الخبراء العسكريين في روسيا وأمريكا أكدوا إن عشان تفتح ثغرة في الساتر الترابي ده، إنت محتاج يا إما “قنبلة ذرية”، يا إما طيارات تدك فيه لمدة سنين.. وإسرائيل كانت قاعدة حاطة رجل على رجل ومطمنة إن مفيش مصري هيقدر يلمس الرملة دي.
متخيلين؟ بلدنا منقدرش نلمسها!
بس على مين…
وسط الاجتماعات والخطط المعقدة، قام ظابط مهندس هادي جدًا، المقدم باقي زكي يوسف، وقال جملة غيرت مجرى التاريخ:
“يا فندم، إحنا مش محتاجين متفجرات.. إحنا محتاجين طلمبات مية!”
تخيلوا الرد؟
الكل سكت..
“مية إيه يا باقي اللي تهد جبل رمل؟”
لكن باقي، اللي كان شغال قبل كده في بناء السد العالي، كان عارف إن المية لما بتندفع بقوة تقدر تشيل جبال.
الفكرة كانت بسيطة لدرجة إن محدش صدقها.. بس هي دي كانت “العبقرية”.
باقي زكي حسبها بالورقة والقلم، وقدر يثبت إن ضغط مية القنال لو اتوجه بـ “طلمبات” معينة، هيخلي الرملة دي تنهار وتدوب في دقايق، وتفتح طريق للدبابات المصرية تعبر.
إسرائيل كانت بتراقب كل حاجة، بس عمرهم ما اتخيلوا إن “خراطيم المية” هي اللي هتدمر حلمهم.
كانوا فاكرين إن المصريين بيشتروا الطلمبات دي عشان “الزراعة”، ومكنوش يعرفوا إنها “سلاح الدمار الشامل” اللي هيفتح لهم أبواب الجحيم!
خصوصًا إن السادات لعب عليهم اللعبة دي كويس أوي ونيمهم حرفيًا.. ونشر في العالم كله إنه مش بيفكر في الحرب، علشان يطمنهم أكتر ويبعد عنهم الشك.
عارفين إيه اللي حصل يوم 6 أكتوبر لما المية اشتغلت؟
وإزاي المهندس ده وقف يراقب “الرملة” وهي بتدوب قدام عينيه في ثواني؟
إسرائيل كانت واثقة إن “خط بارليف” ده حيطة سد، ساتر ترابي طوله بيوصل لـ 20 متر وميل حاد جدًا، مستحيل دبابة تطلعه.
كان الرهان عندهم:
“المصريين لو حاولوا يفتحوا ثغرة بالديناميت، هياخدوا أيام.. وفي الأيام دي هنكون مسحناهم.”
بس هما مكنوش يعرفوا إن “باقي زكي” كان مجهز لهم المفاجأة.. “خراطيم المية”!
أول ما الإشارة جت، بدأت الطلمبات تشتغل بصوت عالي.
المية اندفعت بقوة جبارة من القنال وضربت في قلب الساتر الترابي.
في الأول، جنود العدو من فوق الساتر كانوا بيضحكوا ويتريقوا!
بس الضحك ده مكملش دقايق..
الرملة بدأت “تسيح” زي الكيكة تحت ضغط المية.
الرمال اللي كانت صخرية بدأت تنهار وتنزل في القنال، وفجأة الساتر اللي طوله 20 متر بدأ يفتح “طريق” واسع وواضح للدبابات المصرية.
الخبراء العسكريين الأجانب اللي كانوا بيراقبوا من بعيد مكنوش مصدقين عينيهم.
فكرة “بسيطة” و”رخيصة” حطمت أسطورة هندسية اتصرف عليها ملايين الدولارات.
الساتر اللي كان محتاج “قنبلة نووية” عشان يتهد، وقع قدام شوية مية في أقل من 3 ساعات!
باقي زكي كان واقف بيراقب “الرملة وهي بتدوب”، وعينيه فيها دموع الفخر.
فكرته اللي الكل استهون بيها في الأول، بقت هي “مفتاح العبور” اللي خلى العساكر تصرخ:
“الله أكبر”
وهما بيعدوا من قلب الثغرة اللي المية فتحتها!!
عارفين إيه اللي يجنن أكتر؟
إن إسرائيل اكتشفت بعدين إن مصر اشترت الطلمبات دي من ألمانيا بحجة إنها هتستخدمها في “إطفاء الحرائق” و”أعمال مدنية”، والمخابرات بتاعتهم شربت المقلب وافتكروا إن المصريين “غلبانين” ومش بتوع حرب!
عارفين إيه اللي حصل لما حصلت مصيبة وضغط المية قل فجأة؟
وإزاي باقي زكي اتصرف في لحظة كانت ممكن تقلب الموازين؟
“الضغط بيقل يا فندم!”..
الكلمة دي كانت كفيلة تخلي قلب أي قائد يقف…
في عز الملحمة والطلمبات شغالة بتهد في جبل الرمل، فجأة حصل اللي محدش عمل حسابه..
صوت اندفاع المية اللي كان بيهز الأرض بدأ يهدى، والضخ الجبار اللي بيجرف الساتر بدأ “يضعف” تدريجيًا.
تخيلوا الرعب..
الدبابات المصرية واقفة طوابير مستنية ورا الساتر، والعدو بدأ يجمع نفسه ويرد بقصف جنوني، والثغرات اللي اتفتحت لسه مكملتش عشان الدبابة تعدي.
لو ضغط المية فضل يقل، الرملة هتنشف تاني، والعبور كله هيتحول لكارثة، والرجالة هيبقوا “صيد سهل” قدام طيارات العدو!
باقي زكي يوسف مكنش من النوع اللي يرتبك..
نزل وسط الضرب والمدافع عشان يشوف “السر” فين.
واكتشف إن فلاتر سحب المية اتسدت بالكامل من “طمي” القنال والرمل اللي بيطير من الانفجارات.
المية ماقطعتش، لكنها كانت “بتنازع” عشان تخرج.
في لحظة، طلع قرار من أصعب ما يكون:
“تطهير الفلاتر فورًا وبأيديكم وتحت النار!”
العساكر والفنيين نزلوا المية والضرب فوق دماغهم، وبدأوا يسلكوا المصافي بضوافرهم عشان يرجعوا الضغط لقوته.
كانت معركة “أعصاب” بالثانية.. والمهندس باقي واقف، عينه على الساعة وعلى الساتر، لأن كل دقيقة تأخير تمنها “أرواح”.
وبالفعل، المية رجعت تندفع بقوة جبارة، والساتر كمل انهيار تحت “المدفعية المائية” المصرية.
وفي ظرف ساعات قليلة، كان المهندس باقي زكي يوسف فاتح الطريق لـ 81 ثغرة في قلب “خط بارليف” الأسطوري!
العدو كان باصص من الناحية التانية بذهول..
هما مش بس عدّوا، هما “دوبوا” كبرياء الساتر الترابي اللي العالم كله قال إنه مستحيل يتهد.
وشارون نفسه ـ اللي كان مرعوب من الرفاعي ـ اعترف إن فكرة المية دي كانت “عبقرية مجنونة” خلت خططهم كلها تترمي في الزبالة.
عارفين إيه أكتر حاجة توجع؟
إن العالم كله انبهر بباقي زكي، بس فيه “تكريم” بسيط جدًا حصله بعد السنين دي كلها خلاه يحس إن حقه رجع بجد..
بعد ما الحرب خلصت، اسم باقي زكي يوسف فضل بعيد عن الأضواء لسنوات طويلة، والناس كانت بتتكلم عن المعجزة من غير ما تعرف اسم صاحبها، لحد ما بدأ الباحثين والكتاب يسلطوا الضوء على دوره التاريخي.
ورغم إن الرئيس الأسبق حسني مبارك كرّمه سنة 1995 ومنحه وسام الجمهورية، إلا إن التكريم الحقيقي للبطل ده كان حاجة تانية خالص.
في حوار تليفزيوني، المذيعة سألته سؤال كان فيه نبرة صعبانية شوية، وقالتله:
"يا فندم.. طوال السنين اللي فاتت لم تشعر بعدم التكريم والاحتفاء اللائق بك، وحسيت بمرارة..؟"
لكن هو رد بشكل يُدرس في الكرامة..
البطل بص للمذيعة باندهاش واستنكار، وقالها بكل عزة نفس وفخر:
"مرارة إيه؟ وعدم تكريم إيه؟؟ أنا يا بنتي أول ناس عدت من الممرات اللي فتحناها بخراطيم المية يوم 7 أكتوبر الصبح.. تعرفي يا بنتي وأنا معدي منها كانت رقبتي أطول من مبنى التليفزيون بتاعكم ده..!"
تخيلوا التشبيه؟ البطل بيقيس كرامته وتكريمه بارتفاع مبنى ماسبيرو، اللي طوله 143 متر وبيتكون من 42 دور! التكريم بالنسبة له مكنش "شو إعلامي"، التكريم كان إنه شاف فكرته بتنجح على الأرض، وبتنقذ أرواح آلاف العساكر، وبتفتح طريق النصر.
في يونيو 2018 رحل عن عالمنا اللواء باقي زكي يوسف. وكرّمه الرئيس السيسي عن دوره العظيم في أكتوبر، واستلمت زوجته التكريم في لحظة مهيبة..
مات صاحب الطوفان، وساب لينا درس إن أعظم تكريم للإنسان هو إنه يشوف أثر إخلاصه لبلده بعينيه.