأت الحكايات تنتشر عنه إنه بيميل للعلاقات مع الشباب.
وكان كل مرة يوعد إنه هيتغير ويحاول يلتزم، لكن ده ماكنش بيستمر.
كان بيهرب من أهله، ويسرح في الخرابات ودور السينما، يدور على صيد جديد لنزواته المنحرفة.
وكان سلبي، يعني بيفضل إنه يقوم بدور الست في العلاقة.... عفاكم الله.
أهله عملوا معاه كل حاجة ممكن تتخيلها،
وفشل معاه علاج الطب وعلاج الضرب والإيذاء.
أبوه كان بيحبسه في "البلكونة" عقابًا ليه على سلوكه، ويحرمه من الأكل والمياه، يمكن يرجع عن الأرف اللي بيعمله، لكن برضه ماكنش فيه فايدة.
لما جه وقت إنه يروح الجيش، كان فرحان جدًا، فاكر إن دي فرصة يبتدي بيها حياة جديدة ويثبت نفسه.
لكن اتفاجئ إنهم سلموه شهادة إعفاء، وقالوله إن الجيش محتاج رجالة بس.
ومن بعدها مرت عليه شهور صعبة وكئيبة.
كان صعب عليه يلاقي اللي عايزه أو يعيش زي ما كان متعود، خصوصًا إن الفلوس قلت بعد ما أبوه وقف عنه المصروف.
وكان ساعات يقعد لوحده حاسس إنه محاصر ومش عارف يهرب من اللي جواه، ويبكي على حاله ويحاول يلاقي أي طريق يخلصه من الإحساس بالذنب والعار… لكن مفيش حاجة كانت بتتغير. كان كل ما يحاول يبعد يرجع لنفس الدايرة تاني.
وبدل ما يتوب ويفوق من الأرف ده، خد قرار تاني خالص!
ومع الوقت بدأ يحس إنه رافض المجتمع اللي عايش فيه، وبدأ يدور على أي مكان يقدر يعيش فيه بحرية ومن غير قيود. عايز يمارس علاقات خاصة من غير ما حد "يأرفه" في عيشته ويقوله ده حلال وده حرام.
في الفترة دي كان بيقرا كتير عن أوروبا وإسرائيل، وعن فكرة الحرية هناك، وخصوصًا بعد ما عرف قصص جواسيس سبقوه اشتغلوا لصالح إسرائيل.
وهنا بدأت تتكون الفكرة في دماغه.
الفكرة بدأت لما قعد يقرا تقارير كتير عن اللي بيحصل في الجيش الإسرائيلي، وعن الناس الشواذ في أوروبا، واللي كانوا عايشين بشكل علني من غير خوف أو خجل، وبيتكلموا عن ده على إنه حرية شخصية.
وساعتها دماغه ابتدت تمشي في اتجاه مختلف خالص، وحس إن المجتمع اللي حواليه بيقيده وبيحكم عليه، وإن مفيش مكان يقدر يعيش فيه من غير إحساس بالرفض أو العزلة.
قرر يسافر تركيا، وبالتحديد إسطنبول.
جمع فلوس التذكرة بالعافية وسافر سياحة بعد معاناة، وهناك عاش أيام في حالة انبهار بالحياة الجديدة والحرية اللي حس بيها.
وبقى زي الكلاب في الشوارع بالظبط، بيدور على حاجة واحدة بس، وبيروح يقف في الحدائق مع الناس اللي شبهه ويمارس علاقات مع أجانب وسياح.
لكن بعد فترة قصيرة اتسرق وبقى من غير فلوس تقريبًا، وهنا نفذ أخطر خطوة في حياته.
لما سأل موظف الاستقبال في البنسيون عن مكان السفارة الإسرائيلية، قاله إن السفارة في العاصمة أنقرة، وإن القنصلية الإسرائيلية موجودة في إسطنبول.
ومن ساعتها كانت نيته خلاص واضحة ومقررة من جوه، إنه هيمشي في الطريق ده للآخر من غير تراجع.
راح على السفارة ودخل جوه، واتنقلوا بيه لمكتب أنيق بعيد.
المسؤول قعد قدامه وسأله عن سبب زيارته وإيه اللي جابه.
فرد عليه عمر بهدوء، وطلع جواز سفره من جيبه وقال:
"أنا مصري، وجاي أتكلم معاكم في موضوع مهم"........
الموظف في السفارة الإسرائيلية قابل محمد، وقعده معاه لوحدهم في مكتب شيك وقاله….
“إنت كاتب في الورقة إنك عايز تقابل مسؤول كبير عشان موضوع مهم.. خير عايز إيه؟”
طلع حمودة جواز سفره وادهوله وقال…..
“أنا مش عايز أرجع مصر.. كرهت مصر وكل حاجة فيها، وفكرت كتير أعيش في بلد تانية، لحد ما لقيت إن إسرائيل هي المكان المناسب.”
الراجل الإسرائيلي بصله باستغراب وسأله….
“ليه إحنا بالذات؟ وليه ما رحتش لأي دولة عربية بدل إسرائيل.. وإحنا أصلًا في حرب مع مصر وكل العرب؟”
رد حمودة من غير تردد:
“أنا نفسي أعيش في إسرائيل.. هناك الحرية مفتوحة والشغل كتير والفلوس أحسن بكتير من أي بلد عربي.”
حمودة كان متخيل إن الموضوع مجرد مقابلة سريعة وتنتهي.. لكن التحقيق معاه فضل مستمر لساعات طويلة.
كان بيتنقل بين أسئلة كتير عن حياته كلها.. وفي الوقت ده كانت فيه أوضة مخصوص فيها أجهزة تنصت وكاميرات بتسجل كل كلمة وكل حركة بتحصل.
طلبوا منه يكتب تفاصيل حياته بالكامل.. من أول نشأته لحد علاقاته وأسماء قرايبه ووظايفهم، وكمان رأيه في الأوضاع داخل مصر.
وده أسلوب معروف عند أجهزة المخابرات.. يحاولوا يكسبوا الشخص نفسيًا ويخلّوه يحس إنهم قريبين منه عشان يتكلم من غير خوف أو توتر.
وبعد المقابلة وفّروله إقامة داخل فندق فاخر على حساب القنصلية الإسرائيلية، وقعد هناك كام يوم تحت المراقبة.
ورغم الترحيب اللي شافه.. الإسرائيليين ماكانوش مطمنين له بشكل كامل.
وبعد ما خلصوا دراسة شخصيته والتأكد من أغلب التفاصيل اللي قالها.. زاره واحد من الضباط وعرف نفسه باسم النقيب سامي.
وقعدوا يتكلموا لساعات طويلة في أكتر من موضوع.. وخلال الكلام قال حمودة إنه كان متابع قصة “شاكر فاخوري” الجاسوس اللي وقع في إيد المخابرات المصرية.
وقال إن شاكر غلط غلطة كبيرة لما حاول يجند الضابط المصري بالإغراء والهدايا الغالية، من غير ما يفهم إن الراجل عنده ولاء لبلده ومستحيل يبيعها بالفلوس “قال يعني بيحاول يبين إنه ذكي قدامهم”.
وقعد النقيب سامي يبرر له طبعًا بشكل مقصود ليه إسرائيل بتحاول تساعد الجواسيس العرب اللي بيتكشفوا.
وقال له إن أغلبهم لو إسرائيل ماوقفتش جنبهم كان مصيرهم الإعدام.. لكن بسبب وجود أسرى وحسابات سياسية بين الدول العربية وإسرائيل، فعمليات تبادل الجواسيس بتحصل في السر بعيد عن الإعلام.
ساعتها حمودة رد بسرعة وقال:
“أيوه.. عشان كده أنا جيتلكم بنفسي.
أنا مستعد أشتغل معاكم وأكون تحت أمركم.. مقابل إني أعيش باقي عمري في إسرائيل.”
ضابط المخابرات ما ردش مباشرة.. بس طلّعله شوية فلوس وادهاله وقال:
“إنت شاب جريء.. وماجيتش هنا بالصدفة.
إنت عارف كويس إن المخابرات الإسرائيلية من أقوى أجهزة المخابرات في العالم.. وعارف كمان إن إسرائيل مختلفة عن باقي المنطقة.”
وبعدها كمل النقيب سامي كلامه وهو بيحاول يكسب ثقته أكتر، ويزرع جواه إحساس إنه اختار الطريق الصح.
وخلال الفترة دي كان حمودة بيروح باستمرار لحديقة الهيبز، والمقصود بيها مكان في إسطنبول بيتجمع فيه الأجانب زمان، ووقتها كانت منتشرة في السبعينات ظاهرة الهيبز ولبسهم الغريب.
وهناك كان بيقابل ناس شبه
… وكان بيلعب دور الأنثى اللي بيحبه.
بعد كل مقابلة كان يرجع هادي نفسيًا، ومستعد يكمل تدريباته والتعليمات اللي بياخدها يوميًا من ضباط الموساد.
ومع الوقت بدأ بريق الدولار يغريه أكتر، ويزرع جواه حب المغامرة والاستعداد يعمل أي حاجة مقابل الفلوس والحياة اللي كان بيحلم بيها.
كان يقعد بالساعات في أوضة الفندق يذاكر الدورات المكثفة اللي اتعلمها عن التجسس وأساليب العمل السري، لحد ما بقى مستوعب أغلب التفاصيل المطلوبة منه.
ولما جه وقت السفر وركب الطيارة ناحية بيروت.. كان خلاص عنده استعداد كامل يشتغل لصالح الموساد من غير تردد.
خليني بس أوضح لك حاجة عشان تبقى فاهم… بعد نكسة 1967 ظهر بطريقة ملفتة موضوع الفدائيين في فلسطين وبعض الدول العربية في الوقت ده.
عشان كده المخابرات الإسرائيلية ركزت بشكل كبير على ملاحقة المقاومة الفلسطينية، وبدأت تزرع عملاء وجواسيس في دول عربية مختلفة كانت المقاومة موجودة فيها.
هدفهم كان يعرفوا تحركات الفدائيين، وأماكن تواجدهم، وتسليحهم، وخططهم، وتنقلات القيادات.
ومن أهم الأماكن اللي ركز عليها الموساد وقتها كانت القرى اللبنانية القريبة من الحدود، لأن الفدائيين الفلسطينيين كانوا بيستخدموا المناطق دي للتسلل وتنفيذ عمليات ضد إسرائيل.
وقدرت المخابرات الإسرائيلية تجند عدد من العملاء والخونة من سكان القرى الحدودية دي مقابل فلوس بشكل مستمر.
طيب هتقولي: وهل فعلًا في لبنانيين تعاونوا معاهم؟
للأسف كتير، منهم نايف المصطفى من قرية البستان، وكان بياخد 400 ليرة كل شهر مقابل تعاونه معاهم، وكمان أحمد ضاهر من قرية عيترون، وغيرهم ناس كتير للأسف.
الموساد وقتها كان بيصرف أموال ضخمة لتجنيد العملاء وتوسيع شبكة التجسس داخل لبنان، لدرجة إن الوضع بدأ يبقى خطير جدًا.
وده كشف قد إيه الموساد كان متغلغل بقوة داخل الأراضي اللبنانية وقتها عشان يحمي حدوده من عمليات الفدائيين الفلسطينيين اللي ماكانوش بيوقفوا هجماتهم أو محاولات التسلل للأراضي المحتلة.
كانت مهمة عمر حمودة في لبنان محددة وواضحة.. يدخل وسط المنظمات الفدائية ويجمع أكبر كمية معلومات ممكنة عن تحركاتهم وأفرادهم.
وبالفعل قدر يكسب ثقة بعض عناصر المقاومة، لدرجة إنهم دربوه على استخدام السلاح والمتفجرات داخل معسكر تابع لإحدى المنظمات الفلسطينية، وكانوا بيجهزوه عشان يشارك بعد كده في عمليات فدائية داخل المستوطنات الشمالية في الأراضي المحتلة.
لكن في الوقت ده كان حمودة بينقل كل حاجة للموساد أول بأول.
كان بيسجل تفاصيل عن أماكن التدريب والأسلحة وأسماء المسؤولين والعناصر، وحتى تحركات بعض القيادات الفلسطينية داخل لبنان.
ووصل بيه الأمر إنه جمع معلومات عن عناوين عدد من القادة الفلسطينيين المقيمين في حي الفاكهاني في بيروت، والحي ده وقتها كان مليان بفلسطينيين وبيعتبر من أهم مراكز وجود المقاومة.
وكشفت التحقيقات بعد كده إن فيه شبهات قوية حول مشاركته في جمع معلومات عن 3 من قادة منظمة “أيلول الأسود” اللي تم اغتيالهم في بيروت يوم 9 أبريل سنة 1973.
وكان القادة التلاتة ساكنين في عمارة واحدة، وإسرائيل كانت عاوزة تخلص منهم، عشان حسب كلام الموساد إنهم اشتركوا في تدبير مذبحة ميونيخ في 5 سبتمبر 1972، واللي راح ضحيتها 11 إسرائيلي.
أمال إنت فاكر لما إسرائيل تيجي تقضي على عيلة قيادات ولا حد في بيته… ده بيكون إزاي؟
بالتجسس والخيانة، وللأسف بيشتروا ناس كتير بالفلوس….
بس للأسف حمودة ما اكتفاش بالمصايب اللي اتسبب فيها دي كلها، واللي كان بيعمل نفسه ست، إسرائيل علمته إزاي يضحك على المقاومة والفدائيين ويعمل نفسه واحد منهم.
وبعد ما جمع عمر حمودة كمية كبيرة جدًا من المعلومات والتفاصيل المهمة.. بدأ يفكر إزاي يوصلها بسرعة للموساد.
فعشان يقدر يسافر من غير ما يثير الشكوك، اخترع حجة مقنعة لقادة المنظمة وقال لهم إنه لازم يروح القاهرة كام يوم عشان يصدق على شهادة الثانوية العامة بتاعته.
وقال كمان إنه محتاج يخلص الإجراءات دي علشان يقدر يقدم في إحدى كليات جامعة بيروت العربية ويكمل دراسته بجانب نشاطه داخل المنظمة الفدائية….
لكن الحقيقة إنه كان وحشه صحابه في إسطنبول، وعايز يروح يقابلهم.. صحابه من الموساد وأصحابه من الألوان…..
المنظمة وافقت طبعًا على سفره، ومن مكتب سفريات اسمه “بلانكو” في ساحة البرج ببيروت، ركب عربية وطلع على دمشق، ولما وصل دمشق راح يزور واحد صاحبه في ضاحية دوما، وبعدها ركب أتوبيس متجه لحلب في شمال سوريا، وفي الطريق عدى على حمص، المدينة المعروفة بطيبة أهلها.
ولما وصل حلب الشهباء، وقف شوية عشان يزور حد يعرفه في القصر العدلي، وبعدها كمل طريقه وعدّى الحدود السورية ناحية تركيا…. وهناك في إسطنبول كان مستنيه ضابط المخابرات الإسرائيلي “النقيب سامي”، فسلمه كل اللي معاه من معلومات وخرائط خطيرة بتوضح الطرق الجبلية اللي كان الفدائيين المتطوعين بيدخلوا منها من سوريا للبنان، غير معلومات تانية مهمة عن منظمة التحرير.
انبسط سامي جدًا بنجاح أول مهمة، وفرح أكتر إن تلميذه اللي دربه رجع من لبنان ومعاه كمية معلومات مهمة، وخلّاه يقعد في جناح فخم داخل فندق كبير لحد ما تيجي أوامر جديدة من تل أبيب بخصوصه.
وبعد كام يوم زاره تاني، لكن المرة دي كان جايبله خطة جديدة ومهمة أخطر… في القاهرة نفسها.
طبعًا حمودة أول ما سمع كلمة القاهرة، اعترض على أوامر المخابرات الإسرائيلية، وحاول بكل طريقة يرفض المهمة.
كان شايف إن رجوعه للقاهرة مخاطرة كبيرة، خصوصًا إنه هربان منها أصلًا.
وبعد جلسة مليانة شد وجذب وصوت عالي، اضطر يوافق وهو مكسور من جواه، لأنه كان فاهم إن عالم الجاسوسية مفيهوش رفاهية الرفض، والعميل اللي يحاول يتهرب من أوامره ممكن يدفع التمن غالي جدًا.
عمر كان حاسس إنه اتحط بين فكين.. لو هرب من طرف هيمسكه الطرف التاني.
والمهمة اللي مستنياه في القاهرة ماكنتش بسيطة أبدًا، بالعكس كانت أكبر وأخطر من اللي عمله في بيروت.
كان المطلوب منه يحقق نجاح ضخم جوه مصر زي ما عمل في لبنان، خصوصًا بعد ما أبهرهم هناك ورجع بمعلومات أكتر بكتير من المطلوب، وده خلاه ياخد مكافأة كبيرة وينال رضا المخابرات الإسرائيلية عنه.
كانت مهمة عمر يبقى عارف كل صغيرة وكبيرة بتحصل جوه الجامعات، ويتابع بنفسه الحركة الطلابية اللي كانت وقتها مولعة في مصر.
الطلبة وقتها كانوا متحمسين جدًا، وفيه قيادات طلابية بتحاول تزرع الروح الوطنية وسط الشباب، بعد ما الناس ملت من الكلام الكتير عن ضرب إسرائيل والانتقام منها من غير تنفيذ حقيقي.
الكل كان عاوز السادات يحارب، وخصوصًا شباب الجامعة المتحمس.
في الفترة دي كانت المنشورات الحماسية بتنتشر بسرعة وسط الطلبة، والكل بيتأثر بيها.
ومع الوقت بقت المواجهات بين الطلبة والشرطة فيها تحدي واضح، وانتشر وسط الشباب إحساس بالقهر والمهانة بعد الهزيمة، ومعاه رغبة قوية في الانتقام من إسرائيل واسترداد الكرامة اللي ضاعت.
رجع عمر حمودة لمصر يوم 1 أبريل سنة 1973، وكان معاه آلاف الدولارات وكذا شنطة كبيرة مليانة هدايا لأهله، وبالأخص لأخوه عبد الحميد اللي كان بيدرس في سنة رابعة بكلية التربية جامعة عين شمس.
عبد الحميد كان ساكن في المدينة الجامعية اللي جنب وزارة الحربية ومسجد الزعيم جمال عبد الناصر، ومع كثرة زيارات عمر ليه اتعرف على زمايله هناك بسهولة.
الطلبة رحبوا بيه جدًا واعتبروه واحد منهم، وكانوا يقعدوا يسمعوا حكاياته عن تركيا وإسطنبول باهتمام كبير.
وعمر استغل ده، وفضل يحكي قصص كتير عن حياته هناك، وعن البنات والعلاقات والصداقات اللي كان بيقول إنها سهلة جدًا في إسطنبول، ومعظم الكلام ده كان مبالغات وحكايات ملفقة عشان يلفت انتباه اللي حواليه ويكسب ثقتهم بسرعة.
ومع تكرار زياراته للمدينة الجامعية، حس عمر حمودة إن المسافة بينه وبين أصحاب أخوه بدأت تختفي، وإنه بقى قريب منهم جدًا.
وبعد ما كسب ثقتهم، بدأ يدخل معاهم في كلام سياسي أكتر حساسية، ويقعد يسمع منهم أخبار الحركة الطلابية والغضب اللي كان مالي الجامعة وقتها عشان موضوع الحرب.
كان يسمع باهتمام ويظهر قدامهم إنه مندهش ومتحمس لكل اللي بيتقال.
وكل ما يلاقيهم بيتكلموا بحماس ضد الأوضاع وقتها، يزود هو كمان حماسه أكتر، لدرجة إنه رسم لنفسه صورة البطل الوطني اللي واقف ضد النظام زي أغلب الناس وقتها.
ومع الوقت بدأ يبالغ في حكاياته، وادعى قدامهم إن المخابرات الإسرائيلية حاولت تكلفه قبل كده بحرق القنصلية المصرية في بنغازي، وقت المظاهرات اللي حصلت ضد مصر في ليبيا في الفترة دي.
وكان بيحكي الكلام ده بثقة شديدة عشان يبان قدامهم إنه شخص خطير وعنده علاقات وتحركات كبيرة في الخفاء.
وبهدوء شديد، الطلاب ركزوا مع كلامه، ولما طلب منهم يكتبوا تقارير عن الحركة الطلابية في الجامعة عشان يراجعها بعدين على مهل، بدأ الشك يزيد جواهم، وحسوا إن في حاجة مش طبيعية، وإنه مخبي ورا كلامه سر كبير.
الطلاب قرروا يبانوا إنهم موافقين وهنكتب التقارير، لكن في نفس الوقت راحوا للواء سيد فهمي، رئيس مباحث أمن الدولة، وشرحوا له كل اللي حصل.
فطلب من اللواء أحمد رشدي، مدير مباحث أمن الدولة، إنه يحط خطة دقيقة بالتعاون مع الطلاب عشان يوقعوا الجاسوس حمودة، ويجمعوا أدلة صوتية ومكتوبة تثبت إدانته….
وده اللي هنحكيه بكرة بإذن الله في الجزء الأخير من قصة حمودة، وإزاي قدرت المخابرات المصرية توقعه، وإزاي انتهت حياته.